«الملك هو الملك».. فماذا عن سؤال «المَلكية» في سوريا؟!

الكاتب: أحمد علي
تُجيد الأعمال المسرحية أحياناً كشف ما تحجبه اللغة السياسية، لأنها تضع السلطة على الخشبة بأقنعتها وطقوسها ثم تسأل.. في مسرحية الكاتب المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس «الملك هو الملك» لا يكون التاج هو البطل بقدر ما تكون قواعد القصر هي البطل، فالتبديل الرمزي في موقع الجالس على العرش يكشف أن جوهر الحكم يبقى أسير البنية نفسها ما لم تتغير شروطها وحدودها وآليات محاسبتها…
استدعاء هذا العمل هنا ليس من باب تحويل الفن إلى وصفة جاهزة للقراءة، بل تذكير بأن السجال حول شكل الدولة يبدأ من سؤال القواعد قبل أي سؤال آخر، ومن معنى الدولة كفكرة جامعة قبل التنافس على رأسها الرمزي.
على أية حال، فاليوم يتقدّم سؤال شكل الحكم في سوريا كلما اقترب الحديث من مستقبل سياسي أقل عنفاً وأكثر قابلية للحياة، وهو سؤال لا يقتصر على تفضيل تسمية على أخرى بقدر ما يلامس جوهر العقد الذي يمكن أن يجمع السوريين مجدداً. فقد تداول بعض السوريين خلال الأيام الماضية، على منصات التواصل وفي نقاشات النخب، طرحاً غير مألوف مفاده أن تكون سوريا ملكية، ونحن هنا نسأل السؤال ذاته ونناقش: إذا أمكن حدوث ذلك، فهل تكون تلك الصيغة علاجاً رمزياً للانقسام أم وصفة جديدة للخلاف؟!
لا يحتاج هذا الجدل إلى أن يُقرأ بوصفه اصطفافاً سياسياً بقدر ما يستحق أن يُفهم كاختبار للخيال الدستوري السوري، ومحاولة للبحث عن رأس دولة يمكن أن يُنظر إليه باعتباره أقل تحزباً في لحظة تتنازعها الولاءات، وأكثر قدرة على تمثيل الدولة كفكرة لا كغنيمة.
الملكية الدستورية في سوريا
تعريف الملكية الدستورية ينطلق من فكرة بسيطة لكنها مليئة بالتفاصيل، وجود ملك أو ملكة ضمن دولة تحكمها قواعد دستورية تحدد حدود السلطة وتوزعها على مؤسسات منتخبة أو خاضعة للمساءلة.
تشير موسوعة بريتانيكا إلى أن الملكية الدستورية هي نظام تتقاسم فيه المؤسسة الملكية السلطة مع حكومة منظمة دستورياً، وقد يكون دور الملك فعلياً أو رمزياً بحسب تصميم الدستور. وتوضح أدبيات التصميم الدستوري لدى المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية أن النموذج البرلماني المعاصر يجعل الملك رأس دولة وراثياً ذا دور تمثيلي ومدني في الغالب، بينما تبقى السلطة التنفيذية في يد حكومة مسؤولة سياسياً أمام البرلمان، ومع ذلك قد يحتفظ الملك أحياناً بهوامش محدودة للتحكيم الدستوري في لحظات الانسداد.
وبين هذين التعريفين تظهر نقطة حاسمة، وهي أن الملكية الدستورية ليست عودة إلى حكم مطلق ولا تعني تلقائياً ديمقراطية مكتملة، بل هي طريقة بعينها للفصل بين رمزية الدولة وتدبيرها اليومي.
جذور تاريخية ومخيلة سياسية
حين يطرح بعض السوريين اليوم فكرة الملكية، فهم يستدعون أحياناً صفحة قصيرة من تاريخ تأسيس الدولة الحديثة، لا لأن تلك الصفحة تصلح أن تكون قالباً جاهزاً، بل لأنها تقدّم مثالاً على أن فكرة الملكية الدستورية كانت جزءاً من تخيل سياسي سوري مبكر. توثق دراسات التاريخ الدستوري السوري أن المؤتمر السوري العام أعلن في الثامن من آذار 1920 قيام المملكة العربية السورية، واختار فيصل بن الحسين ملكاً، كما ناقش المؤتمر بصفته جمعية تأسيسية مشروع دستور أقر من حيث المبدأ في تموز 1920، ونص على ملكية دستورية علمانية ونظام برلماني مدني قائم على العدالة والمساواة بين الجماعات الدينية، قبل أن تنتهي التجربة سريعاً بدخول القوات الفرنسية دمشق في الخامس والعشرين من تموز من العام نفسه.
استحضار هذه التجربة لا يمنحها صفة المثال الذهبي، فظروفها كانت مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وصراع الانتدابات، لكنها تكشف أن النقاش حول موقع الدين في الدولة، وحدود السلطة، وشكل التمثيل النيابي، حاضر في تاريخ سوريا الدستوري منذ البدايات.
الشرعية بين التاريخ والواقع
المعضلة الأولى في أي حديث عن تحويل سوريا إلى ملكية لا تتعلق بالدستور بقدر ما تتعلق بالشرعية، من هو الملك ومن أين تأتي رمزيته، وهل يمكن لمجتمع متنوع ومجروح أن يتوافق على عائلة حاكمة.
في الملكيات الدستورية التي تُقدَّم غالباً كنماذج مقارنة، توجد سلالة حاكمة متجذرة في التاريخ الوطني، ومعها تقاليد دستورية أو توافقات سياسية حول حدود الدور الملكي. في إسبانيا مثلاً ينص دستور 1978 على أن الشكل السياسي للدولة هو ملكية برلمانية، لكنه في الوقت ذاته يقرر أن السيادة الوطنية للشعب، وهو ما يربط شرعية المؤسسة الملكية بالتراضي الدستوري والاحتكام إلى الاستفتاء.
وفي كمبوديا يعرّف دستور 1993 البلاد بأنها مملكة يحكم فيها الملك وفق الدستور ومبادئ الديمقراطية الليبرالية والتعددية، بل يحدد آلية اختيار الملك عبر مجلس للعرش، بما يجعل الوراثة محكومة بإطار مؤسسي واضح.
لا تقول هذه الأمثلة إن الملكية الطريق الأقصر للاستقرار، لكنها تشير بأن الملكية الدستورية تنجح حيث تتوافر ثلاثة شروط متداخلة، قبول اجتماعي واسع، حدود دستورية صارمة، وقنوات سياسية تسمح بتبدل الحكومات دون أن تتحول الدولة إلى رهينة لصراع على رأسها الرمزي.
في الحالة السورية تبدو هذه الشروط موضع سؤال كبير ومثير، فتاريخ الملكية في سوريا الحديثة قصير، والسلالة التي ارتبطت بتجربة 1920 لم تستمر داخل سوريا، كما أن الذاكرة الوطنية السورية خلال قرن كامل تشكلت في ظل صيغ جمهورية متعاقبة بوجوه مختلفة. لذلك يصبح من السهل أن يتحول سؤال الملكية إلى نزاع جديد حول الهوية والتمثيل بدل أن يكون جسراً نحو عقد جامع، خصوصاً إذا ارتبط بأسماء أو مناطق أو تحالفات خارجية، أو إذا بدا وكأنه محاولة لإعادة إنتاج امتيازات طبقية على حساب مبدأ المواطنة المتساوية.
اقرأ أيضاً: عامٌ بعد الأسد: المشهدية السورية من «سأخون وطني» إلى امتحان الوطن!
مكاسب محتملة وحدودها على الأرض
مع ذلك لا يمكن تجاهل أن فكرة الملكية الدستورية في سوريا تغري بعض أنصارها لأسباب تتعلق بالوظيفة لا بالحنين. فهناك تصور يقول إن وجود رأس دولة وراثي محدود الصلاحيات قد يخفف من شخصنة السلطة التي عانت منها الجمهوريات العربية، لأن الصراع السياسي ينتقل من موقع الرئيس إلى موقع الحكومة والبرلمان، فيصبح التنافس أقل صفراً وأقرب إلى البرامج.
ويضيف آخرون أن الرأس الرمزي قد يوفر مساحة مشتركة في بلد تتنازعه الهويات المحلية، على أن يظل ذلك الرأس خارج المنافسة الحزبية وقادراً على تمثيل الدولة في الطقوس العامة وفي العلاقات البروتوكولية، وأن يساعد في لحظات الانسداد على تيسير انتقال دستوري من حكومة إلى أخرى ضمن قواعد شفافة.
تجد هذه الحجج لها سنداً في بعض الأدبيات التي ترى أن للملكية الدستورية قيمة رمزية بوصفها مثلاً أعلى للاستمرارية وللحياد، لكنها لا تحسم السؤال السوري، لأن الرمزية وحدها لا تبني مؤسسات، ولأن التصميم الدستوري قد ينقلب على مقاصده إذا لم تُضبط الصلاحيات ولم تتوافر رقابة فعالة.
وفي هذا السياق، يشير المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية إلى أن الوراثة بذاتها طريقة غير ديمقراطية لاختيار رأس الدولة، وأن الملكية قد تصبح منقسمة أو مثقلة بإرث نظام غير ديمقراطي، وقد تُستخدم كغطاء لاستمرار نفوذ غير خاضع للمساءلة. كما أن تجارب المنطقة تبيّن أن بقاء الملكية قد يرتبط أحياناً بتركيبات أمنية واقتصادية وتحالفات خارجية، لا بمجرد شكل دستوري، وهو ما يجعل استنساخ النموذج دون شروطه مؤدياً إلى خيبة جديدة.
عوائق انتقالية ومسارات ممكنة
السؤال الواقعي إذن ليس هل يمكن نظرياً ابتكار ملكية دستورية في سوريا، بل هل يمكن بناء مسار سياسي يمنح أي صيغة حكماً قابلاً للاستمرار. قرار اختيار شكل الدولة لا يُقاس فقط بجاذبية الاسم، بل بقدرته على حل عقدتين مركزيتين، عقدة الشرعية وعقدة توزيع السلطة.
من منظور القانون الدولي السياسي، ما يزال مسار الأمم المتحدة يربط أي تسوية مستدامة بعملية سياسية يقودها السوريون وتفضي إلى حوكمة ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية، وإلى صياغة دستور جديد أو إصلاح دستوري عميق، ثم انتخابات تحت ذلك الإطار، كما تؤكد قرارات مجلس الأمن المتعلقة بسوريا وفي مقدمتها القرار 2254. وفي هذا السياق تصبح الملكية الدستورية في سوريا احتمالاً ضمن سلة خيارات، لكنه لا يستطيع تجاوز شرط القبول الشعبي ولا شرط العملية التأسيسية الجامعة.
أما على الأرض، فالعائق الأكبر يتمثل في أن النقاش الدستوري لا ينفصل عن واقع السلاح والحدود والاقتصاد، ولا عن ملايين النازحين واللاجئين الذين سيطالبون بحقوقهم وتمثيلهم وعودتهم الآمنة. فأي صيغة حكم ستحتاج إلى قواعد واضحة للفصل بين السلطات، وإلى ضمانات لحقوق الأفراد والجماعات، وإلى جهاز قضائي مستقل، وإلى ترتيبات متوازنة للعلاقة بين المركز والمناطق، وإلى آليات لمحاسبة السلطة التنفيذية ومراقبة المال العام.
فإذا قُدّمت الملكية الدستورية كعنوان لحزمة إصلاحات من هذا النوع، فقد تُناقش بجدية ضمن سوق الأفكار، أما إذا قُدّمت كاختصار للمشكلات أو كبديل عن بناء المؤسسات، فستتحول سريعاً إلى شعار بلا مضمون.
خلاصة القول إن الملكية الدستورية في سوريا ليست مستحيلة من حيث المبدأ، فالدساتير تصنعها المجتمعات حين تتوافق على قواعد اللعبة، لكنها أيضاً ليست وصفة سحرية ولا جسراً مضموناً فوق الانقسام. وربما النقاش الذي يدور حولها يعكس حاجة السوريين إلى رأس دولة أقل تحزباً وإلى نظام يحد من تغول السلطة، وهذه الحاجة يمكن تلبيتها أيضاً عبر صيغ جمهورية برلمانية أو شبه برلمانية إذا صممت بحذر ووفرت الضمانات نفسها.
أخيراً وليس آخراً، فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يبقى في صدارة أي حوار عام هو كيف تُبنى شرعية جديدة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وكيف تُصان الحقوق في مواجهة القوة، وحين تتضح الإجابات قد يصبح شكل رأس الدولة تفصيلاً أقل إثارة للخلاف وأكثر قابلية للتوافق…
اقرأ أيضاً: ترامب وغيره.. لماذا يريدون احتكار الفضل في رئاسة سوريا؟









