سياسة

هل تكفي 18 شهراً لإنقاذ سدود الفرات وتشرين وكديران؟

الكاتب: أحمد علي

تحتاج مجموعات التوليد في سدود الفرات وتشرين وكديران إلى نحو سنة ونصف السنة من الصيانة الشاملة، وفق التقدير الذي أعلنه مدير المؤسسة العامة لسد الفرات هيثم بكور في 25 تموز 2026. يفترض هذا المسار إعادة المجموعات إلى الخدمة بعد اختبار موثوقيتها، ومنحها عمراً تشغيلياً إضافياً يصل إلى نحو 15 عاماً، لكن التصريح لم يحدد قيمة التمويل أو جدول التوريد أو ترتيب إخراج العنفات من الخدمة، وهي تفاصيل ستقرر إن كانت الأشهر الثمانية عشر مدة تنفيذ فعلية أم تقديراً فنياً مرتبطاً بتوافر شروط لم تُعلن بعد.

المنشآت الثلاث لا تدخل برنامج الصيانة من النقطة نفسها. سد الفرات يعمل منذ سبعينيات القرن الماضي، وكديران دخل الخدمة في ثمانينياته، بينما يعود سد تشرين إلى نهاية التسعينيات. تراكم العمر التشغيلي مع سنوات الحرب، وتدمير مستودعات القطع التبديلية، وخروج خبرات فنية من القطاع، جعل الصيانة اليومية وسيلة لإبقاء المنشآت عاملة، فيما تأجلت العمرات الكبرى التي تعيد فحص المولدات والعنفات وأنظمة الحماية والتحكم على نحو كامل.

سدود الفرات بين الصيانة والعمرة

تُظهر الأعمال المنجزة خلال تموز الفرق بين الصيانة الوقائية والعمرة الشاملة. أعادت فرق المؤسسة مجموعة التوليد الثانية في سد كديران إلى الشبكة بعد فحص المولد والمحول الرئيس وأنظمة التحكم والحماية وزيوت المحولات والعنفات. وكانت أعمال الصيانة الدورية في المحطة قادرة على رفد الاستطاعة بنحو 25 ميغاواط، وهو تحسن مباشر ومهم في شبكة تعاني نقصاً مزمناً، لكنه يبقى مرتبطاً بمجموعة واحدة ولا يعالج وحده التقادم المتراكم في المحطة كلها.

الوضع في سد تشرين أفضل نسبياً من حيث الجاهزية المعلنة. قالت وزارة الطاقة في 21 تموز إن خمس مجموعات من أصل ست أصبحت جاهزة، وإن العمل مستمر على المجموعة السادسة. وبلغ المخزون الفعلي في البحيرة 1.8 مليار متر مكعب من أصل سعة تصميمية قدرها 1.9 مليار. تعني هذه الأرقام أن معظم القدرة الميكانيكية متاحة نظرياً، لكن كمية الكهرباء المنتجة تظل مرتبطة بالوارد المائي وبقدرة خطوط النقل على استيعابها.

برز هذا القيد خلال ارتفاع منسوب الفرات في أواخر أيار. رفعت إدارة سد تشرين حمولة العنفات وفتحت المفيض تدريجياً لتمرير الموجة المائية، بينما كانت البحيرة قريبة من 95 بالمئة من سعتها. ذكرت الوزارة آنذاك أن خطين فقط من أصل خمسة خطوط كانت تربط السد بحلب وريفها وريف الحسكة يعملان. لذلك لا يكفي إصلاح العنفات إذا ظلت أجزاء من شبكة النقل متضررة، لأن الطاقة المتاحة داخل المحطة قد لا تصل كاملة إلى مناطق الاستهلاك.

سد الفرات يحمل العبء الأكبر داخل المنظومة. يضم ثماني مجموعات، استطاعة كل منها 110 ميغاواط، وتبلغ السعة العظمى لبحيرته نحو 14.1 مليار متر مكعب. هذه المنشأة التي بدأ بناؤها عام 1968 واكتمل تشغيلها في السبعينيات تؤدي وظيفة تتجاوز التوليد، فهي تنظم مخزوناً مائياً واسعاً وتؤثر في مياه الشرب والري والتدفقات المتجهة إلى الرقة ودير الزور ثم العراق. أي عمرة فيها تحتاج إلى ترتيب دقيق يوازن بين إخراج مجموعة للصيانة والحفاظ على التوليد وتمرير المياه.

ماذا تشمل الأشهر الثمانية عشر؟

حدد تصريح هيثم بكور المشكلة في نقص الكوادر والقطع التبديلية والتقادم الفني، وتحدث عن عمرة شاملة وتحديث بالاستفادة من خبرات دولية. هذا يضع ثلاثة شروط أمام الجدول الزمني. يبدأ الأول بتأمين الاعتمادات المالية، لأن شراء قطع كبيرة للعنفات والمولدات وأنظمة التحكم يختلف عن الصيانة التي تنفذها الورش المحلية بما هو متاح. ويتعلق الثاني بالتعاقد والتوريد، إذ قد تحتاج بعض القطع إلى تصنيع خاص وفق تجهيزات تعود إلى عقود سابقة. أما الشرط الثالث فهو وجود فرق قادرة على تفكيك المعدات وفحصها وإعادة تركيبها وإجراء اختبارات التحميل والأمان.

المؤسسة أعلنت أنها تعمل مع وزارة التنمية الإدارية لاستقطاب كفاءات جديدة بعد استنزاف الكوادر المتخصصة. غير أن توظيف عاملين جدد لا يعوض الخبرة المتراكمة سريعاً، ولا سيما في منشآت تتطلب معرفة بتفاصيل تشغيلية قديمة وأنظمة جرى تعديلها مرات متلاحقة. ستحتاج الخطة إلى نقل معرفة من الفنيين الحاليين، وبرامج تدريب ميدانية، وعقود تضمن حضور خبراء عند مراحل الفحص والتشغيل التجريبي، وإلا قد يتقدم شراء المعدات على القدرة المؤسسية اللازمة لاستخدامها وصيانتها لاحقاً.

هناك أيضاً مسألة نطاق العمل. التصريحات المنشورة تركز على مجموعات التوليد، بينما تشمل سلامة منظومة السدود عناصر أخرى مثل البوابات والمفيضات وأجهزة قياس الضغط والتسرب، والمراقبة اللحظية للمناسيب، ومحطات التحويل وخطوط النقل، إضافة إلى المجرى خلف السدود. لم تنشر المؤسسة حتى الآن قائمة تفصيلية تحدد ما إذا كانت السنة والنصف تغطي هذه المكونات كلها، أم تقتصر على العمرات الكهروميكانيكية. هذا الفرق ضروري عند تقييم النتيجة، لأن عودة العنفات لا تعني اكتمال تأهيل المنشأة بكامل وظائفها.

كما لم يعلن حتى الآن مقدار القدرة التي ستعود إلى الشبكة بعد انتهاء البرنامج. القدرة الاسمية لسد الفرات وحده تصل حسابياً إلى 880 ميغاواط، لكن القدرة الاسمية لا تساوي الإنتاج الفعلي. الإنتاج يتغير مع منسوب البحيرة والتدفقات وحالة كل مجموعة وخطوط النقل وحاجة منظومة المياه إلى تنظيم الإطلاقات. لهذا ينبغي أن تقاس الخطة بمؤشرات تشغيلية منشورة، منها عدد المجموعات المتاحة، والطاقة المولدة فعلياً، ومعدلات الأعطال، وساعات التوقف، وكفاءة تمرير المياه، لا بعدد القطع التي جرى تبديلها فقط.

المياه قبل القدرة الاسمية

اختبار أي برنامج لتأهيل سدود الفرات سيظهر عند تقلب الوارد المائي. خلال أيار 2026 ارتفع منسوب النهر، وغمرت المياه نحو خمسة آلاف دونم وتضررت قرابة 2400 عائلة في الرقة ودير الزور وفق البيانات الحكومية. تعاملت السدود مع موجة كبيرة عبر رفع التصريف وفتح المفيضات وتشكيل غرفة عمليات مشتركة. الحادثة أظهرت أن المنظومة تستطيع الاستجابة، لكنها كشفت أيضاً أثر أي تأخر في التحذير أو ضعف في التنسيق على القرى والأراضي الزراعية ومحطات المياه الواقعة بعد السدود.

العام السابق حمل المشكلة المعاكسة. وثقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO جفافاً استثنائياً في شمال شرق سوريا خلال 2025، واعتبرته الأشد منذ نحو أربعة عقود. الانتقال من نقص حاد في المياه إلى تدفقات مرتفعة خلال فترة قصيرة يضع التشغيل أمام مهمتين متعارضتين، حفظ مخزون يكفي الصيف والزراعة، وتمرير الفائض بأمان عندما ترتفع الواردات. تحديث أجهزة القياس والإنذار ونماذج التنبؤ بالتدفقات يجب أن يسير مع إصلاح العنفات، لأن القرار الخاطئ في تخزين المياه أو إطلاقها قد يبدد فائدة التحسن الكهربائي.

تنعكس النتيجة مباشرة على حياة السكان. كان البنك الدولي World Bank قد وصف وضع الكهرباء في حزيران 2025 بأنه يتيح التغذية لساعتين إلى أربع ساعات يومياً في مناطق واسعة، مع آثار على ضخ المياه والرعاية الصحية والزراعة والسكن. يمكن للطاقة الكهرومائية المؤهلة أن تخفف جزءاً من النقص من دون انتظار وقود لمحطات حرارية، لكنها لن تحل أزمة الكهرباء منفردة ما لم تترافق مع إصلاح محطات التحويل والشبكات وخفض الفاقد وتحسين إدارة التوزيع.

المزارعون وسكان المناطق الواقعة على الفرات يراقبون جانباً آخر. انتظام الإطلاقات يساعد محطات الري ومآخذ مياه الشرب، بينما تؤدي التقلبات الحادة إلى غمر أراضٍ في موسم، أو تعطل مضخات وانخفاض الحصص في موسم آخر. سد كديران يؤدي هنا دوراً تنظيمياً أساسياً، إذ يستقبل التدفقات الخارجة من سد الفرات ويمررها نحو الأراضي والمحطات الواقعة على مجرى النهر. رفع جاهزيته يحسن التوليد، لكنه يحسن أيضاً قدرة الإدارة على ضبط المياه قبل وصولها إلى التجمعات الواقعة في اتجاه المصب.

مدة الثمانية عشر شهراً قابلة للتحقق فنياً إذا بدأ التمويل والتعاقد والتوريد والتدريب في وقت متقارب، ونفذت العمرات بالتوازي من دون إخراج قدرة كبيرة من الخدمة دفعة واحدة. وقد تمتد المدة إذا تأخر تصنيع القطع أو بقيت الخبرات الدولية في إطار الاتصالات الأولية أو لم تُعالج خطوط النقل والمنشآت المساندة. البيان الرسمي يقدم هدفاً واضحاً، لكنه لا يقدم حتى الآن خطة منشورة تسمح بقياس التقدم شهراً بعد شهر.

تحتاج سدود الفرات إلى برنامج واحد يربط الكهرباء بالمياه والسلامة العامة، مع جدول لكل مجموعة توليد، وتمويل محدد، ومواعيد للتوريد، ونتائج اختبارات معلنة. عند توافر هذه العناصر تصبح السنة والنصف مدة قابلة للمحاسبة. أما استمرار الصيانة المتفرقة من دون عمرة ممولة ومتكاملة فسيحافظ على تشغيل جزئي، ويؤجل مشكلة التقادم إلى عطل جديد أو موسم مائي أكثر صعوبة.

اقرأ أيضاً: بحيرات الفرات فوق 97%: بين سلامة السدود وقلق الرقة ودير الزور

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى