سياسة

هل تستطيع واشنطن كبح الاشتباك وهي الداعم الأكبر لـ «قسد»؟!

الكاتب: أحمد علي

تتقدم واشنطن خطوة كلما اقترب حلفاؤها من حافة اشتباك جديد، ثم تكتشف أن النفوذ لا يعمل مثل زر الإيقاف. العلاقة مع «قسد» بنيت على مزيج من الضرورة الأمنية ومحاربة تنظيم «داعش»، لكنها اليوم تُختبر على سؤال أوسع: هل يمكن للراعي الأكبر أن يضبط سلوك الشريك حين تتداخل الحسابات المحلية مع صراعات الإقليم؟ الجواب لا يرتبط بما يجري في حلب وحدها، بل بطبيعة التحالف نفسه وما يحيط به من خطوط تماس سياسية وعسكرية.

واشنطن وقسد وحدود النفوذ

تملك الولايات المتحدة أدوات تأثير حقيقية على «قسد»، من الدعم السياسي إلى المساندة العسكرية وتنسيق العمليات ضد خلايا تنظيم الدولة، ما يجعل عبارة «واشنطن وقسد» عنواناً لميزان قوة لا يمكن تجاهله. لكن هذا النفوذ ليس مطلقاً، لأنه يتوقف عند حدود الشرعية الداخلية السورية، وعند حساسية تركيا تجاه أي تمكين طويل الأمد للقوات الكردية المرتبطة سياسياً بمسألة «بي كي كي»، وعند رغبة دمشق في استعادة سيطرة الدولة على كامل الجغرافيا.

في الأسابيع الأخيرة ظهرت واشنطن كوسيط يضغط لتمديد تهدئة وفتح مسار اندماج أوسع بين «قسد» والمؤسسات العسكرية في دمشق، وهو مسار تعثر منذ اتفاق آذار في العام الفائت 2025.

من زاوية قائد «قسد» (ومؤيدي الإدارة الذاتية)، تُقرأ علاقة واشنطن وقسد باعتبارها ضمانة تمنع الإقصاء وتفتح باب شراكة داخل دولة سورية موحدة بشكل لا يعيد عقارب الساعة إلى ما قبل 2011. ومن زاوية دمشق، يقدَّم الاندماج باعتباره اختباراً لسيادة الدولة الجديدة وقدرتها على توحيد السلاح تحت قيادة واحدة.

وبين الزاويتين تتدخل واشنطن لتقليل احتمال الانفجار كما تقول علناً، لكنها لا تستطيع أن تفرض على الطرفين تعريفاً واحداً لـ«الاندماج» كما يظهر حتى الآن: هل هو تفكيك بنية «قسد» أم تحويلها إلى فيالق داخل الجيش، أم ترتيب أمني مرحلي يضمن استمرار مواجهة تنظيم الدولة؟

حسابات أنقرة ودمشق المعقدة

في أي اشتباك محتمل شمالاً وشرقاً، تبقى تركيا عاملاً حاسماً لا يمر عبر واشنطن وحدها. أنقرة تصف «قسد» بتهديد أمني، وتلوّح بالتدخل إذا شعرت أن ترتيبات ما بعد الحرب تمنحها مساحة حكم ذاتي دائمة، وهو ما يضيّق هامش المناورة أمام واشنطن وقسد.

على المقلب الآخر، تُصر دمشق على مبدأ «وحدة القرار العسكري»، ليس فقط لإعادة بناء الدولة، بل أيضاً لضبط مناطق نفوذ متعددة نشأت خلال سنوات الحرب. الرئيس السوري أحمد الشرع يُقدَّم في تغطيات دولية كقائد يسعى لتثبيت سلطة مركزية بعد سقوط سلطة الأسد، ما يجعل أي تسوية مع «قسد» محكومة بحسابات الشرعية والقدرة على السيطرة لا بالشعارات وحدها.

ويظهر رأي ثالث في مواقف كثير من الفاعلين المحليين والباحثين، وهو أن المطلوب ليس “انتصار طرف” بل هندسة انتقالية تمنع عودة الفوضى، لأن أي قطيعة بين دمشق و«قسد» قد تخلق فراغات يستغلها تنظيم «داعش» الإرهابي، أو تفتح شهية قوى إقليمية لتصفية حساباتها على الأرض السورية.

ورقة الاقتصاد والعقوبات الدولية

من البديهي أنه من دون اقتصاد قابل للحياة، تتحول التفاهمات الأمنية إلى هدنة هشّة. وهنا يتقاطع نفوذ واشنطن مع ملف العقوبات والمساعدات وإعادة الإعمار. الاتحاد الأوروبي أعلن أمس أي في 9 كانون الثاني 2026 حزمة تمويل بنحو 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027، وتحدث عن شراكة سياسية جديدة مع دمشق بعد رفع عقوبات اقتصادية في 2025 عقب إطاحة الأسد، وهي مؤشرات على أن البيئة الدولية تتحول بسرعة.

لكن واشنطن وقسد تعلمان أن تدفق المال وحده لا يضمن تهدئة دائمة. إذا لم تترافق الحوافز الاقتصادية مع ترتيب سياسي واضح يطمئن دمشق على السيادة ويطمئن «قسد» على الحقوق والتمثيل المحلي والسياسي، سيبقى خطر “انفلات” الاشتباكات قائماً، حتى لو نجحت الوساطات في تأجيله.

وفي هذا السياق تصبح “اللامركزية” كلمة خلافية، يراها بعضهم ضمانة لإدارة محلية فعّالة، ويرى آخرون أنها بوابة تقسيم ناعم.

سيناريوهات الاحتواء دون انسحاب

السيناريو الأكثر واقعية ليس “كبحاً كاملاً” بل احتواء تدريجي. واشنطن قادرة على الضغط لتثبيت قنوات اتصال أمنية مباشرة بين دمشق و«قسد»، وربط الدعم المستمر بمؤشرات سلوك على الأرض: وقف التحشيد، منع الاعتقالات الانتقامية، وضبط الخطاب الإعلامي الذي يحوّل كل حادث إلى صراع وجودي.

وتشير تقارير حديثة إلى أن واشنطن تدفع باتجاه وقف إطلاق نار وتخفيف التوتر، لكن صعوبة التنفيذ تظهر عندما يرفض طرف ما شروطاً يعتبرها “استسلاماً”.

في المقابل، إذا اختارت واشنطن تقليص حضورها بسرعة أو نقل ثقلها إلى ملف آخر، ستصبح “واشنطن وقسد” معادلة أضعف، ما يفتح الباب أمام ضغط عسكري أو سياسي أكبر على «قسد»، أو أمام تسويات سريعة لا تُبنى على ضمانات كافية. لذلك يظل الهدف الأميركي المعلن عملياً: منع الانزلاق إلى حرب داخلية جديدة، والحفاظ على زخم مكافحة تنظيم الدولة، وترك مساحة تفاوض حول شكل الدولة لا حول مَن يملك البندقية فقط.

اقرأ أيضاً: دمج قسد: كتلة أم أفراد؟ وكلفة كل خيار على سوريا

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى