هل تستطيع الحكومة السورية تحويل الورش العشوائية إلى إنتاج منظم؟!

الكاتب: أحمد علي
بدأت لجنة حكومية في 28 تموز 2026 مراجعة القرار رقم 66 لعام 2018، الذي ينظم إحداث المناطق الصناعية والحرفية وتنفيذها واستثمارها داخل الوحدات الإدارية. المشروع المطروح يَعِد بتوحيد المرجعية الإدارية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وأتمتة إجراءات التخصيص والترخيص والمتابعة. لكنه لم ينشر بعد نصاً معدلاً، أو جدولاً زمنياً، أو خريطة تحدد التجمعات العشوائية التي ستُنظم أو الورش التي قد تُنقل.
تأتي المراجعة في قطاع واسع يضم 81,200 منشأة صناعية وحرفية عاملة، إلى جانب أكثر من 47 ألف منشأة متوقفة وفق بيانات وزارة الاقتصاد والصناعة مطلع 2026. هذه الأرقام لا تعني أن المنشآت كلها موجودة خارج التنظيم، لكنها توضح حجم الاقتصاد الذي سيتأثر بأي تغيير في قواعد الأرض والترخيص والخدمات. السؤال العملي هو ما إذا كان تعديل النظام سيقرب الورشة من الإنتاج المنظم، أم سيضيف مساراً إدارياً جديداً إلى مشكلات بقيت مرتبطة بالكهرباء والتمويل والبنية التحتية وكلفة الانتقال.
المناطق الصناعية والحرفية بعد القرار 66
وضع القرار رقم 66 قبل نحو ثماني سنوات إطاراً أوسع من مجرد منح رخص البناء. اشترط أن تُقام المناطق على أراضي الدولة أو الوحدات الإدارية أو الأراضي المستملكة، وأن يسبق إحداثها تقدير لحجم الصناعات والحرف التي يحتاجها التجمع السكاني. كما ألزم الوحدات الإدارية باختيار المواقع وفق المعايير التخطيطية والبيئية، ومراعاة بعدها عن التوسع السكني وإقامتها على أرض غير زراعية ما أمكن، ثم إعداد مخططات تنظيمية وتقسيمية تحدد المقاسم والمرافق والاستعمالات.
تكشف هذه الشروط أن مشكلة العشوائية لم تنشأ من غياب النص التنظيمي وحده. عدد من المناطق بقي قيد التنفيذ، وبعض التجمعات الصناعية توسع قبل توفير بنية رسمية تستوعبه، بينما افتقرت محافظات إلى مدينة صناعية كبيرة قريبة. في حماة مثلاً أحصت لجنة رسمية عام 2025 واحداً وعشرين منطقة صناعية أو تجمعاً عشوائياً ضمن الإطار التنظيمي للمحافظة، وأوضحت أن الصناعيين يضطرون أحياناً إلى التوجه نحو حسياء أو الشيخ نجار لإقامة منشآتهم. كان الحل العاجل المطروح هو تقييم التجمعات القائمة وإمكانية المصادقة عليها بشروط فنية وبيئية، لأن إنشاء مدينة صناعية جديدة يحتاج زمناً أطول.
المشروع الجديد يحاول معالجة الجانب المؤسسي الذي ترك مراحل الإحداث موزعة بين جهات متعددة. قال مدير المناطق الصناعية في وزارة الإدارة المحلية والبيئة محمد شرف إن التعديل سيمنح الوحدات الإدارية مرونة أكبر ضمن صلاحيات محددة، مع توحيد المرجعية المشرفة على المسار من اختيار الموقع حتى بدء التنفيذ. هذه الصيغة قد تقلل انتقال الملف بين المؤسسات، لكنها تحتاج تحديداً دقيقاً لمن يوافق على المخطط، ومن يراقب العقود، ومن يتحمل مسؤولية تأخر الخدمات أو مخالفة الاشتراطات البيئية.
يضاف إلى ذلك إنشاء منصة إلكترونية لإدارة طلبات الإحداث والتخصيص والترخيص والمتابعة، وربط قواعد البيانات واستخدام نظم المعلومات الجغرافية Geographic Information Systems. الرقمنة يمكن أن تكشف حالة كل مقسم وتقلل المعاملات المتكررة، كما تتيح نشر مدد الإنجاز وأسباب الرفض. أثرها سيبقى محدوداً إذا كانت الأرض غير جاهزة أو لم تصل شبكات الكهرباء والمياه والصرف والطرق إلى المنطقة، لأن اختصار طلب الترخيص لا يختصر أعمال البنية التحتية.
الكلفة قبل النقل
يفتح التعديل المجال أمام المطور الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يشمل نماذج تسمح للمستثمر ببناء المنطقة وتشغيلها، أو تملك المشروع وتشغيله، أو نقل ملكيته إلى الجهة العامة بعد مدة تعاقدية. الهدف المعلن هو تسريع التنفيذ وجذب الخبرة والتمويل من دون تحميل الموازنة العامة كامل الكلفة. يخفف ذلك مشكلة نقص التمويل الحكومي، لكنه ينقل جزءاً من السؤال إلى طريقة استرداد المستثمر أمواله.
الحرفي الصغير لا يقارن بين منطقة منظمة وورشة عشوائية من زاوية الترخيص فقط. ينظر إلى ثمن المقسم أو بدل الإيجار، وكلفة نقل الآلات وتجهيز الموقع، والمسافة عن العمال والزبائن، ثم إلى انتظام الطاقة وإمكانية الحصول على قرض. إذا استرد المطور كلفته عبر أسعار لا تناسب الورش الصغيرة، ستستقطب المنطقة المنشآت الأقدر مالياً وتبقى أنشطة أخرى داخل الأحياء أو تنتقل إلى أطراف جديدة خارج الرقابة. لذلك تحتاج العقود إلى قواعد معلنة للتسعير والتقسيط، ومساحات تناسب الحرف المختلفة، وضمانات تمنع تحويل المقاسم إلى تجارة عقارية منفصلة عن الإنتاج.
تظهر تجربة المدن الصناعية المنظمة مقدار ما يمكن أن توفره البيئة المخدمة. بلغ عدد المستثمرين في المدن الصناعية السورية نحو 11 ألفاً في آذار 2026، بينهم 294 مستثمراً أجنبياً. وفي مدينة عدرا الصناعية وحدها كانت 1003 منشآت منتجة توفر أكثر من 72 ألف فرصة عمل، بينما وُجد 2437 معملاً قيد البناء وفق بيانات منشورة في تشرين الثاني 2025. هذه الأرقام تبين قدرة التجمع المنظم على جمع الإنتاج والخدمات والعمالة، لكنها لا تعني أن النموذج قابل للنسخ بالحجم نفسه في كل بلدة أو لكل حرفة.
تحتاج ورش إصلاح السيارات والحدادة والنجارة إلى تنظيم يخفف الضجيج والتلوث ومخاطر الحرائق داخل الأحياء. وفي المقابل، تعتمد بعض الحرف الخدمية على قربها من المستهلك، وقد يؤدي نقلها بعيداً إلى رفع أجور النقل أو إضعاف الطلب عليها. القرار القديم نفسه ميز بين أنواع الصناعات والحرف، وسمح بإنشاء مناطق للحرف الخدمية التي تبيع مباشرة للسكان. التعديل الجديد يحتاج الحفاظ على هذا التمييز، بدلاً من اعتماد نقل موحد لمهن تختلف في أثرها البيئي وعلاقتها بالسوق.
لم تتضمن المعلومات المنشورة حتى الآن برنامجاً لتعويض أصحاب الورش عن كلفة الانتقال، أو تمويلاً ميسراً لتجهيز المقاسم، أو مدة سماح قبل إغلاق المواقع المخالفة. كما لم تحدد ما إذا كانت الأولوية ستذهب إلى تنظيم التجمعات الموجودة حيث يمكن تحسينها، أم إلى نقلها نحو مناطق جديدة. هذه التفاصيل ستحدد موقف الحرفيين أكثر من أسماء نماذج التمويل، لأنها تمس استمرار العمل والدخل خلال فترة الانتقال.
من الترخيص إلى الإنتاج
يعكس حجم المنشآت المتوقفة اتساع المشكلة الإنتاجية خارج ملف التنظيم العمراني. بلغ عدد المنشآت الصناعية المتوقفة 14,592 منشأة، ووصل عدد المنشآت الحرفية المتوقفة إلى 32,757. لا توضح البيانات أسباب توقف كل منشأة، ولا مواقعها، لكن التصريحات الصناعية المتكررة تشير إلى تضرر البنية التحتية وصعوبة تأمين الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف التمويل وتقلبات السوق. نقل منشأة متوقفة إلى مقسم جديد لن يعيدها إلى العمل ما لم تتغير هذه الشروط.
يمكن رؤية الفرق في المشاريع المحلية الجارية. الاتفاق المعلن لتطوير المنطقة الصناعية الحرفية في الرقة يتضمن إعادة تأهيل الشوارع والبنية التحتية، وتوقعت الجهة المشرفة إنجازه خلال عام ونصف العام. وفي القنيطرة بقي العمل خلال أيار 2026 مركزاً على استكمال البنية التحتية في منطقتي الحلس وأبوية قبل جذب المستثمرين. الحالتان توضحان أن الإحداث القانوني يسبق مرحلة طويلة من التصميم والتمويل والتنفيذ، وأن بدء الإنتاج يأتي بعد وصول الخدمات وبناء المنشآت وتركيب المعدات.
يحتاج النظام المعدل إلى مؤشرات تقيس هذه المراحل بصورة منفصلة. عدد المناطق المحدثة لا يبين عدد المقاسم المخدمة، وعدد المقاسم المخصصة لا يبين ما بُني منها، والرخصة لا تعني أن المنشأة دخلت الإنتاج. يمكن للمنصة الرقمية المقترحة أن تنشر نسبة إنجاز الطرق والكهرباء والصرف في كل منطقة، وعدد المقاسم التي بدأت العمل، ومدة الانتقال من التخصيص إلى التشغيل، إضافة إلى حجم العمالة والمنشآت التي انتقلت فعلاً من تجمعات غير منظمة.
توحيد المرجعية الإدارية قد يختصر التأخير، لكنه يحتاج رقابة على القرارات المحلية والشراكات الخاصة. منح الوحدات الإدارية مرونة أوسع يفيد عندما تختلف احتياجات حماة عن الرقة أو القنيطرة، إلا أن المرونة من دون معايير موحدة للتعاقد والبيئة والتسعير قد تنتج تفاوتاً كبيراً بين المحافظات. المطلوب هو جمع القرار المحلي القريب من المشكلة مع قواعد مركزية تنشر العقود وتحدد حقوق المستثمر والحرفي والجهة العامة.
المستفيد الأول من التنظيم الناجح هو العامل وصاحب الورشة والسكان المحيطون بها. يحصل المنتج على موقع قانوني وخدمات أكثر استقراراً، وتخف الأضرار عن الأحياء، وتصبح السلامة والرقابة أسهل. أما النقل الذي يبدأ بالإخلاء قبل تجهيز البديل فيقطع مصدر الدخل، ويدفع بعض الأنشطة إلى عشوائية جديدة. ولهذا يجب أن يرتبط أي موعد لإغلاق ورشة بتسليم مقسم صالح للعمل، وتوافر طريق وطاقة ومياه، وفترة انتقال تسمح بنقل المعدات من دون توقف طويل.
باشرت الحكومة مراجعة إطار يحتاج فعلاً إلى تحديث، وطرحت أدوات تمويل وإدارة يمكن أن تسرع إنشاء المناطق الصناعية والحرفية. لكن المشروع ما زال في أولى جلسات اللجنة، ولم يتحول إلى نص نافذ أو خطة نقل ممولة. نجاحه سيقاس بعدد الورش التي انتقلت إلى مواقع مخدمة وواصلت الإنتاج، لا بعدد الطلبات التي أصبحت إلكترونية أو العقود التي وُقعت. التنظيم المطلوب هو الذي يخفض العشوائية من دون أن يخفض عدد المنتجين.
اقرأ أيضاً: وزارة الاقتصاد والصناعة تعيد تشكيل مجلس الأعمال السوري الإيطالي









