هل تجبر أوروبا اللاجئين السوريين على العودة إلى سوريا؟

مصير مجهول مازال يَلف اللاجئين السوريين في الخارج لاسيما في أوروبا، رغم أن احتمال العودة إلى سوريا بعد سقوط النظام بات واعداً للكثيرين، لكن هناك خوف عميق وقلق حقيقي من حالة عدم الاستقرار الطاغية على المشهد السوري حتى الآن. فمجرد التفكير بإعادة اقتلاع الأسرة من مكان استقرارها وتغيير مكان الإقامة حتى لو كانت الوجهة “الوطن” ليس بالأمر السهل ويشكل عبئاً نفسياً قبل الجسدي والمالي. هذا لو كان الحديث عن العودة للوطن طوعياً فما بالك بقرارات من الدول المستضيفة؟!
منذ السقوط أعلنت العديد من الدول الأوروبية عن نيتها في إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم الأم اعتقاداً منها بزوال الخطر الدافع للهجرة وعودة “الاستقرار و الأمان” لسوريا، وأصدرت العديد منها قرارات بتعليق طلبات اللجوء، وبدء إجراءات ترحيل اللاجئين، يذكر منها في بريطانيا إغلاق فنادق اللجوء، وفي بعض الدول (كالسويد) تم اتباع سياسة الإغراءات المادية للعودة للوطن، فاقترحت الدولة على اللاجئين دفع مبلغ مالي لهم مقابل العودة لبلدهم، كل تلك القرارات والاقتراحات تعتبر لحد اللحظة ناعمة وضمن إرادة الأفراد.
لكن ماذا لو تحولت جبراً؟؟ ما حال اللاجئين عندها؟ ومن يحدد بالفعل ما إذا كانت سوريا آمنة أم لا؟
في مقالنا سنناقش قرارات أكثر الدول اكتظاظاً باللاجئين السوريين في الفترة الأخيرة، ونطرح تصريحات مسؤوليها ونسقطها على واقع اللاجئين محاولين “استشفاف” مستقبلهم.
ألمانيا بلد “المليون لاجئ سوري” كيف تحركت بعد السقوط؟
ألمانيا كانت من أوائل البلدان الأوروبية التي سارعت لتحريك ملف اللاجئين السوريين من أجل العودة إلى بلادهم، فسرعان ما حطت وزيرة الخارجية الألمانية رحالها بالعاصمة دمشق لمناقشة موضوع اللاجئين وعودتهم مع السلطة الحالية، على الرغم من أن السوريين في ألمانيا تحديداً شكلوا أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الألماني بعد الهجرة السورية الكثيفة في العام 2015، وسرعان ما اندمجوا بالمجتمع الألماني ومارسوا مهن محترمة كالرعاية الطبية والهندسة، لكن في أعين السلطات ما زالوا “لاجئين”.
فقد قرر المكتب الاتحادي للهجرة مؤخراً تعليق اتخاذ قرارات بشأن طلبات اللجوء للمواطنين السوريين بشكل مؤقت، تبعاً للتطورات في البلاد، هذا الكلام كان في الشهر الأول من العام الجاري 2025، وحسب بيانات وزارة الداخلية الألمانية، يعيش نحو 975 ألف سوري في ألمانيا، معظمهم وصلوا بعد عام 2015 بسبب الحرب في بلادهم. كما تشير إلى أن أكثر من 300 ألف منهم يتمتعون بحماية فرعية بسبب ظروف الحرب في وطنهم.
ويجادل الألمانيون المحافظون المتشددون والسياسيون اليمينيون المتطرفون بأنه إذا كان السوريون قد فرّوا إلى ألمانيا هرباً من الأسد، فيمكنهم الآن العودة إلى سوريا، ويريد بعضهم وقف منح اللجوء للأشخاص القادمين من سوريا بشكل فوري.
وفي تصريح “لماركوس زودر Markus Söder”، زعيم المحافظين في “بافاريا Bavaria” قال: “إذا اختفى سبب اللجوء، فلا يوجد أساس قانوني للبقاء في البلاد”، واقترح “ينس سبان Jens Spahn”، نائب زعيم المجموعة البرلمانية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، استئجار طائرات ومنح السوريين ألف يورو لمغادرة البلاد.
من جانب آخر صرّح السياسيون اليساريون والخضر معربين عن غضبهم، حيال هذه التعليقات واصفين إياها بأنها غير مسؤولة وشعبوية وغير لائقة، خاصة في ظل مدى غموض الوضع في سوريا.
وكان قد وافق مجلس الوزراء الألماني في 28 أيار 2025 على أن يتم فرض قيود على “لم شمل العائلات” لبعض الفئات من اللاجئين، وتشديد قوانين الجنسية، حيث سبق لحكومة المستشار “فريدريش ميرتس Friedrich Merz”، أن وعدت بفرض إجراءات صارمة على الهجرة. وفرضت الحكومة بالفعل ضوابط أكثر صرامة على حدود البلاد.
لكن لا يزال يتعين على البرلمان الألماني (بوندستاغ) تمرير مشروعي القانون، اللذين قام باقتراحهما وزير الداخلية “ألكسندر دوبرينت Alexander Dobrindt”. وتستهدف القيود المفروضة على العائلات، المهاجرين في ألمانيا ممن يتمتعون بما يسمى “وضع الحماية الفرعية”، وهم من يسمح لهم بالبقاء في البلاد خوفاً من خطر “الاضطهاد السياسي” في بلادهم، رغم عدم حصولهم على صفة لاجئ بشكل رسمي. والجدير بالذكر أن هناك ما يقرب من 400 ألف مقيم يتمتعون بوضع “الحماية الفرعية”. وحوالي ثلاثة أرباع هؤلاء المقيمين هم من المواطنين السوريين.
وكانت قد ألغت الحكومة أيضا خيار التجنس “السريع” بعد ثلاث سنوات من الإقامة وتمديد فترة الانتظار الدنيا للحصول على الجنسية إلى خمس سنوات. ويلغي هذا القرار لائحة طُرحت قبل ستة أشهر من قبل الائتلاف المكون من ثلاثة أحزاب بقيادة الاشتراكي الديمقراطي “أولاف شولتس Olaf Scholz”.
اقرأ أيضاً: قرارات الحكومة الألمانية الجديدة تحبط اللاجئين السوريين
السويد من الدول الراغبة أيضاً بإعادة السوريين، لكن تنظر للأوضاع
في السويد البلد الذي استضاف اللاجئين السوريين طيلة 14 عام، أعلنت “مصلحة الهجرة السويدية” بدايةً عن تمديد وقف اتخاذ القرارات المتعلقة بطلبات اللجوء من سوريا حتى 10 يونيو 2025، وذلك بفعل التطورات في الوضع الأمني السوري وما تحمله من عدم استقرار حتى الآن. لكن المصلحة في الوقت نفسه ألغت قرار وقف تنفيذ عمليات الترحيل إلى سوريا، فقط في حال “العودة الطوعية”. وأكدّت أنها لا تقوم بترحيل الأشخاص جبراً وبشكل قسري، بل تعتمد فقط على رغبة الشخص في العودة، حسب تعبيرها.
لتعود “مصلحة الهجرة” وتعلن عن قرار بتمديد وقف إصدار قرارات اللجوء وتنفيذ الترحيل إلى سوريا حتى 10 سبتمبر 2025، وذلك على وقع التطورات المتسارعة المستمرة في الداخل السوري وعدم استقرار الأوضاع هناك.
وبررت قرار التمديد بعدم إمكانية إجراء تقييم قانوني موثوق لأسباب الحماية التي يقدمها طالبو اللجوء السوريون في الوقت الراهن. على إثره صرّح المدير القانوني في المصلحة، “كارل بيكسليوس Karl Baxelius”: “الوضع في سوريا ما يزال هشاً، والتطورات الأخيرة تطرح تساؤلات قانونية معقدة تستدعي تحليلاً دقيقاً”.
والفئات التي لا يشملها القرار: طلبات “لمّ الشمل” العائلي، طلبات الدراسة أو العمل، طلبات تمديد الإقامة لأسباب غير متعلقة بالحماية، طلبات الحصول على الجنسية السويدية، مع الإشارة إلى أن قرارات منح الجنسية مجمدة في الوقت الراهن.
اقرأ أيضاً: النرويج تعلق معالجة طلبات اللجوء للسوريين
هولندا تختنق من اللاجئين وتضيق عليهم
كانت هولندا قد علقت اتخاذ قرارات بخصوص طلبات اللجوء المقدمة من أشخاص من سوريا. واستأنف المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين منذ بداية أيار من العام الجاري جلسات الاستماع للاجئين السوريين، إلا أن البتّ في طلبات اللجوء من سوريا لا يزال معلقاً حتى الآن.
حتى بعد سقوط النظام، وحسب إحصائيات تقرير نشر في شهر شباط الماضي، هناك أكثر من 18 ألف سوري ما زالوا ينتظرون قرار دائرة الهجرة والجنسية للحصول على تصريح الإقامة، ومن بين أكثر من 1500 طلب سوري جديد قُدّم في شهر كانون الأول، كان أكثر من 800 لاجئ ممن تم “لمّ شملهم” من قبل أحد أفراد عائلتهم في هولندا.
ولا ينطبق قرار التجميد المؤقت حتى الآن على الأشخاص الذين يُراد لمّ شملهم من قبل السوريين الذين حصلوا على تصاريح إقامة. في حين طرح حزب “الحرية” اليميني المتطرف في هولندا خطة جديدة تندرج ضمن سياسة اللجوء، تتضمن إغلاق الحدود أمام طالبي اللجوء وترحيل اللاجئين السوريين من البلاد، وذلك بعد تراجع شعبية الحزب في آخر استطلاعات الرأي، وسط رفض وشكوك في إمكانية تنفيذ الخطة التي اعتبرها بعضهم “تكتيكاً” و”استعراضاً سياسياً”.
وكان قد أعلن زعيم الحزب المعادي للاجئين “غيرت فيلدرز Geert Wilders”، عن حزمة مكوّنة من عشرة مقترحات تهدف إلى فرض سياسة لجوء “أكثر صرامة”. حسب تعبيره. تقوم الخطة على عدة إجراءات قاسية، مثل: تجميد فوري لطلبات اللجوء، وإعادة السوريين الذين يحملون تصاريح إقامة مؤقتة.
ويريد حزب “الحرية” المتطرف، بحسب ما قاله فيلدرز، “إغلاق الحدود أمام طالبي اللجوء”، ويطالب الحكومة بترتيب ذلك “في غضون أسابيع قليلة على الأكثر”، مهدداً: “وإلا فسوف نغادر من الائتلاف الحاكم في هولندا”، كما يدعو إلى تعليق قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بتجميد اللجوء مؤقتاً. ويطالب كذلك بإعادة “جميع السوريين” الحاصلين على إقامة مؤقتة إلى ما وصفها “مناطق آمنة” في سوريا، وهو ما يشمل نحو 60 ألف لاجئ، مدعياً أنه “من نصف إلى ثلثي الأراضي السورية باتت آمنة بما يكفي للعودة.
لكن لم تنل خطته المزعومة قبول من عدة أحزاب في “الإئتلاف”، حيث يعتقد حزب العقد الاجتماعي الجديد (NSC) ذو التوجه (وسط يمين) أن اتفاق الائتلاف الذي تم التوصل إليه قبل أكثر من عام يحتوي بالفعل على تدابير قوية للحد من هجرة اللجوء، ودعا البرلمان لاعتماد هذه التشريعات في أقرب وقت ممكن.
واستأنفت “دائرة الهجرة والتجنيس” في هولندا معالجة طلبات اللجوء السوريين بعد أشهر من تجميد الإجراءات إثر سقوط نظام النظام السوري، بعد أن تم تعديل سياسة اللجوء تجاه سوريا والتي من شأنها أن تُصعب حصولهم على تصاريح إقامة.
وكانت وزارة الخارجية الهولندية اعتبرت في تقريرها السنوي حول الوضع في سوريا مؤخراً، أن الوضع الأمني في سوريا حالياً “غير مستقر” و”هشّ”، لكن هناك تقييم جديد للمخاطر من المزمع إجراؤه مطلع عام 2026، على إثره تعتزم هولندا اتخاذ قرار بشأن مصير نحو 71 ألف سوري يقيمون حالياً على أراضيها بتصاريح إقامة مؤقتة. وقال وزير الهجرة “ديفيد فان فيل David Van Vel”: “إن الوضع في سوريا لا يزال غير مستقر بما يكفي لاتخاذ قرار بشأن الإقامة الدائمة لهذه المجموعة من اللاجئين”.
اقرأ أيضاً: النمسا تنهي لجوء آلاف السوريين وتخطط لترحيلهم
ختاماً، اللاجئين السوريين في شَتات حتى في بلدان اللجوء، وفي شَتات بالوطن، إن أُعيدوا إليه بشكل قسري دون تعاون حكومي بين السلطات الجديدة في سوريا والبلدان المستضيفة ينظم الأمر. بعد 14 عام من الغربة واللجوء هرباً من مصير مجهول لمصير أيضاً “مجهول” وحتى أمر عودتهم من عدمه تبعاً للظروف الراهنة داخل البلاد لا يزال “مجهول”، أيّ حُكم هذا على السوريين أن يبقوا على الهامش يصارعون المجهول أملاً فقط بالحياة أو ربما شيء يشبهها، ويبقى السؤال من يقرر أن سوريا أصبحت آمنة؟!









