سياسة

هل بات الاتفاق الأمني بين سوريا و «إسرائيل» قريباً؟

الكاتب: أحمد علي

في مشهد غير مألوف بعد عقود من الصراع والتوتر، تلوح في الأفق بوادر اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، بدأت تتسارع الأحداث والتصريحات من مختلف الأطراف حول إمكانية الوصول إلى تفاهم أمني تاريخي بين دمشق وتل أبيب. المعطيات الجديدة على الأرض والتبدلات الإقليمية جعلت هذا الملف محور أحاديث علنية في العواصم المعنية. فهل بات توقيع اتفاق أمني سوري–إسرائيلي وشيكاً بالفعل، أم أن الطريق إليه لا تزال محفوفة بالعقبات؟

الاتفاق الأمني بين سوريا و«إسرائيل» تحت المجهر

مع بدايات عام 2025، تكشّفت سلسلة لقاءات سرية بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين بوساطة أميركية هدفها خفض التصعيد في الجنوب السوري وإرساء تفاهمات أمنية جديدة. وأكدت مصادر سورية رفيعة لصحيفة إندبندنت عربية أن الطرفين يقتربان من توقيع اتفاق أمني برعاية واشنطن بتاريخ 25 أيلول 2025 – وهو تطور كان حتى الأمس القريب غير وارد في قاموس العلاقات العدائية بين البلدين. وبحسب تلك التسريبات، من المقرر أن يلقي الرئيس السوري أحمد الشرع خطاباً في نيويورك يوم 24 أيلول، ضمن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل يوم من حفل توقيع الاتفاق المرتقب. ورغم أن دمشق وتل أبيب لن توقّعا اتفاق سلام شامل في المدى المنظور وفق نفس المصادر، إلا أن الاتفاق الأمني المطروح سيقتصر على ترتيبات تهدف لوقف التوتر وضبط الأوضاع على الحدود.

لم تعد هذه الأنباء مجرد تكهنات صحافية؛ فقد اعترفت الحكومة السورية الجديدة ببعضها عبر الإعلام الرسمي. أكدت وكالة سانا السورية اجتماعاً في باريس بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووفد إسرائيلي، ركّز على التوصل لتفاهمات حول خفض التصعيد وعدم التدخل في الشأن الداخلي السوري ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء. كما تناول الاجتماع إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 في الجولان السوري المحتل. هذه المؤشرات العلنية تعني أن قنوات الاتصال فتحت فعلاً بين دمشق وتل أبيب بعد طول انقطاع، ما أعطى مصداقية للتقارير التي تتحدث عن اقتراب الجانبين من صياغة تفاهم أمني جديد.

واشنطن على خط الوساطة والدعم

لا يمكن فهم الحراك الحالي بدون إبراز الدور المحوري للولايات المتحدة. فمنذ تغيير السلطة في دمشق، تبنّت واشنطن مقاربة مختلفة تماماً تجاه سوريا قوامها تشجيع انخراطها في ترتيبات السلام الإقليمي مقابل استعادة شرعيتها الدولية. وقد تُرجِم ذلك عملياً بزيارة تاريخية قام بها الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) إلى الرياض في مطلع 2025 ولقائه بالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، حيث أعلن قراراً غير مسبوق برفع العقوبات الأمريكية عن سوريا. هذا القرار، الذي اتُخذ بالتشاور مع حلفاء واشنطن في المنطقة كالسعودية وتركيا، مثّل إشارة قوية لتغيير النهج: السلام مقابل الشرعية بدل معادلة “السلام مقابل الأرض” التقليدية. فقد رأت واشنطن أن قطع صلة دمشق بالمحور الإيراني – “فك الارتباط الاستراتيجي عن إيران وحزب الله” – هو الثمن المطلوب لإعادة تأهيل سوريا دولياً.

في هذا السياق أوفدت الإدارة الأمريكية مبعوثاً خاصاً لسوريا هو توماس (توم) باراك لتسهيل المحادثات بين دمشق وتل أبيب. وصل باراك إلى إسرائيل في أواخر آب 2025 والتقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لبحث ملفي سوريا ولبنان. كما اجتمع قبل ذلك مع كبار المسؤولين الإسرائيليين مثل الوزير رون ديرمر ووزير الدفاع الإسرائيلي، ما يؤكد جدية التحرك الأمريكي. ورافق باراك في مهمته هذه سفير واشنطن لدى إسرائيل مايك هاكبي وشخصيات وازنة في الكونغرس، بما فيهم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، في دليل إضافي على وجود توافق سياسي أمريكي واسع لدعم التقارب السوري–الإسرائيلي.

التصريحات الصادرة عن المبعوث الأمريكي عكست تفاؤلاً حذراً تجاه مسار المفاوضات. فباراك أكد لوسائل إعلام عبرية أن دمشق وتل أبيب تتفاوضان “بحسن نية” وبنية مشتركة للتوصل إلى تفاهم، لكنه أوضح أيضاً أن الاتفاق لم ينضج بعد بالكامل وأن “هناك مزيداً من العمل لا بد من إنجازه” قبل إبرامه. واعتبر المبعوث الأمريكي أن الحوار البناء بين الدولتين هو الطريق نحو تفاهم مستدام يُمهّد لاستقرار وازدهار إقليمي طويل الأمد. هذه الرسالة الأمريكية المزدوجة – التشجيع مع التحذير – توحي بأن واشنطن تريد ضمان نجاح الاتفاق، لكنها لا تغفل العقبات والتفاصيل الدقيقة التي قد تعرقل اكتماله.

إلى جانب الجهد الدبلوماسي، استخدمت الولايات المتحدة أدوات التحفيز الاقتصادي والسياسي لدفع العملية قدماً. فقد رحبت دمشق بشدة برفع قسم كبير من العقوبات الأمريكية عنها وعدّته تطوراً إيجابياً ينعكس على الوضع الإنساني والاقتصادي ويفتح الباب لتعاون متجدد مع واشنطن. واستقبلت العاصمة السورية وفوداً من الكونغرس الأمريكي، من بينها وفد برئاسة السيناتور جين شاهين والنائب جو ويلسون، جاء برفقة المبعوث باراك. خلال هذه الزيارات، أبدى أعضاء الكونغرس انطباعات إيجابية عن انفتاح الرئيس الشرع ومرونته تجاه فكرة السلام مع إسرائيل. ونقلت صحيفة يسرائيل هيوم عن عضو الكونغرس مارلين ستوتزمان قوله إن الشرع يريد أن يكون “صديقاً” لإسرائيل وإنه مستعد لبحث ملف الجولان شرط الحفاظ على وحدة سوريا. هذا الشرط الأخير – وحدة الأراضي السورية وعدم القبول بأي تقسيم – أكده الشرع لمحاوريه الأمريكيين كضمانة أساسية لأي انخراط في ترتيبات إقليمية.

مع ذلك، لم يغفل المشرّعون الأمريكيون عن الحذر الواجب. فقد أشار ستوتزمان إلى أن الرئيس السوري الجديد ما زال عليه إثبات تخليه عن أساليب النظام السابق الدكتاتورية ودعم الإرهاب، لكنه استدرك داعياً إسرائيل إلى إعطاء الشرع فرصة وإبقاء باب الحوار مفتوحاً معه. هكذا بدا الموقف الأمريكي وكأنه منح دمشق “فترة اختبار”: تشجيع وتسهيلات مشروطة بإظهار سوريا الجديدة قطيعة فعلية مع إرث الماضي وتحقيق توازن دقيق بين الانفتاح على الغرب وضبط بقايا التطرف والفوضى الداخلية.

المطالب الإسرائيلية… أمن إسرائيل أولاً

على الجانب الآخر من المعادلة، تدخل إسرائيل أي اتفاق محتمل وهي تضع أمنها القومي في المقام الأول. فمن التسريبات الأولية لمبادئ الاتفاق الأمني المرتقب، يتضح أن الشروط الإسرائيلية صارمة وحاسمة في الجوهر. ذكرت القناة 12 العبرية أن التفاهم يقضي بـ نزع السلاح في الجانب السوري من الجولان – أي إقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد من مشارف دمشق إلى تخوم السويداء – بهدف منع أي تهديد أمني أو “إرهابي” انطلاقاً من الحدود السورية. كما يتضمن منع إعادة بناء الجيش السوري بنفس القوة التي كان عليها ومنع تركيا تحديداً من لعب دور في تسليحه أو تدريبه، وهو بند تعتبره إسرائيل بالغ الأهمية استراتيجياً. وإلى جانب ذلك، يشترط الاتفاق حظر نشر الأسلحة الاستراتيجية في عموم الأراضي السورية – بما فيها الصواريخ بعيدة المدى ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة – حفاظاً على حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي وتفوقه المطلق في سماء المنطقة. وأخيراً، تطالب إسرائيل بإنشاء ممر إنساني إلى السويداء جنوبي سوريا.

مقابل هذه المطالب، سيحصل الجانب السوري على مكاسب مهمة أبرزها وعود أمريكية وخليجية بمساعدات مالية ضخمة لإعادة إعمار سوريا المنهكة بعد حرب أهلية طويلة. فالاتفاق الأمني المنشود يرمي، وفق التصور المعلن، إلى إعادة الاستقرار لسوريا بمساعدة دولية مقابل ضمان تحييدها عن المحور الإيراني وتقليص نفوذ طهران في المنطقة. بهذا المعنى، تتبلور معادلة جديدة: “الأمن لإسرائيل مقابل الإعمار لسوريا”. وتراهن إسرائيل أن هذه الصفقة ستبعد شبح التهديدات الإيرانية عن حدودها الشمالية لعقود، في حين ترى فيها دمشق فرصة لالتقاط الأنفاس وإطلاق عجلة التعافي الاقتصادي بمباركة دولية.

رغم الأجواء الإيجابية للمفاوضات، لم تُخفِ إسرائيل حذرها الميداني حيال الوضع في سوريا. فمنذ مطلع 2025 استمرت حوادث التوتر على جبهة الجنوب السوري، سواء عبر اختراقات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية أو غارات جوية بين وقت وآخر. فمثلاً، توغلت قوات إسرائيلية في بلدة بيت جن بريف دمشق في آب 2025 واشتبكت مع الأهالي هناك، فيما شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على قرية طرنجة بالقنيطرة في اليوم التالي أسفرت عن مقتل شاب سوري داخل منزله.

وبررت إسرائيل هذه العمليات بأنها رد على استفزازات وتهديدات مصدرها فصائل بجنوب سوريا، في إشارة إلى إطلاق صواريخ أو نشاط ميليشيات موالية لإيران. وفي واحدة من هذه الحوادث، حمل وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الرئيس السوري أحمد الشرع شخصياً مسؤولية أي تهديد يصدر من الأراضي السورية، قائلاً بلهجة صارمة: “سنرد على الاعتداء من سوريا بكل حزم وفي أسرع وقت ممكن”. جاء هذا التصريح إثر إطلاق صواريخ غراد من درعا باتجاه هضبة الجولان المحتلة، تبنتها مجموعة فلسطينية ردّاً على الحرب في غزة، لكن إسرائيل أرادت توجيه رسالة واضحة بأن شرعية النظام الجديد في دمشق مرهونة بضبط حدوده ومنع أي اعتداء على إسرائيل.

كذلك حرصت إسرائيل على عدم التنازل عن أوراق قوة استراتيجية بانتظار تبلور النتائج النهائية للمحادثات. فقد أعلن الوزير كاتس نفسه أن الجيش الإسرائيلي “سيواصل تمركزه في قمة جبل الشيخ (حرمون)” المطل على الجولان، واصفاً ذلك بأنه “الدرس الرئيسي المستفاد من أحداث 7 أكتوبر” (في إشارة إلى الهجوم المفاجئ الذي شنّته حماس من غزة في 7 تشرين الأول 2024). هذا الموقف يعني أن إسرائيل لن تنسحب من أي مواقع حساسة أو تخفف تأهبها الأمني على جبهة سوريا قبل التأكد من التزام دمشق بتعهداتها الجديدة. وفي المجمل، يمكن القول إن إسرائيل تفاوض لكنها تبقي أصابعها على الزناد حرفياً، فهي ترغب في قطف ثمار الاتفاق الأمني لتأمين جبهتها الشمالية، لكنها في الوقت ذاته مستعدة لقلب الطاولة عسكرياً إذا شعرت بأي إخلال من الجانب السوري أو محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

دمشق الجديدة: انفتاح مشروط وتوازنات دقيقة

على الضفة السورية، تبدو السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع مدركة لحساسية هذه التحولات، وتحاول المضي بحذر على حبل مشدود بين اغتنام فرصة الانفتاح الدولي وعدم التفريط بالثوابت الوطنية. فمن جهة، يبدي الشرع انفتاحاً غير مسبوق على فكرة الاتفاق مع إسرائيل إذا كان يحقق مصلحة سوريا. خلال لقائه وفداً إعلامياً عربياً في دمشق، أعلن صراحة أن الوفدين السوري والإسرائيلي أحرزا تقدماً في محادثات الاتفاق الأمني الثنائي، مؤكداً أنه «لن يتردد في اتخاذ أي اتفاق أو قرار يخدم مصلحة البلاد». كما شدد على أهمية إدماج سوريا في مشاريع التكامل الاقتصادي الإقليمي وعدم تفويت فرصة جلب الاستثمارات وإعادة الإعمار.

وهذه اللغة البراغماتية تختلف جذرياً عن خطابات النظام السابق، وتوحي بأن سوريا الجديدة مستعدة لتقديم تنازلات تكتيكية إذا كانت تضمن إنهاض البلد وإعادة الاستقرار بعد سنوات الحرب.

لكن في المقابل، حرص الشرع على تأكيد خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها في علاقة دمشق بتل أبيب. فقد أوضح في غير مناسبة أن أي حديث عن سلام شامل مع إسرائيل مرهون حصراً بعودة الجولان المحتل كاملاً والالتزام باتفاقية 1974. ونقلت صحيفة النهار الكويتية عنه قوله صراحة: “لا مجال للحديث عن اتفاق سلام قبل ذلك”. بمعنى آخر، لن توقع سوريا اتفاق سلام رسمي قبل استعادة سيادتها على الجولان، وهو ما تدرك أنه غير وارد حالياً في ظل الرفض الإسرائيلي المطلق للانسحاب، لكنه طرحه ليضمن أن التفاهم الأمني لن يُفسّر كسابقة للتنازل عن الحق التاريخي. وفي هذا السياق، أكد الشرع أن إحياء اتفاق فصل القوات لعام 1974 في الجولان سيكون حجر الزاوية في أي ترتيبات أمنية مؤقتة، باعتبار أن تلك الاتفاقية ترسم حدود انتشار القوات وتضمن منطقة عازلة برعاية أممية – وهذا أقصى ما يمكن لسوريا القبول به مرحلياً دون التفريط بمطلب استرجاع الأرض مستقبلاً.

داخلياً، يسعى الرئيس الجديد إلى رسم صورة مغايرة لسوريا “ما بعد الحرب”. فقد أعلن الشرع أن معركة توحيد البلاد يجب ألا تكون بالدماء والقوة العسكرية، في إشارة إلى أولوية الحلول السياسية والمصالحات الوطنية. كما أبدى حرصه على طمأنة المكونات المختلفة، لا سيما في المناطق التي شهدت اضطرابات بعد سقوط النظام السابق. ففي محافظة السويداء– حيث اندلعت اشتباكات بين فصائل محلية والقوات الحكومية الجديدة – أكد الشرع استحالة أي مشاريع انفصالية أو تقسيم، محذراً من أن بعض الأطراف تحاول “الاستقواء بقوة إقليمية، إسرائيل أو غيرها” لكن ذلك “أمر مستحيل ولا يمكن تطبيقه”.

وقد حمل هذا التصريح انتقاداً مبطناً للمجموعات الدرزية التي طالبت بتدخل إسرائيلي لحمايتها في ذروة التوتر، إذ شدد الرئيس السوري على أن دمشق لن تقبل بأن تُستخدم “سوريا الجديدة” لتصفية حسابات إقليمية مع أي طرف – في تلميح إلى حزب الله في لبنان – كما أنها بالمقابل لن تسمح لإسرائيل أو غيرها باقتطاع نفوذ داخل الأراضي السورية بذريعة حماية الأقليات.

بشكل عام، توحي مواقف دمشق أنها تتعامل مع ملف الاتفاق الأمني بعقلية “خطوة خطوة”. فهي مستعدة للتفاهمات الأمنية المرحلية التي تحقق تهدئة على الحدود وتفتح باب الدعم الاقتصادي الدولي، لكنها في الوقت عينه تتحاشى تقديم أي التزامات سياسية بعيدة المدى كالتطبيع الكامل أو تبادل السفراء وما شابه. يدرك الشرع أن الشارع السوري – رغم إنهاكه بالحرب – ما زال يعتبر إسرائيل عدواً تقليدياً، وأن أي تقارب غير مدروس قد يُفسَّر كخيانة لتضحيات الماضي. لذا فهو يوازن بين براغماتية الانفتاح على العدو لتحقيق مصلحة آنية وبين التأكيد النظري على ثوابت الصراع (الجولان والقضية الفلسطينية) لإبقاء الشرعية الوطنية في الداخل.

ولعل هذا التوازن الدقيق هو ما دفع دبلوماسياً خبيراً مثل السفير الأمريكي السابق فريد هوف للقول إن سوريا الجديدة تقف فعلاً عند مفترق طرق تاريخي، لكن النجاح يعتمد على كيفية دخولها من هذا الباب الذي فتحته واشنطن أمامها دون الانزلاق في مطبات تعيق السلام الدائم.

تركيا… دعم سوريا الجديدة وتوجس من الاتفاق

لا يكتمل مشهد هذه التحولات دون التطرّق إلى الدور التركي، وهو الأكثر تعقيداً في المعادلة الإقليمية الجديدة. فأنقرة كانت أبرز المستفيدين من سقوط نظام الأسد، بحكم دعمها لفصائل المعارضة التي وصلت إلى السلطة، لكنها وجدت نفسها أيضاً في مواجهة غير مباشرة مع إسرائيل على الأرض السورية. ففي شباط 2025 زار الرئيس أحمد الشرع تركيا والتقى الرئيس رجب طيب أردوغان، وظهرت تقارير حينها عن اتفاق دفاعي بين الجانبين. قيل إن تركيا ستقوم بتدريب الجيش السوري الجديد وستحصل بالمقابل على حق استخدام قواعد عسكرية داخل سوريا لنشر طائراتها وأنظمة دفاعها الجوي. هذا التفاهم أثار قلق إسرائيل إلى أقصى حد، فما كان منها إلا أن ردّت بطريقة تصعيدية: خلال أيام معدودة، شن سلاح الجو الإسرائيلي غارات مفاجئة على قواعد في حمص وحماة كان يُعتقد أنها مخصصة للاستخدام التركي، فدمّر المدارج وحظائر الطائرات فيها.

هذا الاشتباك غير المعلن وضع تركيا أمام معادلة حرجة: فهي تدعم السلطة السورية الجديدة بقوة وترى في استقرار سوريا مصلحة أمنية عليا لها (خاصة لضمان تحجيم الميليشيات الكردية الانفصالية)، لكنها أيضاً لا ترغب في صدام عسكري مباشر مع إسرائيل. أدركت أنقرة خطورة الوضع فسارعت إلى تنسيق غير علني لاحتواء الأزمة. لعبت واشنطن دور الوسيط خلف الستار لتهدئة خواطر الطرفين ومنع انزلاقهما إلى صراع مفتوح. وتحدثت تقارير عن لقاءات سرية بين مسؤولين أتراك وإسرائيليين في باكو برعاية أذربيجان في آذار 2025. ورغم عدم صدور بيانات رسمية، يُرجح أنه تم الاتفاق هناك على قنوات اتصال مباشرة (خط ساخن) لتفادي أي مواجهات مستقبلية في الأجواء السورية. بمعنى آخر، وضعت تركيا وإسرائيل قواعد اشتباك ضمنية برعاية أمريكية: إسرائيل لن تستهدف القوات التركية ما دامت تلتزم حدوداً معينة، وأنقرة ستتحرك بحذر في الدعم العسكري لسوريا لتجنب استفزازات إضافية.

على الصعيد العلني، واصل الرئيس أردوغان إعلان دعمه لسوريا الموحدة وانتقاداته الحادة لإسرائيل. ففي كلمة له، وصف إسرائيل بأنها “دولة إرهاب لا تعترف بالقانون” واتهمها باستغلال مسألة الدروز ذريعةً لتوسيع “عمليات البلطجة” في سوريا. ورحّب أردوغان “بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الجيش السوري والفصائل الدرزية المسلحة” في السويداء – وهو وقف نار تم بوساطة أمريكية هدّأت مواجهة كانت تهدد باستدعاء تدخل إسرائيلي – وشكر الشرع من جهته أنقرة على دعمها في تحقيق التهدئة.

ولم يفوّت أردوغان الفرصة ليؤكد أن تركيا هي الضامن لأمن جميع مكونات الشعب السوري بما فيهم الأكراد، وأنها ستكون “ملاذاً آمناً لكل من يتجه نحو أنقرة ودمشق” في إشارة إلى تشجيع التعاون التركي–السوري كطريق للنجاة. بالتوازي، شدد وزير خارجيته هاكان فيدان من جدة على أن إعادة إعمار سوريا تتطلب بيئة سياسية وأمنية مستقرة، في تلميح إلى ضرورة نجاح التفاهمات الراهنة لضمان تدفق الاستثمارات وعودة الحياة الطبيعية.

مع ذلك، لدى تركيا بعض المخاوف الكامنة من الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل. إذ يعني ضمنياً تحجيم الدور العسكري التركي في سوريا – كما ظهر صراحة في أحد بنود الاتفاق المقترح الذي يمنع أنقرة من إعادة بناء الجيش السوري – مقابل تعزيز النفوذ الأمريكي والخليجي هناك. وربما تخشى أنقرة أيضاً من أي تفاهمات قد تأتي على حساب نفوذها أو مصالحها (مثلاً إذا تم إعطاء وضع خاص للأكراد أو الدروز بضمانة إسرائيلية). لكن في المجمل، تُدرك تركيا أن مكاسبها من الشراكة مع النظام السوري الجديد أكبر من أضرار أي ترتيبات مع إسرائيل. فهي نجحت عبر الدعم السياسي والعسكري في كسب حليف في دمشق يشاركها العداء للجماعات الكردية الانفصالية ويضمن وحدة الأراضي السورية.

كما أن إبعاد سوريا عن إيران يصب في مصلحة تركيا إقليمياً، لأنه يضعف المحور المنافس لأنقرة في المشرق. لذلك يمكن القول إن تركيا تدعم الاتفاق الأمني ضمناً ما دام يحقق الاستقرار ولا ينتقص من نفوذها بشكل فج. وستحاول أنقرة التأثير من وراء الستار للتأكد من أن أي ترتيبات لن تضر بمصالحها الحدودية والأمنية، مع الاستمرار في لهجة عالية ضد إسرائيل.

اقرأ أيضاً: هل سيبني الإسرائيليون مستوطنات في سوريا؟

اتفاق ممكن أم سراب مؤقت؟

بعد استعراض مواقف الأطراف جميعها، يبرز سؤال جوهري: هل نحن فعلاً أمام اتفاق أمني تاريخي سيغيّر وجه المنطقة، أم أن ما يجري مجرد هدنة ظرفية قد لا تلبث أن تنهار؟ الواقع أن الإجابة تحمل قدراً من التفاؤل المشوب بالحذر. فمن الواضح أن هناك إرادة دولية – أميركية تحديداً – تدفع بقوة نحو إنجاز هذا الاتفاق قريباً، مدعومة بتقاطع مصالح موقت بين أطراف كانوا أعداء بالأمس. سوريا الجديدة المنهكة بحاجة لأي منفذ لإعادة الإعمار والخروج من العزلة؛ وإسرائيل ترى فرصة ثمينة لتحييد جبهة طالما استخدمتها إيران للضغط عليها؛ وأمريكا ترغب في تثبيت مكاسب إقليمية عبر قطع أذرع طهران وتحقيق إنجاز دبلوماسي غير مسبوق.

هذه العوامل تجعل احتمال توقيع الاتفاق الأمني في المستقبل القريب أمراً واقعياً جداً بحسب معظم المراقبين. بل إن البعض يتوقعون حضوراً احتفالياً لشخصيات دولية (ربما الرئيس الأميركي نفسه) عند إعلان التوقيع لإعطائه وزناً تاريخياً.

لكن في المقابل، لا يزال السلام الشامل بعيد المنال وفق تقديرات الخبراء. فالاتفاق المرتقب هو اتفاق أمن ومصالح، وليس صلحاً بين الشعوب. إنه أقرب إلى ترتيبات هدنة طويلة الأمد تضمن لكل طرف مكاسب آنية دون معالجة جذور الصراع. فلا قضية الجولان حُلّت، ولا الملف الفلسطيني تقدم قيد أنملة في خضم هذه المفاوضات. ويرى السفير فريد هوف – الذي كان آخر من تولى وساطة رسمية بين دمشق وتل أبيب قبل الثورة – أن الأولوية الآن هي إرساء وقف إطلاق نار صارم بين سوريا وإسرائيل والعودة الكاملة إلى اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974. هذه فقط ستكون “نقطة البداية للوصول إلى اتفاق هدنة خاص” بين البلدين، أما “اتفاق السلام” بمفهومه الشامل فما زال يبدو بعيداً في الأفق. ويشير هوف إلى أنه كان ينبغي بإسرائيل أن تنتهز فرصة انسحاب إيران وميليشياتها من سوريا لترسيخ تسوية بعيدة المدى، “لكن ذلك لم يحدث” حتى الآن. ما يعني أن توجس إسرائيل العميق من سوريا سيستمر حتى بعد الاتفاق، وأنها لن تقدم على خطوات تطبيع كبيرة ما لم تتأكد تماماً من تغيّر نهج دمشق الاستراتيجي.

خلاصة القول، سوريا قد تكون جديّاً مقبلة على اتفاق أمني مع إسرائيل وهي أقرب إليه الآن من أي وقت مضى، لكن مسارها نحو سلام حقيقي ومستدام ما يزال طويلاً. سيكتب هذا الاتفاق – إن وُقِّع – فصلاً جديداً في تاريخ الشرق الأوسط، إذ سيطوي صفحة حقبة الأسد التي اتسمت بالعداء المجمد مع إسرائيل، ويفتح صفحة “سوريا الجديدة” الساعية إلى تحسين واقع شعبها بأي ثمن. لكنه في الوقت نفسه لن يكون إلا هدنة مشروطة، قابلة للتآكل في حال أخل أحد الأطراف بالتزاماته أو تغيرت الظروف والقيادات.

اقرأ أيضاً: هل مطامح تركيا هي ذاتها مطامع إسرائيل في سوريا؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى