هل النوم مضيعة للوقت؟ العلم يجيب

بقلم هلا يوسف
يعد النوم إحدى أكثر العمليات البيولوجية غموضًا وأهمية في حياة الإنسان، إذ يقضي البشر ما يقارب ثلث أعمارهم في حالة نوم. ورغم أن العلم لم يحسم بعد السبب البيولوجي الدقيق لهذه العملية، فإن هناك إجماعاً علمياً واسعاً على أن النوم المنتظم ضرورة أساسية للصحة الجسدية والنفسية. وتشير الأبحاث إلى أن متوسط سبع إلى ثماني ساعات من النوم الليلي يعد المعدل الأمثل لمعظم البالغين، وأن أي إخلال مزمن بهذا الإيقاع الطبيعي يترتب عليه آثار سلبية متراكمة.
أظهرت الدراسات الطبية أن الحرمان التام من النوم لفترات طويلة يؤدي إلى أضرار نفسية جسيمة، من بينها الاكتئاب والذهان، إضافة إلى أضرار جسدية تشمل تدهور وظائف الدماغ. أما قلة النوم المزمنة، وإن لم تكن قاتلة مباشرة، فإنها تؤدي مع الوقت إلى تشوش التفكير وضعف الذاكرة، وتقلبات المزاج وسرعة الانفعال، وضعف جهاز المناعة، واضطرابات التمثيل الغذائي وزيادة الوزن، عدا عن ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وتؤكد هذه النتائج أن النوم ليس رفاهية، بل شرطاً أساسياً للحفاظ على توازن الإنسان الجسدي والعقلي.
ورغم هذه الحقائق العلمية تميل الثقافة المعاصرة، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد عالي التنافس، إلى تمجيد الكفاءة والإنتاجية المفرطة، وغالباً ما يتم النظر إلى النوم بوصفه مضيعة للوقت. وقد انعكس هذا التوجه في محاولات متعددة لتقليل الحاجة إلى النوم، سواء عبر ساعات عمل طويلة أو عبر الاعتماد على منشطات دوائية. ويعد دواء مودافينيل مثالاً بارزاً على ذلك، إذ يتم استخدامه لعلاج مرض النوم القهري (الناركوليبسيا)، لكنه يستعمل خارج الإطار الطبي من قبل بعض الطلاب والعاملين لزيادة اليقظة أثناء فترات العمل أو الدراسة المكثفة.
ولم يقتصر الاهتمام بآثار الحرمان من النوم على الأفراد فحسب، بل امتد إلى المؤسسات العسكرية والبحثية. فقد مولت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (DARPA) أبحاثاً وشركات دوائية بهدف تقليل آثار قلة النوم على الجنود، في إطار سعي طويل الأمد لتمكين العمل الميداني بكفاءة عالية في ظروف النوم المحدود. وليست الولايات المتحدة وحدها تسعى بهذا الاتجاه، إذ تبحث جيوش أخرى حول العالم عن وسائل تبقي الجنود يقظين وقادرين على الأداء رغم قلة النوم، وهو ما يعكس ضغطاً كبيراً لإعادة تشكيل الحدود البيولوجية الطبيعية للإنسان.
أما في الجانب الاجتماعي، تشير أبحاث حديثة إلى أن النوم ليس مجرد تجربة فردية، بل هو ممارسة ذات أبعاد اجتماعية وعائلية. فقد درست الباحثتان آنو فالتونين وإلينا نارفانين النوم المشترك بوصفه شكلاً من أشكال “الحميمية الحسية اليومية”. وتؤكد دراستهما أن اللحظات الانتقالية، مثل النوم والاستيقاظ، تسهم في فهم ديناميكيات الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية، وأن مشاركة النوم قد تعزز الشعور بالأمان والترابط العائلي حتى في الحالات التي لا يكون فيها النوم مريحاً تماماً.
من جهة أخرى يربط بعض الباحثين بين النوم والعدالة الاجتماعية. فقد اعتبر المنظر السياسي جوناثان وايت أن النوم المتوافق مع الإيقاعات البيولوجية الطبيعية مسألة عدالة سياسية، موضحاً أن قلة النوم لا تصاحب التفاوت الاجتماعي والاقتصادي فحسب، بل تضعف أيضاً قدرة الأفراد على مقاومة ظروف الحياة القاسية. ودعا وايت إلى ما أسماه “العدالة البيولوجية”، التي تتطلب إعادة تنظيم أنماط العمل بما يتيح للأفراد اختيار جداول تتلاءم مع احتياجاتهم الجسدية.
ورغم هذا الاهتمام المتزايد، يشير الباحثون إلى أن الخطاب المعاصر غالباً ما يختزل النوم في كونه وسيلة لتحسين الصحة أو زيادة الإنتاجية. وقد انتقد المؤرخ الثقافي بنجامين ريس هذا التوجه، وأوضح أن للنوم عبر التاريخ معاني روحية وثقافية عميقة، إلا أن المجتمع الحديث حصره في إطار طبي واقتصادي ونفسي ضيق، يربطه بالانضباط والكفاءة والإنجاز.
باختصار، تؤكد المعطيات العلمية والبحثية أن النوم حاجة بيولوجية لا يمكن تعويضها، وأن محاولات التقليل منه يعني معاندة الطبيعة البيولوجية للإنسان. فالنوم يحسن صحة الفرد، ويعزز من توازنه النفسي والاجتماعي والإنتاجي، ويعزز من الفطرة الإنسانية.
اقرأ أيضاً: علمياً.. لماذا نقرأ الرسالة ذاتها لكن نختلف في طريقة تفسيرها؟









