رواد

هدى الأتاسي.. من العمل الإنساني إلى مجلس الشعب

بقلم هلا يوسف

كان الثلث الأخير الخاص بمجلس الشعب الذي يعينه الرئيس أحمد الشرع موضع نقاش الكثير من السياسيين، بالإضافة إلى الفضول الذي كان لدى السوريين حول هوية المعينين من قبله. والمفاجأة التي جاءت مع إعلان الأسماء لم تخص الفنانة السورية روزينا لاذقاني وحدها، بل تخطتها للسؤال عن هوية كل امرأة تم تعيينها. ومن النساء المعينات هدى الأتاسي التي تصدرت وسائل الإعلام قبل هذه المرة. لذلك سنتعرف على السيرة الذاتية لها في هذا المقال.

البداية من مدينة حمص

تنحدر هدى الأتاسي من مدينة حمص المعروفة بتنوعها الاجتماعي والثقافي. وهناك درست الهندسة المعمارية، وهو تخصص يعتمد على التخطيط والدقة وإيجاد الحلول، قبل أن تختار طريقاً مختلفاً تماماً، هو طريق العمل المجتمعي والإنساني.

فمنذ السنين الأولى لدراستها لم يقتصر اهتمامها على حياتها المهنية فقط، بل شاركت في أنشطة تطوعية وخيرية داخل مدينتها، وساهمت في مبادرات تهدف إلى مساعدة الأسر المحتاجة ودعم المجتمع المحلي، ليتحول العمل الإنساني جزءاً أساسياً من حياتها، وهو ما ظهر بشكل أوضح مع بداية الثورة السورية.

عام 2012.. محطة غيرت مسار حياتها

كان عام 2012 نقطة تحول حقيقية في حياة هدى الأتاسي. ففي ذلك العام اضطرت إلى مغادرة سوريا والتوجه إلى لبنان، بعد ظروف شخصية صعبة ارتبطت باعتقال ابنها.

ولم تكن تجربة اللجوء بالنسبة إليها مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كانت بداية مرحلة جديدة جعلتها تعيش عن قرب معاناة آلاف الأسر السورية التي اضطرت إلى ترك منازلها والبحث عن حياة جديدة خارج البلاد.

ودفعها الاحتكاك اليومي بمعاناة اللاجئين إلى تكريس معظم وقتها للعمل الإنساني، والمشاركة في مشاريع تهدف إلى تخفيف آثار اللجوء على السوريين، وخاصة الأطفال والنساء.

دعم اللاجئين وبناء المدارس

مع بداية عام 2013 بدأت الأتاسي العمل مع هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية IHR، حيث شاركت في برامج مخصصة لدعم وإغاثة اللاجئين السوريين في لبنان.

ولم يقتصر دورها على تقديم المساعدات الإنسانية، بل شاركت أيضاً في إطلاق مشاريع تنموية كان الهدف منها منح اللاجئين فرصة لبناء مستقبل أفضل.

ومن بين أبرز هذه المشاريع، المساهمة في إنشاء مدارس للأطفال السوريين الذين حرموا من التعليم بسبب الحرب، بالإضافة إلى إطلاق برامج خاصة بتمكين المرأة، وتعزيز حقوق الطفل، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للعائلات اللاجئة.

وخلال العام نفسه ساهمت في تأسيس اتحاد منظمات المجتمع المدني السوري، في محاولة منها لتوحيد جهود المؤسسات المدنية السورية وتنسيق عملها داخل وخارج البلاد.

الانتقال إلى تركيا وتوسيع النشاط المدني

بعد نحو عامين في لبنان، انتقلت هدى الأتاسي إلى تركيا عام 2015، لتبدأ مرحلة جديدة من نشاطها. حيث شاركت في تأسيس عدد من منظمات المجتمع المدني التي عملت على دعم السوريين في مختلف المجالات، سواء الإنسانية أو التنموية أو الحقوقية.

ومن أبرز هذه المؤسسات “شبكة مدينة”، التي جاءت لتعزيز دور المجتمع المدني السوري، بالإضافة إلى مشاركتها في تأسيس “الرابطة السورية لكرامة المواطن” في السادس والعشرين من تشرين الثاني 2018، وهي منظمة ركزت على الدفاع عن حقوق السوريين، وخاصة حقهم في العودة الكريمة والآمنة إلى بلادهم.

ومع عملها السابق تولت منصب المديرة الإقليمية لهيئة الإغاثة الإنسانية الدولية، وهو منصب منحها مسؤوليات أكبر في إدارة المشاريع الإنسانية والإشراف على فرق العمل والتنسيق مع المؤسسات المحلية والدولية.

قيادة اتحاد منظمات المجتمع المدني والدخول لعالم السياسة

تم انتخاب هدى الأتاسي رئيسة لاتحاد منظمات المجتمع المدني السوري مع نشاطها الكبير، وهو المنصب الذي شغلته لدورتين تنفيذيتين متتاليتين بين عامي 2017 و2021.

وخلال فترة قيادتها للاتحاد عملت على تنسيق جهود عشرات المنظمات السورية، وتبادل الخبرات بينها، وتعزيز حضور المجتمع المدني في القضايا المتعلقة بالشأن السوري.

كما شاركت الأتاسي في العديد من اللقاءات والمؤتمرات التي ناقشت قضايا اللاجئين، والعمل الإنساني، ودور المجتمع المدني في مستقبل سوريا، وهو ما جعلها من الوجوه المعروفة في هذا المجال.

والجهود التي بذلتها الأتاسي في العمل الإنساني لم تمر دون تقدير. ففي عام 2016 كرمتها منظمة “كير” الدولية خلال حفل تم إقامته في العاصمة الأميركية واشنطن، وذلك تقديراً لإسهاماتها في دعم العمل الإنساني داخل سوريا وخارجها، ولمشاركتها في تنفيذ مشاريع استهدفت الفئات الأكثر تضرراً من الأزمة. وكان هذا التكريم بمثابة اعتراف دولي بالدور الذي لعبته خلال سنوات عملها في المجال الإغاثي.

ومع التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، بدأت مرحلة جديدة في مسيرة هدى الأتاسي. ففي الثاني عشر من شباط 2025، أعلنت رئاسة الجمهورية العربية السورية تعيينها عضواً في اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، وهو المؤتمر الذي يعتبر من الخطوات المهمة في مرحلة إعادة بناء الحياة السياسية السورية.

وجاء اختيارها نتيجة سنوات طويلة من العمل في المجال المدني والإنساني، وما اكتسبته خلالها من خبرة في إدارة الملفات المجتمعية والتعامل مع مختلف المؤسسات.

وبعد أقل من عام ونصف على مشاركتها في اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، بدأت الأتاسي بكتابة محطة جديدة في مسيرتها بعد ورود اسمها ضمن قائمة أعضاء مجلس الشعب السوري التي وضعها الرئيس أحمد الشرع في تموز 2026

وجاء تعيينها في إطار إعادة تشكيل المجلس وإدخال شخصيات جديدة من خلفيات متنوعة، إلى جانب تعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية ومؤسسات صنع القرار. وبذلك ارتفعت نسبة تمثيل النساء في مجلس الشعب إلى 21.4%.

وبحسب العديد من الخبراء، يروا أن الخلفية غير التقليدية التي جاءت منها الأتاسي هو أكثر ما يميزها. فالتعامل لسنوات مع قضايا اللاجئين، والتعليم والمرأة والطفل، وإدارتها للمشاريع الإنسانية، كل ذلك يجعلها مناسبة لتكون عضو في مجلس الشعب. عدا عن تحصيلها الأكاديمي في الهندسة المعمارية والذي يجعلها قريبة لملف إعادة الأعمار الذي سيكون حاضراً بقوة خلال الفترة القادمة.

باختصار، العمل الإنساني الذي اعتمدته هدى الأتاسي لأعوام طويلة فتح لها باب العمل العام وجعلها في موقع صنع القرار. لذلك يتوقع الكثير من المواطنين أن تحدث فرقاً واضحاً خلال عملها في مجلس الشعب، ويرسمون آمال كبيرة على دورها في إيصال أصواتهم وهمومهم للسلطة الأعلى.

اقرأ أيضاً: مجلس الشعب والتمثيل المحلي: هل تنجح التعيينات في تعويض غياب الانتخابات الواسعة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى