نيران مقبرة الكتيب تضيء تاريخ المقابر التراثية في سوريا

بقلم هلا يوسف
اشتعلت مقبرة الكتيب في مدينة حمص واشتعل معها تاريخ عريق حول ذاكرة هذا المكان والشخصيات المدفونة فيه. ففي سوريا تتحول القبور إلى شواهد تاريخية على حقبة حكمت الأرض في حياتها وبقيت آثارها بعد مماتها. ومع ترابط التراث والثقافي في البلاد بشكل عام، تصبح المقابر تراث مادي يجب المحافظة عليه، مثلها مثل المتاحف والمواقع الأثرية.
ومع اندلاع الحريق الكبير في مقبرة الكتيب، عبر الأهالي في مدينة حمص عن استيائهم بسبب المكانة التاريخية والدينية الكبيرة التي تتمتع بها المقبرة، والخوف من أن يكون الحريق قد طال القبور والمعالم الموجودة فيها.
اندلاع الحريق في مقبرة الكتيب
وفي تفاصيل ما جرى، فقد شهدت مقبرة الكتيب في مدينة حمص حريقاً اندلع يوم الجمعة عند الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر. ومع انتشار النيران، سارعت فرق الدفاع المدني والإطفاء إلى المكان لإطفاء الحريق قبل أن يتمدد إلى مساحات أكبر داخل المقبرة.
وبحسب المعلومات المتوافرة، شاركت خمس فرق من الدفاع المدني في عمليات الإطفاء، حيث عملت بشكل متواصل لمدة ساعتين ونصف في إطفاء النيران، ومن ثم تنفيذ عملية التبريد للتأكد من عدم اندلاع حريق آخر مرة أخرى.
كما قالت مصادر إعلامية أنه من الأسباب التي ساهمت في زيادة سرعة انتشار الحريق داخل المقبرة هو انتشار الأعشاب الجافة المنتشرة داخلها، وامتدادها إلى الأشجار الموجودة بمحاذاة سورها الخارجي.
أسباب الحريق بين الروايات الرسمية وآراء الأهالي
في الوقت الذي اكتفت فيه طوارئ حمص بالقول أن سبب الحريق لا يزال مجهولاً، وأكدت أن النيران كانت نتيجة الأعشاب اليابسة الموجودة بكثافة داخل المقبرة، في حين كانت التفسيرات والآراء تتناقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الأهالي في مدينة حمص.
حيث يرى عدد من سكان المدينة أن ما حدث يعود إلى الإهمال وعدم الاهتمام بالموقع، مؤكدين أنهم اشتكوا مراراً خلال الفترة الماضية من وجود كميات كبيرة من الأعشاب الجافة القابلة للاشتعال، وطالبوا بإزالتها وتنظيف المقبرة بشكل دوري لتجنب وقوع مثل هذه الحوادث.
بينما أشار آخرون إلى احتمال افتعال الحريق بهدف إزالة المقبرة أو استثمار الأرض التي تقع عليها، بسبب أهمية موقعها داخل المدينة. إلا أن هذه الاتهامات لم يتم التحقق منها حتى الآن، وتبقى مجرد آراء وتكهنات متداولة بين السكان، على أن تكون التحقيقات الرسمية هي كلمة الفصل في النهاية.
وقد دعى العديد من الأهالي والمهتمين بالتراث إلى المطالبة بإجراء كشف شامل على الموقع لتحديد ما إذا كانت القبور أو المنشآت المحيطة بها قد تعرضت لأي أضرار.
أهمية مقبرة الكتيب في تاريخ حمص
وبالعودة إلى مكانة مقبرة الكتيب بالنسبة للأهالي وللمهتمين بالآثار في المدينة، فلا يعتبروها مجرد مكان لدفن الموتى، بل يجدون فيها جزءاً من تاريخهم الممتد عبر قرون طويلة. إذ تعد المقبرة من أشهر المقابر الإسلامية في سوريا، كما تصنف بأنها ثاني أهم وأكبر مقبرة إسلامية بعد مقبرة البقيع في المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية. ولذلك مكانتها خاصة لدى السكان والزوار والباحثين في التاريخ الإسلامي
وتعود المقبرة إلى مرحلة مهمة من تاريخ بلاد الشام بعد الفتوحات الإسلامية، حيث استقر عدد كبير من الصحابة في مدينة حمص أو توفوا فيها، وأصبحت المقبرة مكاناً لدفن العديد منهم.
وتشير المعلومات إلى أنها تضم رفات ما يقارب 300 من الصحابة الذين عاشوا في بلاد الشام أو توفوا فيها بعد انتقالهم إليها. ومن أبرز الأسماء المرتبطة بالمقبرة الصحابي وحشي بن حرب رضي الله عنه، والصحابي ثوبان مولى رسول الله (ص)، والصحابي سفينة مولى رسول الله (ص)، بالإضافة إلى وجود قبور عدد كبير من الصحابة الذين شارك بعضهم في غزوة بدر.
كما تضم المقبرة قبور عدد من شهداء الثورة السورية الذين دفنوا فيها خلال السنوات الماضية، وهذا ما زاد من أهميتها، وأعطاها تاريخاً حديثاً بالإضافة إلى قيمتها الدينية والتاريخية القديمة.
المقابر التراثية في سوريا
فتح حريق مقبرة الكتيب التراثية موضوع المقابر التراثية في سوريا ذات الحضارة العريقة الممتدة لآلاف السنين الماضية. وهذا ما جعلها موطن للعديد من المقابر التراثية ذات التوجهات الدينية المختلفة، مما عكس التنوع الديني والثقافي الذي مر على البلاد. ولذلك كان لا بد من ذكر هذه المقابر والتعرف بشكل بسيط على تاريخها.
مقبرة باب الصغير في دمشق
تعد مقبرة باب الصغير من أشهر المقابر الإسلامية في سوريا، وتقع داخل مدينة دمشق القديمة في المنطقة الجنوبية الغربية من الجامع الأموي بالقرب من الباب الصغير. وتحمل اسم آخر وهو “غورستان غريبان”.
يعود تاريخ المقبرة إلى السنوات الأولى لدخول الإسلام إلى بلاد الشام في منتصف القرن السابع الميلادي، وهذا ما أضفى عليها طابعها التاريخي وجعلها أقدم المقابر الإسلامية في المنطقة.
وبحسب بعض الروايات التاريخية، المقبرة تضم رؤوس ستة عشر شهيداً وقتيلاً من ضحايا معركة كربلاء. كما تضم عدداً من التوابيت الرمزية التي تم إنشاءها للزيارة والتبرك، في حين توجد القبور الأصلية لبعض الشخصيات في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة.
ومن أشهر المعالم الموجودة في المقبرة ضريح بلال بن رباح رضي الله عنه، مؤذن الرسول محمد (ص) وأحد أبرز الصحابة. وعلى الرغم من وجود روايات أخرى تشير إلى وجود قبر له في منطقة الرباحية بالأردن، إلا أن عدداً من المؤرخين، ومنهم الإمام السيوطي، ذكروا أن بلال بن رباح دفن في دمشق بعد وفاته نحو عام 20 للهجرة، الموافق تقريباً لعامي 640 و641 للميلاد. كما تضم المقبرة قبر الإمام ابن قيم الجوزية، أحد أبرز علماء المذهب الحنبلي.
مقبرة اليهود في حلب
كما ذكرنا في بداية هذه الفقرة، تميزت سوريا بتنوع الحضارات التي تعاقبت عليها، لذلك من الطبيعي وجود مقبرة يهودية في مدينة حلب، مما يشكل دليلاً على وجود الجالية اليهودية التي عاشت لقرون طويلة في المدينة.
وتعد هذه المقبرة اليهودية من أقدم المقابر اليهودية في المنطقة، حيث تشير التقديرات إلى أن تأسيسها يعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والعاشر قبل الميلاد.
وتحتوي المقبرة على مئات القبور والمعالم التاريخية التي توثق حياة الجالية اليهودية في مدينة حلب عبر العصور المختلفة. ويُقال أن الموقع الأصلي للمقبرة كان ممتدد من منطقة العزيزية خلف كنيسة اللاتين حتى المنطقة المقابلة لمحطة وقود شمس، قبل أن يتم نقلها إلى منطقة الشيخ مقصود في أوائل سبعينيات القرن العشرين.
المقبرة البريطانية في حلب
هل كنت تعرف أن هناك مقبرة بريطانية في حلب؟ نعم تشير المعلومات التاريخية إلى احتضان حلب لمقبرة بريطانية معروفة باسم مقبرة حرب الكومنولث، وهي من أبرز المواقع التاريخية المرتبطة بالحربين العالميتين الأولى والثانية في سوريا.
تم إنشاءها بعد حملة كيليكيا عام 1919، في فترة كانت سوريا فيها تحت الانتداب الفرنسي. وخلال تلك المرحلة شهدت المنطقة مواجهات عسكرية بين قوات الحلفاء والقوات التابعة لحكومة فيشي الفرنسية المدعومة من ألمانيا النازية. وبعد انتهاء العمليات العسكرية جرى توسيع المقبرة لتضم قبور جنود من مختلف دول الكومنولث، بما في ذلك بريطانيا وكندا وأستراليا وغيرها.
وكانت المقبرة تضم 426 شاهداً من الرخام نُقشت عليها أسماء الجنود ورتبهم العسكرية ورموزهم الدينية، بالإضافة إلى وجود صليب التضحية وحدائق الورود. أما اليوم فإنها تضم 114 قبراً لجنود من قوات الكومنولث الذين قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية.
في النهاية، بعد حريق مقبرة الكتيب التراثية توجه الحديث نحو أهمية الاعتناء بالمقابر التراثية لمختلف الأديان، لأنها تمثل الذاكرة المكانية للحضارات التي مرت على المكان، ولا تقف فقط عند مكان لدفن الموتى. وبالتالي الحفاظ على هذه الأماكن والاعتناء بها هي واجب حفاظاً على كرامة الميت من جهة، وحماية للتراث التاريخي من جهة أخرى.
اقرأ أيضاً: عودة التراث السوري إلى قوائم إيسيسكو.. ماذا تعني لسوريا؟









