ثقافة وتراث

نهر الفرات.. كيف أصبح النهر العظيم الذي نعرف؟ دراسة علمية حديثة تجيب

بقلم هلا يوسف

لطالما أثار نهر الفرات نقاط استفهام كثيرة لدى العلماء والجيولوجيين حول منشأه وتاريخه، وماذا حدث له خلال القرون الماضية. فمع النظام البيئي المعقد الموجود على كوكبنا، لا تزال المفاجأت مستمرة مع كل اكتشاف، فالأرض لغز كبير يسعى العلماء إلى فك شيفرته، وتفسير رموزه حتى يتم معرفة الماضي، وبناء المستقبل على أساسه. وهذا ما حدث ما نهر الفرات الذي تم حل لغزه منذ أيام وفق دراسة نشرت على أحد المواقع العلمية الإلكترونية، لتكون قفزة نوعية في علوم البيئة. وهذا ما سننقله لكم في هذا المقال.

البداية العميقة: كيف وُلد نهر الفرات من تغيّر الأرض؟

بحسب دراسات علمية نقلتها وكالة رويترز، وتم نشر نتائجها في مجلة Nature Geoscience، يبلغ عمر نهر الفرات بشكله الحالي بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة فقط، وهي فترة تعد حديثة جداً إذا ما تم مقارنتها بعمر الأرض.

وبالعودة إلى فترة ما قبل تشكله بوضعه الحالي، تشير الدراسات أنه لم يكن نهر الفرات نهراً واحداً، بل تشكل بفضل التقاء مجرى لنهرين قديمين يدعيان قره صو ومراد الموجودين اليوم في تركيا. وكان مسارهما مختلفاً تماماً، إذ كانا يتجهان نحو حوض البحر المتوسط بدل الخليج.

ومع مرور الزمن حدثت تغيرات كبيرة في منطقة شرق الأناضول جنوب تركيا اليوم، بسبب حركة الصفائح الأرضية والنشاط التكتوني. وهذه الحركة البطيئة والعنيفة في الوقت نفسه، كانت كفيلة بتغيير اتجاه المياه بالكامل.

فأحد النهرين تغير مساره بالتدريج ليتجه نحو الجنوب الشرقي أي نحو الخليج، ثم اندمج به النهر الآخر فيما بعد. ومع هذا الاندماج، تكون نظام نهري جديد وقوي، هو نهر الفرات كما نعرفه اليوم، بطول يصل إلى حوالي 2800 كيلومتر. ونستنتج من الكلام السابق أن نهر الفرات لم تكن له ولادة واحدة، بل كان له ولادتان، وتشكل مجراه عبر مراحل طويلة مثل تشكل قطع الفسيفساء.

كيف كشف العلماء هذه القصة المخفية تحت الأرض؟
قد يستغرب البعض هذه القصة لكونها تعود إلى ملايين السنين الماضية. لكن الحقيقة أن هذه الدراسة لم يتم التوصل لها بكريقة سهلة، وبالأصل لم يكن البحث عن أصل نهر الفرات في البداية.

فقد بدأت القصة عندما كان فريق من الجيولوجيين يدرس أعماق البحر المتوسط للبحث عن احتمالات وجود غاز طبيعي. وعند استخدامهم لبيانات المسح الزلزالي، ظهرت مفاجأة غير متوقعة متمثلة بأشكال غريبة تحت قاع البحر تشبه مجاري أنهار قديمة مدفونة.

وفي العلوم الجيولوجية تسمى هذه التقنية بالتصوير الزلزالي، حيث تعتمد على إرسال موجات صوتية إلى باطن الأرض، ثم تحليل طريقة ارتدادها. وبذلك يمكن رسم صور دقيقة للطبقات العميقة تحت الأرض، وكأن العلماء ينظرون إلى ما تحت السطح بعدة كيلومترات.

ومن خلال الصور التي تم تصويرها، ظهرت طبقات من الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح، وكانت تحمل أشكال قنوات نهرية قديمة، أي أنها لم تكن مجرد طبقات عشوائية. ومع الوقت والضغط الشديد، تحولت هذه المواد إلى صخور، لكنها احتفظت بشكل الأنهار التي كانت تمر منها قبل ملايين السنين.

وهنا يشرح الجيولوجي سيمون لانغ من جامعة وسترن أستراليا، بالتعاون مع الجيولوجي آندرو مادوف من شركة شيفرون كيفية عمل التقنية، وأكدوا أن هذه التقنية تشبه إلى حد كبير التصوير بالموجات فوق الصوتية في الطب، لكن هنا يتم استخدامها لرؤية “جروح الأرض القديمة” بدل جسم الإنسان.

ومن خلال هذه الصور، تتبع العلماء تلك القنوات القديمة حتى وصلت إلى الأراضي التركية، وهناك ربطوها بنهري قره صو ومراد، اللذين يعتقدون أنهما مصدران رئيسيان لتشكل الفرات فيما بعد.

نهر يصنع الحضارة… لكنه أيضاً ابن التغيرات الطبيعة

وبما أن قيام الحضارات القديمة كان مرتبطاً بوجود المياه، فارتبط نهر الفرات بمدن أوروك وبابل وأور وماري، حيث لم يكن مجرد شاهد على الحضارة، بل كان أساساً في وجودها. فقد شكل النهر مع نهر دجلة منطقة بلاد بين النهرين، وهي واحدة من أولى المناطق في العالم التي ظهرت فيها الزراعة المنظمة. ومع وجود المياه التي وفرها النهر، اتصفت الأراضي بالخصوبة، وبالتالي ساعدت الناس على الاستقرار بدلاً من التنقل المستمر.

وتلك كانت بداية الحضارات، ففي البداية تكونت القرى، ثم المدن، ثم نشأت حضارات كبيرة مثل بابل وأوروك. والجدير بالذكر أن أهمية نهر الفرات لم تقتصر على الزراعة، بل ساعدت أيضاً في تطور التجارة، وظهور الكتابة المسمارية، وهي واحدة من أقدم أنظمة الكتابة في العالم.

لكن الشيء العجيب الذي طرحه العلماء في هذه الفكرة، أن هذا النهر الذي صنع الحضارة، تشكل هو نفسه بفعل تغيرات طبيعية عميقة حدثت قبل وجود الإنسان. فالجيولوجي سيمون لانغ قال أن الأنهار ليست ثابتة كما نعتقد، بل يمكن أن تغير مسارها بالكامل إذا تغيرت الأرض من تحتها. ويعطي مثالاً على ذلك ما حدث لنهر الأمازون قديماً، حيث كان يتجه نحو المحيط الهادئ قبل أن يغير مساره بسبب ارتفاع جبال الأنديز، وأصبح اليوم يتجه نحو المحيط الأطلسي.

وبذلك نستطيع فهم مجاري الأنهار، وكيف تتغير أنظمتها مع التغيرات الطبيعية مثل الزلازل وحركة الجبال والصدوع عبر ملايين السنين.

كما أشار الباحثون في الدراسة أن النهرين القديمين اللذين شكلا الفرات كانا في الماضي متدفقين بشكل أكبر مقارنة بتدفق أنهار تعد كبيرة اليوم مثل النيل ودجلة والفرات الحالي. وهنا تبرز فكرة مهمة جداً أن مؤشرات نهر الفرات الحالي تشهد تراجع كمية المياه في الأنهار والمياه الجوفية داخل حوضه منذ عام 2002.

ويعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى عاملين مهمين: قلة الأمطار من جهة، وارتفاع درجات الحرارة الذي يزيد من تبخر المياه من جهة أخرى. ومع استمرار ارتفاع حرارة المناخ، يتوقع العلماء أن يستمر هذا النقص في المياه خلال السنوات القادمة.

لكن المشكلة لا تتوقف عند تغير المناخ فقط، فهناك أيضاً صعوبة في متابعة الوضع المائي بطريقة دقيقة. فبعض أنظمة الرصد غير منتظمة، كما أن البيانات الهيدرولوجية لا تكون دائماً موجودة أو صادقة. ومع ذلك تم استخدام صور الأقمار الصناعية في السنوات الأخيرة الذي أعطى صورة أوضح عن التغيرات في مخزون المياه خلال فترة زمنية محددة.

وقد أشرفت على هذه الدراسة الخاصة بصور الأقمار الاصطناعية الباحثتان لي-لينغ تشانغ من جامعة هارفارد، وغو-يو نيو من جامعة أريزونا، بدعم من مركز أبحاث المناخ (COM). وهدفت الدراسة إلى فهم تأثير المناخ بشكل أدق على تخزين المياه في حوض دجلة والفرات.

وأظهرت النتائج، التي تم نشرها في مجلة Journal of Hydrometeorology، أن التغيرات المناخية السنوية هي المؤثر الأكبر على كمية المياه. وتكمن الأسباب في ذلك إلى فترات الجفاف الطويلة، عدا عن فقدان المياه بسرعة بسبب عملية النتح عند النباتات، والتي تزيد من جفاف التربة.

في النهاية، تشكل هذه الدراسة نقلة نوعية في اكتشاف تاريخ نهر الفرات، وقد تشكل هذه الدراسة أساساً لدراسات قادمة حول الموارد المائية الموجودة في النهر، وإلى متى سيبقى متدفقاً، والوقاية من مخاطر جفافه.

اقرأ أيضاً: من الجفاف إلى الفيضان: قصة فيضانات نهر الفرات

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى