سياسة

نمو بـ11.3% وإيرادات بالمليارات: ما مدى واقعية توقعات التعافي السوري؟

الكاتب: أحمد علي

تضع وزارة المالية السورية رقمين كبيرين أمام عام 2026. نمو اقتصادي متوقع عند 11.3%، وإيرادات للموازنة تتجاوز ثمانية مليارات دولار بعد 3.5 مليارات في 2025. ويقول الوزير محمد يسر برنية إن النمو قد يبلغ 9.7% في 2027، وإن الإنتاج في قطاعات عديدة يمكن أن يعود إلى مستويات ما قبل 2011 بحلول 2030. الاتجاه العام يجد سنداً لدى صندوق النقد الدولي الذي يتوقع نمواً من خانتين هذا العام، لكن الرقم الدقيق 11.3% يبقى تقديراً حكومياً في اقتصاد لا تزال بياناته الأساسية ناقصة ومتفاوتة الجودة.

هذه المسافة بين وجود تعافٍ فعلي وبين دقة قياسه هي نقطة البداية. الاقتصاد السوري خرج من أكثر من عقد من الانكماش والدمار والعزلة، واستعاد خلال 2026 حقول نفط وغاز ومساحات إنتاجية، وتحسن موسم الأمطار، وعادت التجارة والخدمات إلى مناطق كانت منقسمة، كما تزايدت حركة اللاجئين العائدين والزوار. كل ذلك يمكن أن يرفع الناتج بسرعة. لكنه يحدث فوق قاعدة إنتاج منخفضة جداً، لذلك قد تسجل السنة نسبة نمو مرتفعة من دون أن تعيد مستوى المعيشة أو الطاقة الإنتاجية التي فقدتها البلاد.

التعافي السوري بين النسبة وحجم الاقتصاد

صندوق النقد الدولي أنهى زيارة إلى دمشق في تموز وقال في 4 آب إن التعافي يتعزز وإن النمو مرشح للوصول إلى خانتين في 2026 والاستمرار بقوة في 2027. عزت البعثة ذلك إلى تحسن الزراعة مع الأمطار، واتساع إنتاج المحروقات والكهرباء، ونمو التجارة والخدمات، إلى جانب عودة اللاجئين وزيادة عدد الزوار. هذه العناصر تتقاطع مع تفسير وزارة المالية، ما يمنح الاتجاه العام للتوقع قدراً من المصداقية يتجاوز التقدير المحلي وحده.

لكن صندوق النقد لم ينشر في بيانه رقماً يساوي 11.3%. الفارق مهم لأن الاقتصاد السوري يفتقر إلى سلسلة حديثة ومتماسكة من الحسابات القومية. البنك الدولي يقول صراحة إن البيانات الرسمية ما تزال محدودة ومتفاوتة الموثوقية، ويضع نمو 2025 ضمن نطاق تقديري بين 2% و4%، بينما تستخدم وزارة المالية رقماً يقارب 4%. عندما تكون سنة الأساس نفسها تقديرية، فإن الفارق بين نمو عند 9% أو 11.3% قد يكون أصغر من هامش الخطأ الإحصائي.

يضاف إلى ذلك أثر القاعدة المنخفضة. البنك الدولي يقدر أن الناتج الحقيقي انخفض قرابة 53% بين 2010 و2022، فيما تقلص الناتج الاسمي من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى نحو 21.4 ملياراً في 2024. اقتصاد بهذا الحجم يستطيع أن يسجل نمواً مزدوج الرقم عند إعادة تشغيل حقول أو طرق أو منشآت متوقفة، من دون أن يعني ذلك أنه استعاد ما خسره. وإذا نما اقتصاد حجمه الحالي 11.3% سنة واحدة، فإن المسافة إلى مستوى ما قبل الحرب تظل كبيرة.

استعادة الحكومة في شباط 2026 مناطق رئيسية للنفط والغاز توضح طبيعة هذا النوع من النمو. يقدر البنك الدولي أن حصة الحكومة من إنتاج النفط الوطني ارتفعت من نحو 20% إلى 88% بعد استعادة تلك المناطق. دخول إنتاج كان خارج حسابات الدولة أو تحت إدارة مختلفة يضيف دفعة قوية إلى الناتج والإيرادات في سنة الانتقال، لكنه لا يتكرر بالنسبة نفسها كل عام. ولهذا سيكون رقم 2027 أكثر دلالة على قدرة الاقتصاد على النمو بعد انتهاء جزء من مكاسب الاستعادة الأولى.

الزراعة تقدم مثالاً آخر. موسم 2025 تعرض لجفاف شديد، ثم جاء 2026 بأمطار أفضل. المقارنة مع سنة زراعية ضعيفة ترفع معدل النمو تلقائياً عندما تتحسن المحاصيل. هذه زيادة حقيقية في الإنتاج وليست خدعة حسابية، لكن جزءاً منها تصحيح لما فُقد في سنة سيئة. استدامة النمو تحتاج بعد ذلك إلى ري وطاقة وتمويل ومدخلات تسمح للقطاع بالحفاظ على الإنتاج إذا عادت ظروف الطقس إلى المتوسط أو تعرض لموسم جفاف جديد.

ثمانية مليارات وإشكالية نوع الإيراد

التحول المالي أكثر لفتاً من رقم النمو. تقول وزارة المالية إن إيرادات 2026 تتجاوز ثمانية مليارات دولار مقابل 3.5 مليارات في 2025، وإن نحو 75% منها يأتي من مصادر مستدامة. صندوق النقد يؤكد الاتجاه من دون أن يورد القيمة نفسها، ويقول إن إيرادات الضرائب والجمارك ارتفعت بقوة في النصف الأول، وإن إيرادات المحروقات صعدت أيضاً، مع وجود إيرادات لمرة واحدة تشمل ترخيصاً للاتصالات ورسوم عبور الوقود.

هذا التفصيل يحدد معنى الزيادة. تحسن الجمارك والضرائب بفعل توسع النشاط والامتثال يمكن أن يبني قاعدة مالية تستمر. عائدات النفط قد تستمر أيضاً، لكنها شديدة الحساسية للإنتاج والأسعار. أما رسوم الترخيص وغيرها من الإيرادات الاستثنائية فلا تصلح لتمويل التزامات دائمة مثل الرواتب أو النفقات الجارية. قول الوزارة إن ثلاثة أرباع الإيرادات مستدامة إيجابي إذا أثبت التنفيذ ذلك، لكنه يعني في الوقت نفسه أن جزءاً مهماً من القفزة السنوية يحتاج إلى الفصل عن الموارد المتكررة عند إعداد موازنة 2027.

توجد مفارقة في موازنة 2025 تساعد على قراءة الأرقام. أنهت الحكومة السنة بفائض محدود، لكن الوزير نفسه قال إن الفائض جاء بدرجة كبيرة من تقييد الإنفاق الاستثماري رغم الحاجة الواسعة إليه. صندوق النقد توصل إلى المعنى نفسه تقريباً، إذ تحدث عن احتواء الإنفاق ضمن الموارد المتاحة. لذلك لا يصبح الفائض مؤشراً على صحة المالية العامة إذا تحقق عبر تأجيل إصلاح شبكة كهرباء أو طريق أو مدرسة يحتاجها الاقتصاد كي ينتج أكثر.

حتى في 2026 يتوقع صندوق النقد أن تبقى قيود الموارد مؤثرة في الإنفاق الرأسمالي. وهذه نقطة أساسية لأن سوريا لا تواجه دورة أعمال عادية. البنك الدولي يقدر كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أمثال الناتج المتوقع لعام 2024. ثمانية مليارات دولار من الإيرادات تقدم للدولة قدرة أكبر بكثير من العام السابق، لكنها صغيرة أمام حجم الإسكان والبنية التحتية والمنشآت التي تحتاج إلى إعادة بناء.

الحكومة تراهن على إصلاح ضريبي جديد يبدأ في 2027، بخفض المعدلات وتبسيط الإجراءات وتوسيع الامتثال. يمكن لهذه المقاربة أن ترفع الإيرادات إذا أعادت منشآت إلى الاقتصاد الرسمي وقللت التهرب، لكن انخفاض المعدل لا يضمن وحده اتساع الحصيلة. النتيجة ستعتمد على قدرة الإدارة الضريبية على التسجيل والتحصيل وعلى عودة الشركات إلى الربح، وعلى ألا تتحول الإعفاءات والحوافز إلى ثقوب جديدة في القاعدة الضريبية.

متى يصل النمو إلى الأسرة؟

هناك سبب إضافي للحذر من مساواة معدل الناتج بتحسن المعيشة. صندوق النقد يقول إن الفقر ما يزال واسعاً وإن التعافي غير متساوٍ بين المناطق، كما يلفت إلى أن التضخم تسارع في 2026 بسبب أسعار الوقود والغذاء المستوردين والحرب الإقليمية وقوة الطلب وزيادات أجور القطاع العام وارتفاع كلفة المرافق والسكن. يستطيع الناتج أن ينمو بسرعة بينما تتآكل زيادة الأجر إذا كانت أسعار الضروريات ترتفع بالسرعة نفسها أو أسرع.

القطاع المصرفي يمثل قيداً آخر. وصف صندوق النقد النظام المصرفي بأنه شديد الاختلال، مع أدوات نقدية محدودة وحاجة إلى إعادة تأهيل البنوك وتحسين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. التعافي الذي تقوده التجارة وإعادة فتح الأسواق يمكن أن يبدأ من دون ائتمان مصرفي واسع، لكن الاستثمار الصناعي والزراعي طويل الأجل يحتاج إلى تمويل لا توفره السيولة النقدية وحدها. استمرار ضعف البنوك يضع سقفاً على انتقال النمو من النشاط السريع إلى توسع إنتاجي مستدام.

الاختبار العملي لتوقع 11.3% لن يكون إعلان الناتج في نهاية السنة فقط. ينبغي أن تظهر معه زيادة في التشغيل، وتحسن في الأجر الحقيقي، واستثمارات جديدة خارج التجارة والخدمات، وارتفاع في الإنتاج الصناعي والصادرات، واتساع في الكهرباء والائتمان. كما أن توزيع النمو بين المحافظات مهم، لأن متوسطاً وطنياً مرتفعاً قد يخفي مناطق بقيت خارج التعافي أو استفادت بدرجة أقل.

توقعات وزارة المالية واقعية في اتجاهها أكثر مما يمكن الجزم بدقتها العددية. هناك عودة واضحة للنشاط، وصندوق النقد يؤيد فكرة النمو من خانتين، كما أن استعادة النفط وتحسن الزراعة والتجارة تعطي أسباباً قابلة للقياس للقفزة. لكن 11.3% تظل نقطة داخل نطاق واسع من عدم اليقين الإحصائي، والزيادة الضخمة في الإيرادات تضم عناصر متكررة وأخرى استثنائية. سوريا تستطيع أن تحقق سنة نمو قوية جداً من قاعدة منخفضة، أما التعافي بمعناه الأوسع فسيظهر عندما يستمر هذا النمو بعد زوال دفعات 2026، ويصل إلى الدخل والخدمات والاستثمار لا إلى الحسابات الكلية وحدها.

اقرأ أيضاً: كاريكاتير: عضلات التضخم أقوى من الراتب والعمل الإضافي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى