سياسة

نقل مجاني إلى معرض الكتاب… فلماذا «لا» إلى الجامعات والمشافي؟!

الكاتب: أحمد علي

تعود المدينة إلى اختبار بسيط في شكله وعميق في دلالته، حين يصبح الوصول إلى الثقافة موضوعاً عملياً حقيقياً لا شعاراً، وحين يلتقي فضول القارئ بحسابات الطريق والوقت والقدرة على الدفع. خبر تسيير حافلات مجانية إلى معرض دمشق الدولي للكتاب في سوريا خلال شباط 2026 لم يمر كتفصيل خدمي عابر، لأن ما يُقدَّم للمعرض بوصفه تيسيراً مؤقتاً يوقظ أسئلة قديمة عن النقل اليومي إلى الجامعات والمشافي، وعن معنى أن تكون الخدمة العامة متاحة بكرامة وانتظام، لا بالمصادفة ولا بالمواسم.

نقل مجاني إلى معرض الكتاب

أعلنت محافظة دمشق تسيير باصات نقل مجانية يومياً إلى معرض دمشق الدولي للكتاب بهدف تسهيل وصول الزوار، وحددت أربعة مواقع للانطلاق هي البرامكة مقابل وكالة سانا، والمدينة الجامعية على أوتوستراد المزة، وساحة باب توما، وجسر الحرية، كما حددت الإطار الزمني للخدمة من العاشرة صباحاً حتى التاسعة مساءً يومياً، مع استثناء يوم الجمعة حيث تبدأ الرحلات من الثالثة عصراً حتى التاسعة مساءً.

اللافت أن الخدمة قُدِّمت باعتبارها جزءاً من تجربة زيارة المعرض نفسه، لا مجرد نقل من نقطة إلى أخرى، وهو ما يجعل عبارة نقل مجاني إلى معرض الكتاب تحمل معنى مزدوجاً، فهي وعد بالوصول ووعد بمشاركة أوسع في حدث ثقافي يريد منظموه أن يكون مفتوحاً للجمهور، خصوصاً أن المعرض وفق ما ورد في الإعلان الرسمي فُتح أمام الزوار بين السادس والسادس عشر من شباط بمشاركة أكثر من خمسمئة دار نشر من خمس وثلاثين دولة.

تفاصيل الخدمة وحدود التطبيق

عند قراءة التجربة من زاوية النقل العام، تظهر ميزة واضحة هي أن نطاق الخدمة محدود ومفهوم، وجهة واحدة تقريباً ومواعيد معلنة ونقاط انطلاق معروفة داخل المدينة، وهذا يقلل الحاجة إلى تعقيدات الشبكات الطويلة ويُسهل الرقابة التشغيلية. في المقابل تبقى الصورة غير مكتملة لمن يحاول قياس الأثر بدقة، إذ لا تتوافر في البيانات المنشورة أرقام عن عدد الحافلات العاملة أو حجم الإقبال اليومي أو تكلفة التشغيل، وهي عناصر حاسمة لتحويل المبادرة من حدث موسمي إلى سياسة يمكن تكرارها.

مع ذلك، يظل في التجربة درس عملي، فحين تُعلن المواعيد ويُحدَّد المسار ويعرف الراكب ماذا ينتظر، تنخفض كلفة التنقل غير المرئية، ككلفة الوقت والقلق والبحث عن بدائل، وهي كلفة يقول كثيرون إنها لا تقل قسوة عن الأجرة نفسها في مدن تعيش ضغطاً مرورياً وخدمياً.

نقل محدود بزمن محدد

فكرة النقل المحدود بزمن محدد تقوم على تشغيل خطوط أو رحلات إضافية مرتبطة بحدث ذي فترة قصيرة، مثل معارض أو مباريات أو مواسم سياحية. قوتها أنها تسمح بتجربة حلول بسرعة ثم إيقافها أو تعديلها دون أن تتحول مباشرة إلى التزام دائم قد لا تتحمله الميزانيات. من هذه الزاوية يمكن اعتبار النقل المجاني إلى معرض الكتاب نموذجاً مصغراً لاختبار ما يمكن إنجازه عندما تتوافر إرادة تنظيمية واضحة، وعندما تُبنى الخدمة على مسار مباشر يربط نقاط الطلب العالية بوجهة واحدة.

لكن تحويل النموذج إلى الجامعات أو المشافي سيواجه فارقاً جوهرياً، فالجامعة والمشفى ليستا حدثاً مؤقتاً، بل يوميات تحتاج إلى انتظام، كما أن اتجاهات الحركة فيها متغيرة بين الصباح والظهيرة والمساء، وتستقبل فئات قد لا تملك رفاهية تغيير مواعيدها.

التكاليف والتغطية ومفهوم الإنصاف

أي نقاش لتعميم الفكرة يتوقف عند سؤالين متلازمين، من يدفع ومن يستفيد، فيما تشكل المحروقات جزءاً كبيراً من تكاليف تشغيل وسائل النقل، وقدّر أحد التحليلات أن المحروقات قد تصل إلى نحو أربعين في المئة من التكلفة التشغيلية، ما يفسر حساسية التعرفة والالتزام الزمني لأي خدمة منتظمة.

وفي سياق دمشق وريفها تحديداً، نقلت تقارير محلية عن مسؤول في مؤسسة نقل الركاب أن تعرفة باصات النقل الداخلي كانت مرشحة للارتفاع إلى 2500 أو 3000 ليرة بعد أن كانت 2000، مع ربط ذلك بارتفاع أسعار المحروقات وبأن المؤسسة تشتري الوقود بالسعر المحدد في الأسواق دون دعم حكومي.

لا تكفي هذه الإشارات لبناء ميزانية دقيقة لخدمة مجانية، لكنها تضع إطاراً واقعياً، فكل رحلة مجانية لا تلغي الكلفة بل تنقلها من جيب الراكب إلى جهة ممولة، وقد تكون الحكومة أو البلدية أو رعاة من القطاع الخاص أو مزيجاً منها. وهنا يظهر مفهوم الإنصاف، إذ يتساءل بعض المواطنين لماذا تُموَّل رحلة ثقافية مؤقتة بينما يظل الوصول إلى العمل أو الدراسة أو العلاج عبئاً يومياً، وفي المقابل يرى آخرون أن الثقافة حق عام أيضاً وأن دعمها قد يكون بوابة لاستعادة الثقة بالخدمات.

تحدثت تقديرات صحفية عن أن كلفة المواصلات باتت تلتهم جزءاً كبيراً من دخل الأسر، وأن بعض الموظفين والطلاب يجدون صعوبة في الاستمرار بالدوام بسبب مصاريف النقل، وهي خلفية اجتماعية تجعل أي مبادرة مجانية مثار مقارنة مباشرة مع احتياجات أكثر إلحاحاً.

الجامعات والمشافي اختبار الاستدامة

إذا كان النقل المجاني إلى معرض الكتاب قد نجح لأنه محدد المكان والزمان، فإن تعميمه على الجامعات والمشافي يحتاج إلى تصميم مختلف يقوم على الاستدامة والتدرج. يطرح مختصون فكرة البدء بخطوط تجريبية في أوقات الذروة نحو أكبر التجمعات الجامعية والمشافي المرجعية، مع مراقبة الإقبال وتعديل الجداول، ثم الانتقال إلى نموذج تمويل واضح يوازن بين مجانية جزئية للفئات الأكثر حاجة وبين تعرفة مخفضة لبقية الركاب.

في هذا المسار قد تلعب قرارات تنظيمية دوراً مساعداً، مثل إعطاء أولوية للحافلات في بعض المسارات، أو دمج النقل الجامعي والنقل الصحي ضمن خطة تنقل حضري أوسع، أو توقيع شراكات تشغيل مع شركات نقل مقابل ضمانات وقود وصيانة، وهي أفكار تظهر عادة عندما يُنظر إلى النقل على أنه بنية تحتية للحق في التعليم والصحة لا مجرد خدمة تجارية.

على المستوى السياسي الإداري، فإن تحويل المبادرات الموسمية إلى حلول دائمة يتطلب قراراً حكومياً واضحاً في التمويل والتشغيل، لأن جهة واحدة لا تستطيع وحدها تحمل عبء شبكة يومية واسعة، لذلك ينتهي كثير من النقاش العام إلى تحميل الحكومة مسؤولية تدبير الحل عبر موازنة شفافة وخطة تشغيل قابلة للقياس، بحيث لا يبقى النقل المجاني إلى معرض الكتاب استثناءً جميلاً، بل يصبح مقدمة لنقل عام أكثر عدلاً وقدرة على الوصول.

اقرأ أيضاً: مدينة منبج السورية .. لا زال التاريخ يمشي في الشوارع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى