المجتمع السوري

نفوق الأبقار في سوريا… كارثة تلف البلاد منذ سنين من الساحل إلى القامشلي

الأبقار في سوريا تشكل عماد الأمن الغذائي إلى جانب كونها مصدر رزق للعديد من العائلات على امتداد الأراضي السورية. منذ سنوات والمربون أمام مشهد مقلق وشبح سنوي يجوب البلاد مهدداً حياة مواشيهم واستقرار دخلهم، شهدت سوريا موجات متزايدة من نفوق الأبقار أبرز عواملها الأمراض التي تصيب هذه القطعان، تحولت من حوادث متفرقة إلى ظواهر تخيّم وتجثم على نفوس المواطن البسيط مربي المواشي كل سنة.

قضية تؤرق المربي وتزعزع الاقتصاد الوطني.. أمراض غامضة وخدمات بيطرية شبه غائبة أو مغيبة، تركت المربين وسط معركة قاسية ليجدوا أنفسهم وحيدين شاهدين على احتضار أبقارهم، لاهثين بأنفاسهم الأخيرة للحفاظ على ما تبقى من ثروتهم الحيوانية.

نفوق الأبقار في سوريا.. الوباء عنوان سنة 2020

أصابت الأبقار السورية جائحة وباء جديدة في العام 2020 شملت كل المحافظات، أدت إلى إصابة عشرات الرؤوس ونفوق عدد آخر. لتتحرك محافظة طرطوس إحدى المحافظات المتضررة وتعقد اجتماعاً طارئاً لمناقشة انتشار مرض التهاب الجلد العقدي (جدري الأبقار)، في حين ذكر المكتب الإعلامي في المحافظة أن هدف الاجتماع كان وضع “خطة تدخل نوعي وسريع لإنقاذ قطيع الأبقار في محافظة طرطوس والبدء بها بأسرع وقت ممكن”.

جاء ذلك بعد إصابة 314 رأساً نفق منها 20 رأساً من الأبقار الهزيلة التي لا تستطيع مقاومة المرض. وخصصت المحافظة حينها 20 مليون ليرة لتغطية النفقات اللازمة “للحد من انتشار هذا المرض والمساهمة بعلاج الإصابات”، كما طلبت مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في المحافظة من مربي الأبقار حينها “حجر الأبقار المصابة و عزلها”، ونبهت “بعدم التخلص من الأبقار النافقة إلا بعد التنسيق معها من أجل التخلص الآمن منها والحد من انتشار العدوى والتلوث”. يذكر أن عدداً من مربي الأبقار يشتكون بشكل دائم من مرض الجدري الذي يهدد الأبقار وهي مصدر أساسي لدخلهم، كما أن أسعار الأبقار ارتفعت ليبلغ سعر الواحدة منها وسطياً ما يعادل 4 مليون ليرة في العام 2020.

بدورها شهدت منطقة الغاب بريف حماة الغربي، تفاقماً بانتشار مرض جدري البقر خلال السنة ذاتها، وأدى لنفوق أعداد من رؤوس الأبقار صعب إحصاؤها وسط تبادل الاتهام بين المربين والجهات الحكومية المسؤولة عن الثروة الحيوانية في المنطقة، حيث وصل المرض آنذاك لمراحل خطيرة ونفقت على أثره عشرات الأبقار في القريات والقرى والبلدات المحيطة بحماه.

يُعرف جدري البقر بأنه عدوى جلدية يسببها فيروس يعرف بالاسم نفسه “جدري البقر” أو فيروس “جراد البحر”، ويعد أحد أنواع عائلة فيروس “أورثوكسي”، الذي يتضمن أيضاً فيروس الجدري الشديد العدوى والمميت في بعض الأحيان، وينتقل فيروس جدري البقر من خلال القوارض، والتي يمكن أن تنتشر من حين لآخر إلى القطط والأبقار وحيوانات الحدائق، كما تحدث عملية الانتقال إلى البشر عن طريق الاتصال مع المناطق المصابة من الأبقار الحلوب. الجديد في هذا المرض هو اتساع رقعة انتشاره وعدم وجود خطط لمواجهته والتخفيف من آثاره المدمرة على قطعان الأبقار وعائلات مربيها.

اقرأ أيضاً: الثروة الحيوانية في سوريا.. كنز يتآكل في صمت!

النفوق يتجدد الآن والضحية حتى اللحظة المحافظات والمدن الشرقية

وردت شكاوي عديدة من مربي الأبقار في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، إذ شهدت المدينة نفوق العشرات من قطعانها، بسبب تفشي مرض “الحمى الزائلة”، ما تسبب بخسائر مادية كبيرة تجاوزت في بعض الحالات نصف القطيع.

المرض تفشّى منذ بداية العام الجاري 2025، رغم الالتزام بإعطاء العلاج اللازم للأبقار، لكن لم يعد هناك أي دواء يفي بالغرض، وخسر المربون نحو نصف الأبقار الموجودة لديهم، مطالبين المعنيين بتأمين اللقاحات الضرورية، منتقدين قيام بعض التجار ببيع لقاحات “غير أصلية” تزيد الوضع سوءاً.

في الرقة في أيار الماضي، شهدت محافظة الرقة تفشياً خطيراً لمرض “الحمى القلاعية” بين قطعان الأبقار، أدى إلى نفوق العشرات منها وسط تحذيرات من كارثة أكبر في ظل غياب الدعم البيطري والإجراءات الوقائية، مع مخاوف بأن السلالة المنتشرة أشد فتكاً من الموجات السابقة، وتسببت بخسائر واسعة في الريف الشمالي والشرقي للمحافظة.

يجتاح وباء الحمى الزائلة قطعان الأبقار في الجزيرة السورية هذا الموسم، مكبداً المربين خسائر جسيمة، وهذه الموجة هي الثالثة خلال عشر سنوات، إذ ضربت المنطقة سابقا موجتان: الأولى عام 2016 وتسببت في نفوق 1% من قطيع الأبقار، والثانية عام 2020 وأدت إلى نفوق 10% من القطيع، ويُقدر النفوق هذا الموسم بنسبة 50%، بفعل العوامل المناخية وارتفاع درجات الحرارة، وغياب الخدمات البيطرية.

مرض الحمى الزائلة البقرية (حمى الثلاثة أيام) من الأمراض الفيروسية ذات الخطورة النسبية المحدودة، ينتقل عبر الحشرات الماصة للدم مثل البعوض والذباب. ويصيب الأبقار والعجول والجواميس، ولا يوجد له دواء نوعي، بل يكافح عبر دعم المناعة الذاتية للحيوان من خلال خافضات الحرارة وتدابير علاجية مساندة.

أبرز الأعراض ارتفاع حرارة الأبقار إلى نحو 41°م، وظهور وذمات غازية ورئوية وتحت جلدية قد تكون شديدة أو مميتة. في بعض الحالات تصاب الحيوانات بشلل مؤقت أو دائم، وتلاحظ وذمات في الفك السفلي والبلعوم ومنطقة الضرع، مترافقه مع ارتجاف عضلي وعدم تناسق الحركة أو رقود الحيوان.

اقرأ أيضاً: الجفاف وقلّة القمح يحاصرون مربي المواشي والمزارعين في المناطق الشرقية

بعض النصائح للمكافحة.. وسط غياب السمع من الجهات المعنية

يوضح الأطباء البيطريون، أن الأوبئة بين الأبقار عادة ما تظهر في هذا الوقت من السنة، لكن الفارق هذه المرة كان انتشار المرض أشد”، وأرجعوا الأسباب في سرعة التفشي وقوة الهجمة إلى الحرارة المرتفعة وفقدان اللقاحات البيطرية الأساسية مثل لقاح الحمى القلاعية، والنوع الروسي الفعاّل منه كان يستخدم في السابق لكنه فقد نهائياً من المنطقة بعد سقوط النظام السابق.

أكد أحد الأطباء، أن غياب اللقاحات أدى إلى انتشار واسع للمرض وتكبد المربين خسائر مادية باهظة” تجاوزت في بعض الحالات 50% من القطيع”، لافتاً إلى أن غياب الدعم البيطري الرسمي فاقم الأزمة، في ظل المناشدات الراجية لم تكن هناك أيّ أذن صاغية ولا حتى وعود بالحلول ما زاد من القلق.

في السياق ذاته، عبر المربون عن مخاوفهم من انتقال العدوى عن طريق أبقار مستوردة من العراق من دون أي رقابة صحية، موجهين اللوم والاتهام على الإدارة الذاتية وقوات “قسد” بالتقصير في حماية الثروة الحيوانية في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، محذرين من كارثة زراعية وبيئية مدمرّة على وشك الوقوع في حال عدم توفر اللقاحات والصادات الحيوية اللازمة بشكل فوري للعلاج وباقي الأدوية اللازمة للوقاية.

اقرأ أيضاً: الوزارة تريد منع ذبحها.. ورئيس الجمعية يرى أن القرار دون فائدة!

ختاماً، نفوق الأبقار في سوريا تهديد للثروة لحيوانية والاقتصاد من جهة ولدخل مربيها ولقمة عيشهم من جهة أخرى، أيّ تأخر في المعالجة يعني القضاء على ما تبقى من هذه الثروة تحديداً في ظل الظروف المناخية التي تشهدها سوريا من جفاف وارتفاع في الحرارة.. يتحتم على الجهات المعنية التحرك السريع قبل انفجار الكارثة.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى