سياسة

نفط دير الزور: «سنة الصفر» بعد استعادة الحقول… من يملك الوظائف ومن يملك العائدات؟

الكاتب: أحمد علي

عادت خرائط الطاقة في سوريا إلى الواجهة بوجه جديد، فالأسماء التي غابت طويلاً عن نشرات الاقتصاد تتردد حول نفط دير الزور وحقوله، لكن العودة لا تشبه ما كان قبل الحرب لأن السنًوات الماضية صنعت شبكات تشغيل وتجارة ونقل، ثم جاءت التحولات الأخيرة لتفتح ما يسميه بعض المراقبين سنة الصفر، أي مرحلة اختبار لإعادة إدارة المورد الأكثر حساسية بينما يراقب السكان أثر ذلك على العمل والكهرباء وأسعار الوقود.

السؤال يبدأ من تفاصيل يومية، من يحصل على تصريح الدخول ومن يوقع عقد النقل أو الحراسة ومن يحدد الرواتب وأولويات الصيانة، ثم يأتي سؤال العائدات، هل تُدار كمورد مركزي أم يعود جزء ملموس منها إلى القرى التي تحملت كلفة التلوث والانقطاع. افي هذا المقال نرسم صورة حيادية لتوازنات ما بعد استعادة الحقول اعتماداً على تقارير دولية وتصريحات رسمية وتغطيات ميدانية.

نفط دير الزور ومشهد السلطة

بحسب تقرير لوكالة رويترز في 18 كانون الثاني 2026، تمكنت القوات الحكومية السورية وقوى عشائرية متحالفة معها من السيطرة على حقل العمر النفطي وحقل كونيكو للغاز في ريف دير الزور الشرقي، وهي مواقع ظلت لسنوات تحت نفوذ قوات سوريا الديمقراطية وتعد مصدراً رئيسياً للدخل في المنطقة. ووصفت رويترز السيطرة بأنها ضربة لمورد مالي مهم لدى تلك القوات، وفي اليومين التاليين تحدثت تقارير اقتصادية عن تقدم ميداني في محيط حقول أخرى شرقي الفرات، ما جعل الطاقة جزءاً من ترتيبات وقف إطلاق النار التي أعقبت التصعيد.

تغطيات اقتصادية وصحفية ربطت التحول الميداني بترتيبات أوسع لدمج مؤسسات شمال شرق سوريا ضمن هياكل الدولة، وهو مسار يواجه تحديات أمنية وخدمية، وفي دير الزور تتداخل سلطة السلاح مع سلطة الخدمات، لذلك تُقاس الاستعادة بقدرة الإدارة الجديدة على تقليل الاحتكاك المحلي وطمأنة المجتمعات التي ترى نفسها شريكا في المورد.

عقود التشغيل ومن يَعمل

في ملف الوظائف، تشير صحيفة لوموند في تقرير 22 شباط 2026 إلى عودة شركات تشغيل مرتبطة بالدولة مثل شركة الفرات إلى بعض المواقع، لكن مع نقص في المعدات والكوادر وحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة، كما تذكر أن الإنتاج ما زال أدنى بكثير من مستويات ما قبل 2011 وأن الرفع التدريجي يتطلب استثماراً وتقنيات. وهذا يجعل التوظيف متأرجحاً بين الحاجة إلى خبرة محلية وبين رغبة الإدارة في إعادة ضبط منظومة التعاقدات.

حساسية التوظيف تتعلق أيضاً بالعاملين الذين اكتسبوا خبرة ضمن مقاولات محلية خلال السنوات الماضية. لوموند تذكر أن مسؤولين ميدانيين دعوا مقاولين عملوا سابقاً إلى تقديم تفاصيل التعديلات التي أجروها، وفي المقابل يطالب الأهالي بأن يخلق نفط دير الزور فرصاً واضحة لأبناء المنطقة عبر تدريب واعتماد مهني، لا عبر وساطات أو معايير غير معلنة.

المعطيات تقول إن حقول العمر والتنك وكونيكو هي من بين الأهم في البلاد، وهو ما يفسر حساسية النقاش حول من يملك الوظائف المرتبطة بها. عملياً، على الأرض، قد تتجه الإدارة إلى إعادة تفعيل سجلات قديمة ورواتب حكومية، لكن سجلات العاملين تضررت بفعل النزوح وتغير السلطات، ما يفتح باباً لنزاعات على الأقدمية والخبرة. وبين من يطالب بالمفاضلة المهنية ومن يطالب بحصص محلية، قد يصبح إعلان معايير قبول واضحة خطوة ضرورية لتهدئة الشكوك.

العائدات بين الخزينة والناس

أما العائدات فتقف في قلب النقاش، لأن السيطرة على النفط لا تعني تلقائياً تدفقاً مالياً مستقراً، فطرق النقل وخطوط الأنابيب تضررت خلال الحرب، ما يدفع إلى حلول مكلفة مثل نقل الخام بالشاحنات. وكالة سانا الرسمية ذكرت في 25 كانون الثاني 2026 وصول أول شحنة رسمية من نفط دير الزور من حقلَي العمر والتنك إلى مصفاة بانياس عبر قافلة من عشرين صهريجاً، وهو مؤشر رمزي على عودة إدارة الدولة لسلسلة الإمداد، لكنه في الوقت نفسه يعكس هشاشة البنية اللوجستية وارتفاع كلفة الاستعادة.

من منظور الحكومة، تبرز حجة تقليل الاستيراد وتحسين تزويد المصافي، فيما تنقل لوموند تقديرات عن نية رفع الإنتاج الوطني وخفض فاتورة الواردات إذا توافرت الاستثمارات. ومن منظور المجتمع المحلي، تبرز مطالبة بأن تتحول عائدات نفط دير الزور إلى كهرباء ومياه وخدمات وتعويضات بيئية، مع آليات شفافة لقياس الإيرادات وتخصيص جزء منها لمشاريع داخل المحافظة، خصوصاً أن سكاناً يرون أن قربهم من الحقول لم يحمهم من الفقر ولا من تذبذب الوقود في الأسواق المحلية.

قواعد اللعبة الدولية الجديدة

يضيف البعد الدولي طبقة جديدة، فوزارة الخارجية الأميركية أعلنت في 23 أيار 2025 عن إعفاء لمدة 180 يوماً من عقوبات قانون قيصر لتسهيل الاستثمارات في قطاعات منها الطاقة، وفي 28 أيار 2025 نشرت وزارة الخزانة الأميركية ورقة أسئلة وأجوبة مرتبطة بالرخصة العامة رقم 25 التي توسع نطاق معاملات كانت محظورة.

لكن الإشارات لا تعني طريقاً سهلاً، فالتقارير الاقتصادية تتحدث عن موازنة المستثمرين بين الفرصة ومخاطر الأمن والضمانات القانونية. وأشارت صحيفة فايننشال تايمز عند مناقشة الإعفاءات الأميركية إلى أن محدودية المدة قد تجعل الشركات حذرة وتؤخر قرارات طويلة الأجل، لذلك قد تبرز عقود خدمات قصيرة الأجل أكثر من استثمارات ثقيلة. ومع هذا يبقى السؤال مطروحاً، من يقرر كيف تُقسّم الفرص في نفط دير الزور عندما يصبح القطاع بوابة للانفتاح الخارجي.

بيئة منهكة وأسئلة العدالة

البيئة والصحة تذكر الجميع بكلفة السنوات الماضية. ففي تقرير نشر بتاريخ 31 كانون الثاني 2026 أشير إلى اعتراضات على قرارات إغلاق الحراقات البدائية، إذ رأى بعض العاملين أن الإغلاق جاء دون بدائل سريعة، بينما اعتبره آخرون خطوة لتقليل الدخان والسموم. وتغطيات سابقة وصفت كيف تهدد هذه الحراقات الهواء والزراعة وتزيد شكاوى الأمراض التنفسية.

التحدي هو الانتقال من اقتصاد بقاء قائم على حلول رديئة إلى اقتصاد طاقة منظم، بحيث تُدمج معايير السلامة والرقابة البيئية في أي خطة لإعادة التشغيل. وهنا تظهر مفاضلة بين الإنتاج السريع لتخفيف الأزمة وبين التأهيل الأبطأ لضمان استدامة الموارد، مع برامج انتقالية للعاملين في القطاع العشوائي.

في المحصلة، ترسم سنة الصفر مساراً يتجاوز أرقام البراميل، لأن نجاح أي إدارة جديدة لملف نفط دير الزور سيقاس بقدرتها على جعل الوظائف مساراً واضحاً وعادلاً، وجعل العائدات قابلة للتتبع عبر خدمات ومشاريع محسوسة، مع ضبط التلوث ومعايير السلامة. وبين ضغط الخزينة وضغط المجتمع المحلي وضغط البيئة، تبدو الحاجة ملحّة إلى قواعد معلنة لتوزيع العقود وفرص العمل ونشر بيانات دورية عن الشحنات والإنتاج، حتى لا تعود الحقول مجدداً ساحة تنازع جديد.

اقرأ أيضاً: أزمة الخبز في دير الزور: ثغرات أعمق من مجرد طحين رديء.. ما القصة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى