نفط دير الزور بعد استعادة الحقول: كم يدخل فعلاً إلى الخزينة السورية؟

الكاتب: أحمد علي
سؤال واحد يلاحق كل برميل يخرج من شرق سوريا، هل تتحول السيطرة على الحقول إلى موارد منتظمة للدولة، أم تبقى الثروة أسيرة جباية متقلبة وشبكات نقل غير رسمية؟ tفي 18 كانون الثاني 2026 تحدثت تقارير عن استعادة قوات حكومية، ومعها مجموعات عشائرية، لحقول نفط وغاز بارزة في دير الزور، بينها العمر وكونوكو، ضمن تقدّم أوسع في المناطق الغنية بالموارد شرق الفرات.
ما يهم الخزينة ليس اسم الحقل فقط، بل ما يحدث بعد تثبيت السيطرة من حماية وتشغيل وقياس وتسويق، لأن أي خلل في حلقة واحدة يبتلع جزءاً من العائد قبل أن يلامس الأرقام الرسمية.
نفط دير الزور يعود للواجهة
أهمية نفط دير الزور تاريخية قبل أن تكون سياسية، فقبل 2011 كانت سوريا منتجاً نفطياً معتبراً، وتورد إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن متوسط الإنتاج كان يقارب 400 ألف برميل يومياً خلال 2008 إلى 2010.
اليوم تبدو الصورة مختلفة تماماً، إذ تقدر الجهة نفسها الإنتاج بنحو 25 ألف برميل يومياً من الخام والمكثفات، وهو رقم يعكس تراجعاً حاداً وتحديات تشغيلية وعقوبات وبنى تحتية متضررة. وحتى داخل الحقول التي عادت للواجهة تظهر أرقام متباينة. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن إنتاج حقل العمر انخفض إلى نحو 20 ألف برميل يومياً، بينما نُشر تقدير أعلى في تغطيات اقتصادية أخرى.
هذا التباين ليس تفصيلاً صغيراً، لأنه يحدد سقف ما يمكن الحديث عنه مالياً، ويؤكد أن أي حديث عن الخزينة يحتاج بيانات قياس منشورة ومنهجية واضحة، لا مجرد أرقام متداولة.
اقرأ أيضاً: ما بين الفزعة والتجيير حكاية عادات وتقاليد رسمت تراث دير الزور
من يضبط صنبور الجباية اليوم؟
خلال مرحلة السيطرة السابقة في شرق الفرات، تناولت تقارير صحفية آليات إدارة استخراج النفط عبر عقود قصيرة ورسوم يدفعها مستثمرون مقابل استخراج خام من مواقع محددة، مع ضبابية حول الأرقام التفصيلية وأسعار البيع الفعلية.
وبعد الاستعادة، نقلت منصة طاقة متخصصة عن بيان رسمي أن الشركة السورية للبترول بدأت ترتيبات ميدانية لحماية المنشآت ومتابعة التشغيل. هنا يبدأ السؤال الحقيقي عن الخزينة لأن السيطرة لا تعني تلقائياً وجود جباية منتظمة. فالجباية الفعلية تعني تفعيل العدادات عند نقاط الإنتاج والتجميع وربط كل نقل بسجلات تسليم واضحة، ثم توريد الإيراد إلى حسابات رسمية قابلة للتدقيق. وتعني أيضاً أن ما يُستهلك محلياً أو يُحوّل إلى كهرباء وغاز يجب أن يُسعّر محاسبياً كمنفعة عامة، حتى لا يتحول “البرميل غير المدفوع” إلى ثغرة دائمة.
التصدير بين العقوبات والوسطاء
التسويق الخارجي هو الحلقة الأكثر حساسية لأن العقوبات ترفع الكلفة وتخفض السعر الصافي. وتقارير رويترز ربطت التطورات الميدانية في الحقول بسؤال التمويل وبكون السيطرة على الموارد كانت تمنح خصوم الحكومة مورداً مالياً مهماً.
ولكن حتى مع استعادة نفط دير الزور، يبقى البيع الرسمي مقيداً، ما يدفع عادة إلى خصومات ووسطاء أو مقايضات، وهي طرق تقلل ما يدخل كسيولة مقارنة بالقيمة النظرية للخام. وفي مقابل ذلك تظهر حاجة البلاد للنفط المستورد أيضاً، إذ تحدثت الصحف المحلية عن اتفاق لتزويد سوريا بنحو 1.65 مليون برميل من الخام بهدف دعم تشغيل المصافي، في إشارة إلى أن سد فجوة الوقود لا يعتمد على الإنتاج المحلي وحده.
التكرير المحلي وحدود الطاقة
تحتاج السوق السورية مشتقات أكثر مما تحتاج خاماً، لذلك يصبح التكرير نقطة مفصلية في قياس العائد. فايننشال تايمز نقلت عن مدير مصفاة بانياس أنها توقفت في فترة سابقة بعد انقطاع تدفقات خام كانت تأتي من إيران، مع الإشارة إلى قدرة تكرير تقارب 90 إلى 100 ألف برميل يومياً.
وإذا بقيت المصافي تعمل بأقل من طاقتها بسبب الأعطال أو نقص القطع أو صعوبات التمويل، فإن جزءاً من نفط دير الزور قد ينتهي في تكرير بدائي أو بيع محلي بخسارة، ما يقلل العائد ويرفع الكلفة البيئية. وفي ملف الغاز، تشير معلومات محلية إلى أن منشأة كونوكو قادرة على إنتاج نحو 50 مليون قدم مكعبة يومياً، وإنتاج قرابة 450 طناً من غاز البترول المسال يُنقل بالشاحنات.
مثل هذه الأرقام تشرح لماذا قد يظهر جزء من “عائد النفط والغاز” على شكل ساعات كهرباء إضافية أو وقود متاح، لا على شكل أموال نقدية تدخل الخزينة فوراً.
اقرأ أيضاً: ماذا تنتج سوريا من النفط يومياً الآن؟
التهريب اقتصاد ظل دائم
التهريب هو الاختبار الأصعب لأي حديث عن الخزينة، لأنه يحول جزءاً من الكميات إلى اقتصاد ظل لا يمر عبر القياس ولا عبر الفواتير. وثقت انتشار تهريب المشتقات على ضفتي الفرات وما يرافقه من تسرب يلوث المياه والتربة، وهو جانب يضيف كلفة اجتماعية وصحية إلى الكلفة المالية.
وفي سياق إدارة العوائد سابقاً، تحدث تقرير صحفي عن توجه لتخصيص نسبة من عوائد نفط دير الزور للسكان المحليين ضمن حسابات الإدارة القائمة آنذاك، ما يعكس أن المال كان يُدار محلياً لا مركزياً أكثر مما كان يُرحّل إلى خزينة مركزية.
بعد الاستعادة، كل برميل لا يُقاس ولا يُسجل ولا يُسلّم رسمياً هو برميل لا يصل إلى الخزينة مهما كان عنوان السيطرة، وكل صهريج يخرج بلا ورق واضح يفتح باباً لتسرب العائد، حتى لو ارتفع الإنتاج على الورق.
وفي النهاية، لا يوجد رقم واحد جاهز يجيب عن سؤال الخزينة بدقة الآن، لأن الإنتاج نفسه محل تقديرات متباينة، والتسويق مقيد، والتكرير محدود، والتهريب حاضر. لكن يمكن رسم نطاق متحفظ بلا ادعاء اليقين. إذا أمكن تسليم 15 إلى 25 ألف برميل يومياً بشكل منضبط من نفط دير الزور، ومع افتراض بيع بسعر صاف منخفض بسبب الخصومات والقيود، فإن الإيراد الشهري الإجمالي قد يدور في نطاق عشرات الملايين قبل خصم كلفة النقل والحماية وإعادة التأهيل.
أما “ما يدخل فعلاً” كسيولة إلى الخزينة فسيكون أقل، لأن جزءاً من القيمة سيتحول إلى مشتقات وكهرباء وتخفيض في فاتورة الاستيراد. وعلى مستوى الشركات، تشير تقارير قطاعية إلى أن شركة الفرات للنفط كانت مشروعاً مشتركاً يضم الشركة السورية للنفط وشركات دولية قبل الحرب، لكن مسار التشغيل المقبل سيظل رهناً بالعقوبات والتمويل والحوكمة، لا بقرار التشغيل وحده.
اقرأ أيضاً: كيف سيعيد النفط رسم الاقتصاد بعد عودته إلى حضن الدولة؟









