نزيف كوادر التمريض في سوريا .. ما علاقة التجديد؟

بقلم: ديانا الصالح
تشهد مهنة التمريض في سوريا تحديات غير مسبوقة، تهدد بتدمير ما تبقى من قدرات النظام الصحي على تلبية احتياجات السوريين، فبالوقت الذي تكاد فيه المراكز الصحية تخلو من شريحة الممرضين/الممرضات، تبرز أزمة مزدوجة تتمثل في تراجع معدل التجديد لهذه الكوادر مع الهجرة المستنزفة للقوى العاملة.
سنقف مع أهم التحديات التي تواجه هذا القطاع الحيوي، والأرقام المأساوية التي وصل لها النظام الصحي في سوريا، ضمن مقالنا التالي..
تحديات التمريض في سوريا
تعاني مهنة التمريض في سوريا من عدة تحديات منهجية، تقف في وجه أي محاولة لتعافي النظام الصحي والتقديم المثالي لخدمات الرعاية الصحية، وهنا يبرز العائق الأكبر بعد تراجع البنية التحتية، ألا وهو استنزاف القوى العاملة في مجال التمريض والتي تمثل الشريحة الأكبر ضمن العاملين في المجال الصحي، ويعود ذلك إلى تفاقم الأزمات المتعلقة بهجرة ونزوح الكوادر الطبية بشكل عام والتمريضية على وجه الخصوص.
ولكن هذا لا يعتبر سبباً كافياً لتفاقم الأزمة التمريضية، فمهما ارتفعت نسبة الهجرة لن يتفاقم أثرها على الواقع الصحي ما دام تجديد الكوادر الفعال حاضراً، إذاً المشكلة الرئيسية تكمن في معدل التجديد الذي وصل لأدنى مستوياته حيث يُقدر بـ 4% سنوياً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، وما يزيد الطين بلّةً احتمالية أزمة الكثافة التمريضية لتغطية الاحتياجات الصحية المتزايدة والتي بدأت تلوّح في الأفق مع ارتفاع وتيرة التوقعات المُشيرة إلى تقاعد حوالي 80% من الممرضين خلال العقد القادم.
أما بالنسة للتعتيم المجتمعي فله حكاية أخرى، يقصّها ضعف جاذبية المهنة وتدني ترتيبها الاجتماعي مقارنةً بغيرها من المهن ذات القيمة الاجتماعية الأعلى كالطب على سبيل المثال، فلا يزال المحيط ينظر إلى الممرضات كمساعدات مرافقات للأطباء ليس إلا، كما توجد عدة عوامل عززت ترسيخ التمريض في سوريا الذي يغلب عليه التواجد النسائي كمهنة متدنية المكانة، نتيجة لساعات العمل الليلية والأجور المنخفضة.
وعلى الرغم من ذلك، فقد كسبت الممرضات مكانة واحتراماً ملحوظاً خلال سنوات الحرب ضمن عدد من المناطق الريفية وغيرها من الأماكن المتضررة التي تعاني قلّة الأطباء، ما منحهن فرصةً كبيرة للظهور كعنصر أساسي في المنظومة الصحية لا يقل أهمية عن دور الطبيب، وهذا ما يجب تعميمه على مختلف أرجاء البلاد.
أما على الصعيد المهني، فيواجه التمريض في سوريا غياب إطار وطني شامل للسياسات لتخطيط وتوزيع واستبقاء الكوادر، إلى جانب تحديات منهجية في التعليم والتدريب. فالبرامج التعليمية غالبًا ما تكون قديمة، وتفتقر إلى التوافق مع الكفاءات المحددة، فضلًا عن نقص أعضاء هيئة التدريس، مما يضعف جودة المخرجات في وقت يتزايد فيه الطلب على خدمات التمريض المتخصصة، لا سيما لمواجهة عبء الأمراض المزمنة وعواقب النزاع الصحية طويلة الأمد.
وفي الحديث عن الصعوبات والتحديات المواجهة لمهنة التمريض في سوريا، لا بد من الوقوف عند العوائق المهنية التي تفصل التمريض عن الواقع الصحي الفعال، ما جعله يعاني بصمتٍ من انعدام الأطر السياسية الوطنية الشفافة الخاصة بآليات التخطيط والتوزيع والاحتفاظ بالكوادر، إضافة إلى التحديات التدريبية والتعليمية المتمثلة بضعف المناهج القديمة وأساليب التدريب النظرية مع افتقار الجلسات العملية وعدم توافقها مع الكفاءات المحددة، فضلاً عن نقص أعضاء الهيئة التدريسية، مما يؤدي إلى تراجع جودة المخرجات بالتوازي مع ارتفاع حجم الطلب على الخدمات التمريضية التخصصية، كمواجهة الأمراض المزمنة وعواقب الحرب الصحية طويلة الأجل.
أرقام تكشف المأساة
خلفت سنوات الحرب السورية تشوهات جسيمة ضربت العمود الفقري للنظام الصحي في البلاد، ما أسفر عن تفكيك هيكلي عميق، حيث تشير النتائج الواردة ضمن دراسة نطاقية حديثة صدرت عام 2025 بعنوان “النظام الصحي في سوريا (2000–2024): تجميع قطع نظام مفتت” إلى أن الصراع تسبب بتجزئة النظام الصحي وتراجع الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية بشكل حاد.
وبالعودة إلى عام 2012، تبين انخفاض معدل الإنفاق الصحي بشكل تدريجي من الناتج الإجمالي المحلي ليصل إلى 3.05%، مقارنة بعام 2003 الذي بلغ فيها معدل الإنفاق 5.12%، ما يسلط الضوء على أثر بداية الحرب في التضاؤل التدريجي للاستثمار الحكومي بقطاع الصحة، وذلك وفقاً لبيانات البنك الدولي.
كما أن أبرز تداعيات النزاع تجسدت بتسيس الرعاية الصحية إلى جانب تراكم التحديات الصحية القائمة بذلك الوقت، لا سيما تراجع القوى العاملة نتيجة لهجرة الكوادة الطبية والتمريضية، بالتزامن مع تأثر 69% من السوريين بالفقر مع بداية 2022، حيث بلغ معدل الفقر المدقع 27%، هذه البيانات تكشف حجم المأساة واستحالة تحمل غالببية المواطنين للأعباء المالية المترتبة على الخدمات الصحية الجيدة، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القطاع الخاص الناجم عن تحديث النظام الصحي في سنة 2003م.
وتشير البيانات أيضاً إلى تراجع استجابة الصناعات الدوائية، التي كانت تلبي 90 من احتياجات السوريين قبل الحرب، وذلك نتيجة لتدهور سلاسل للإمداد فضلاً عن التراجع التمويلي.ي حين أن الصناعة الدوائية كانت تغطي 90% من الاحتياجات المحلية قبل الصراع.
ختاماً، يتضح لنا حجم المسؤولية الكبيرة التي تقع على مسؤولي السياسات الصحية وصانعي القرار، كون فترة ما بعد الصراع تمثل فرصة قوية لإعادة البناء الصحي مع التركيز على الإجراءات الصحية الهيكلية للوصول إلى نتيجة فعالة تتجسد بنظام صحي أكثر مرونة وإنصافاً، مع إزالة التشوهات التي خلفتها وكشفتها سنوات الحرب الطويلة، مع العمل على تحسين واقع التمريض في سوريا، لتلبية كافة الاحتياجات.
اقرأ أيضاً: «رفعنا التكلفة على إسرائيل».. تصريحات إبراهيم علبي بين الخطاب والواقع!









