سياسة

نداء الصحة الطارئ 2026: أين أخطر فجوات النظام الصحي؟

الكاتب: أحمد علي

تُطلّ صحة السوريين على واقع تتجاور فيه العيادة المزدحمة مع قرى لا تصلها الرعاية، ويجاور فيه مريض القلب انتظار الدواء مع أم تبحث عن لقاح لطفلها. حين نشرت منظمة الصحة العالمية نداءها الطارئ لسوريا لعام 2026، ربطته صراحةً بإرث طويل من النزاع وضعف الاستثمار، وبصدمات متكررة تشمل الجفاف وتضرر البنية التحتية.

وفي هذا السياق، يحذر مختصون من أن تقييم النظام الصحي لا يقتصر على عدد المشافي أو الأسرة، لأن الامتحان الحقيقي يظهر عندما يمرض الناس بعيداً عن سلاسل الإمداد، أو عندما يتفشى مرض يمكن الوقاية منه في بيئة تفتقد الماء الآمن والترصد الفعال، لذلك يصبح سؤال الفجوات سؤالاً عن الأولويات وعن استدامة التمويل وقدرة التنسيق على تحويل الاستجابة من إسعاف مؤقت إلى تعافٍ.

فجوات النظام الصحي في سوريا

تقدّر منظمة الصحة العالمية أن 16.5 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدة إنسانية في عام 2026، وتربط ذلك باستمرار الجفاف وتضرر البنية التحتية وتكرار الفاشيات بما يقيّد الوصول إلى الرعاية. وهذا الرقم لا يعني أن كل هؤلاء خارج الخدمة، لكنه يشير إلى اتساع الفجوة عندما يصبح الوصول إلى الطبيب أو الدواء رهناً بالجغرافيا والقدرة على الدفع وأمان الطريق، وهي عوامل تتبدل في البلاد.

تزداد الفجوات حدة لدى المقيمين في مخيمات أو مواقع نزوح أو في مناطق عودة حديثة، إذ تتقاطع احتياجات الرعاية الأولية مع أمراض مزمنة تتطلب متابعة طويلة، وتظهر الحاجة إلى خدمات الأمومة والطفولة والصحة النفسية بالتوازي مع خدمات الطوارئ.

كما يلفت عاملون إلى أن ضعف الإحالة بين مستويات الرعاية يضاعف الخطر، فالمريض قد يصل إلى نقطة أولية لكنه لا يجد المسار الآمن إلى مشفى قادر على التدخل، فتتحول المسافة إلى عامل خطر.

تمويل متناقص واحتياجات متصاعدة

ترتبط كثير من فجوات النظام الصحي بقدرة الاستجابة الإنسانية على الاستمرار، وهي قدرة تتأثر بتراجع التمويل وبالأزمات المتنافسة، وفي فبراير 2026 أعلنت منظمة الصحة العالمية أن نداءها العالمي للطوارئ يستهدف جمع نحو مليار دولار، مع إقرارها بأن تمويل العمل الإنساني في 2025 هبط إلى مستويات أدنى من 2016، وهو ما دفع الشركاء إلى تقليص ما يستطيعون تغطيته.

وعلى المستوى الأممي، أفادت تقارير بأن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية خفّض قيمة النداء الإنساني العالمي لعام 2026 مقارنة بالعام السابق بسبب تراجع دعم المانحين. كما تطلب اليونيسف في نداء العمل الإنساني للأطفال لعام 2026 تمويلاً قدره 481 مليون دولار لتقديم مساعدة منقذة للحياة لنحو 7.3 ملايين شخص في سوريا.

يتحول هذا الاتجاه إلى واقع ملموس عندما تُهدَّد خدمات أساسية بالإغلاق. فوفق نشرة القطاع الصحي في آب 2025، تعرض تقديم الخدمات في مخيم الهول لتدهور شديد، وكانت مرافق تقدم رعاية على مدار الساعة مهددة بالتوقف بسبب القيود التمويلية، وهو مثال يوضح أن فجوات النظام الصحي قد تكون في الاستمرارية قبل أن تكون في التجهيزات، وأن إنهاء مشروع واحد قد يترك آلافاً بلا بديل.

الكوادر بين الهجرة والإرهاق

يبقى العنصر البشري هو الحامل الفعلي للخدمة، وهنا تظهر الفجوات في شكل نقص الكوادر أو إنهاكها أو تشتتها بين جهات تشغيل متعددة. يربط العاملون في القطاع الصحي بين الأجور غير المستقرة وتكاليف المعيشة وبين ميل الكوادر إلى مغادرة المهنة أو الهجرة، بينما تزيد الضغوط النفسية المتراكمة من معدلات الاحتراق المهني. وتبرز مؤخراً دعوات إلى تكثيف بناء القدرات للكوادر كشرط للحفاظ على جودة الرعاية، لا كرفاه تدريبي.

تتعقد الصورة مع المخاطر الأمنية والاعتداءات على الرعاية الصحية، إذ تسجل نشرات القطاع الصحي حوادث هجمات أو تهديدات تطال المرافق والعاملين، وعندما تصبح بيئة العمل أقل أمناً تتسع الفجوة تلقائياً لأن الخدمة تصبح أبطأ، والإحالات أكثر تعقيداً، والمرضى أكثر ميلاً لتأجيل العلاج حتى يتفاقم.

الأدوية وسلاسل الإمداد الهشة

تمتد الفجوات إلى المخازن والطرقات، فتوفر الدواء والأدوات المخبرية يظل حساساً لأي تعطّل في سلسلة الإمداد. ويلاحظ عاملون أن النقص المتكرر في أدوية الأمراض المزمنة ينعكس مباشرة على معدلات المضاعفات، كما يلفتون إلى أن انقطاع الكهرباء والوقود يهدد سلسلة التبريد اللازمة للقاحات وبعض الأدوية، ويجعل إجراءات مكافحة العدوى أصعب في المشافي.

وتعني هشاشة الإمداد أن أي استجابة لفاشية أو كارثة قد تنافس احتياجات الرعاية الروتينية، فيجد النظام نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب الأولويات على حساب مرضى يحتاجون علاجاً منتظماً، وعندما يصبح الحصول على دواء ضغط أو أنسولين رحلة بحث طويلة تتحول فجوات النظام الصحي إلى عبء اقتصادي على الأسر وإلى ضغط إضافي على المرافق التي تستقبل مضاعفات كان يمكن تفاديها.

الترصد الوبائي ومخاطر التفشي

يحكى أن أخطر فجوات النظام الصحي هي التي تسمح للمرض بالانتشار قبل اكتشافه، لأن كلفة الاستجابة المتأخرة أعلى بكثير من كلفة الوقاية. لهذا تركز منظمة الصحة العالمية في نداء 2026 على دعم الترصد والاستجابة للفاشيات، وهي أولوية تتقاطع مع واقع سوريا حيث تتزامن المخاطر الوبائية مع اضطراب المياه والصرف الصحي في بعض المناطق.

وفي أيار 2025 أطلقت المنظمة عبر مكتبها الإقليمي استجابة طارئة للكوليرا تجمع بين تدخلات صحية وتدخلات مياه وإصحاح، مستندة إلى تقارير عن 1444 حالة مشتبه بها وسبع وفيات بين آب وكانون الأول 2024، وربطت ذلك بالجفاف وحركة السكان واضطراب خدمات المياه.

ولا تقتصر مؤشرات الخطر على الكوليرا، إذ تحذر نشرات القطاع الصحي من هشاشة التغطية بالتطعيم في بعض المواقع، ومن أن فرق التلقيح لا تصل إلا مرة أسبوعياً في مناطق محددة، ما يزيد قابلية التفشي لأمراض يمكن منعها.

وتلفت النشرات أيضاً إلى ملاحظات متكررة عن انتشار الديدان الطفيلية في مرافق مدعومة، وهو مؤشر على فجوات في الصحة البيئية والتثقيف الصحي، كما ترتبط مشكلات مثل القمل والتهابات الجلد بالاكتظاظ وشح المياه في بيئات النزوح، وهي تفاصيل صغيرة تكشف فجوات النظام الصحي حين تكون الوقاية أضعف من العلاج.

ختاماً، يبقى نداء الصحة الطارئ 2026 تذكيراً بأن سد فجوات النظام الصحي لا يتحقق بشحنة أدوية واحدة أو حملة قصيرة، بل بإعادة وصل حلقات السلسلة من الرعاية الأولية إلى الإحالة، ومن التمويل إلى الحوكمة، ومن الوقاية إلى التعافي، وبين هذه الحلقات تتحدد الإجابة عن السؤال الذي طرحه النداء نفسه، أين تترك الفجوات الناس وحدهم عندما يحتاجون المساعدة.

اقرأ أيضاً:مخبر حمص المركزي “مجاني”.. لكن هل تكفي الفحوص لحماية الصحة العامة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى