نجيب ساويرس في سوريا.. ورامي مخلوف في المشهد الخلفي!

بقلم هلا يوسف
تمر سوريا اليوم بمرحلة تنطوي على تحديات كبيرة، حيث تسير العقبات السياسية والاقتصادية في طريق واحد يؤثر على عماد استقرار أي دولة. لذلك تعد أي خطوة إيجابية بمثابة إنجاز مهم ولو كانت نتائجه تظهر خلال السنوات القادمة. وبما أن القطاع الاقتصادي يعد المحرك الأساسي للبلد، يأتي هدف جذب المستثمربن إلى سوريا في قمة الأهداف. وعليه جاءت زيارة الملياردير ورجل الأعمال المصري نجيب ساويرس لسوريا وتعبيره عن رغبته في الاستثمار بسوريا خطوة ذات أهمية كبيرة للاقتصاد الوطني.
وهنا تظهر أسئلة مهمة بقدر أهمية الزيارة وهي: هل تعد هذه الزيارة بمثابة فتح صفحة جديدة لساويرس في سوريا؟ وما هي أبرز القطاعات التي سيستثمر بها؟ والسؤال الأهم: هل تستطيع سوريا إقناع المستثمرين العرب بأن بيئة الاستثمار اليوم أصبحت مختلفة عما كانت عليه في السابق، خصوصاً في ظل تجربة سابقة لبعضهم مع النظام السابق انتهت بعمليات نصب علنية دون أية محاسبة؟
سوريا تبحث عن المستثمرين… وهذه أبرز القطاعات المطلوبة
مع قيادة الرئيس أحمد الشرع لملف جذب المستثمرين العرب للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، التقى برجل الأعمال المصري نجيب ساويرس في قصر الشعب، وذلك خلال زيارة الأخير لدمشق.
وفي تفاصيل الزيارة، عقد ساويرس اجتماعات عديدة مع مسؤولين حكوميين لمناقشة أبرز القطاعات التي يمكن الاستثمار فيها. وكان اللقاء مع وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق من أهم هذه اللقاءات لكونها تمس ملف هام في سوريا وهو قطاع الإسكان. حيث ناقش الطرفان الفرص الاستثمارية المتاحة في مشاريع الإسكان والتطوير العمراني، وكيف يمكن إيجاد صيغة تعاونية متوافقة بين القطاعين العام والخاص.
وفي هذا الخصوص استعرض الوزير المشكلات التي تواجه القطاع السكني حالياً، وأكد أن سوريا تحتاج إلى معالجة العجز السكني، واستكمال المشاريع المتوقفة منذ سنوات، بالإضافة إلى إطلاق مشاريع جديدة في عدد من المحافظات، خاصة في المنطقة الشرقية، التي تعد من المناطق الواعدة للاستثمار.
أما ساويرس، فأوضح أن شركاته تمتلك خبرة كبيرة في مجال التطوير العقاري، وأنه مهتم بالمساهمة في مشاريع تنموية تخدم مختلف شرائح المجتمع، إلى جانب تدريب الكوادر المحلية ونقل الخبرات، وانتهى الاجتماع بالاتفاق على متابعة الاجتماعات لدراسة سبل التعاون وآلياته.
ولم تقتصر زيارة ساويرس على قطاع الإسكان، بل تخطتها لزيارات أخرى جمعته بنائب وزير الاقتصاد والصناعة باسل عبد الحنان، وبحث معه طرق تطوير صناعة السكر من خلال إعادة دعم زراعة الشوندر السكري، مما يحقق هدفان في نفس الوقت “زراعي وصناعي”.
كما اجتمع مع وزير الزراعة باسل السويدان، حيث ناقشا فرص الاستثمار في القطاع الزراعي، والتسهيلات التي يقدمها قانون الاستثمار الجديد، بينما أكد ساويرس أن شركاته تعمل أيضاً في المجال الزراعي، وأن سوريا لديها فرص كبيرة في حال توفرت لها البيئة الاستثمارية المناسبة.
وكما ذكرنا في بداية المقال، عنوان المرحلة الحالية لسوريا “إعادة الأعمار”، وهذا العنوان يحتاج لجذب المستثمرين العرب والأجانب ليترجم بشكل واقعي. لذلك جاءت زيارة نجيب ساويرس بعد استقبال دمشق لرجل الأعمال المصري حسن علام قبل أسابيع قليلة.
ومع إدراك الحكومة السورية لحجم الدمار الموجود في سوريا، والمتطلبات الضخمة لإعادة الإعمار، ركزت الحكومة على القطاعات المستعجلة مثل الإسكان، والبنية التحتية، والطاقة، والسياحة، بالتزامن مع تحسين بيئة الاستثمار وتوسيع دور القطاع الخاص، حتى يشعر المستثمر بأن أمواله ستكون في بيئة مستقرة وآمنة.
تجربة قديمة لا تزال تلقي بظلالها
لرجل الأعمال نجيب ساويرس تجربة سيئة سابقة في سوريا، كشف عن تفاصيلها في مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات العربية. إذ أشار إلى أنه استثمر في وقت سابق في قطاع الاتصالات، لكنه أجبر على الدخول في شراكة مع رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري السابق بشار الأسد، حتى يتمكن من الحصول على رخصة الاستثمار.
وقال إنه لم يكن يملك خياراً آخر في ذلك الوقت، لكنه اعتبر أن القرار كان خطأً كبيراً فرضته ظروف الاستثمار آنذاك.
وبحسب ما رواه ساويرس، فقد بدأت المشكلة بعد نجاح الشركة وتحقيقها أرباحاً، إذ قال إن رامي مخلوف استولى على الشركة بالكامل، وطرد الموظفين، وأخرجه من المشروع بأقل من قيمة استثماره، وعلى الرغم من توجهه إلى القضاء، إلا أن ما حصله لم يرقى لحجم أمواله المستثمرة في المشروع ولا حتى الأرباح التي حققتها الشركة فيما بعد.
وأشار أن ما حدث معه لم يكن حادثة فردية، بل كان عبارة عن أسلوب ممنهج من الفساد الذي يسيطر على قطاعات اقتصادية كبيرة، تبدأ بالاتصالات ولا تنتهي بالصادرات والأسواق الحرة والنفط والغاز.
وبعد انتشار المقابلة، وسقوط النظام السابق، رد وزير الاتصالات السوري في حكومة محمد البشير، حسين المصري، على هذه التصريحات، وأكد أن سوريا ترحب بجميع المستثمرين، وأن من لديه حقوق أو أموال يمكنه اللجوء إلى القضاء للمطالبة بها، مع الإشارة إلى وجود قضاء عادل ينظر في مثل هذه القضايا.
ويعد نجيب ساويرس من أبرز رجال الأعمال في المنطقة، إذ تقدر مجلة “فوربس” ثروته في قائمة مليارديرات 2026 بنحو 5.6 مليارات دولار، ويحتل المرتبة السابعة بين أغنى أثرياء أفريقيا. وتتنوع استثماراته بين التعدين والذهب عبر مجموعة “لا مانشا”، والتطوير العقاري من خلال شركة “أورا”، إلى جانب استثماراته في “أوراسكوم إنفستمنت هولدينغ”. كما عُرف بمواقفه السياسية والإنسانية، وكان قد اقترح عام 2015 شراء جزيرة لإيواء اللاجئين السوريين الفارين من الحرب.
في النهاية، سوريا تعد اليوم منطقة مهمة للاستثمار، حيث يوجد فرص استثمارية كبيرة في قطاعات مهمة، لطن في المقابل يحتاج المستثمرون العرب ومنهم نجيب ساويرس إلى وجود بيئة استثمارية مستقرة ومشجعة، وقوانين واضحة تضمن له حقوقه وإمكانية استرداد أمواله. وهذا الأمر مهم جداً في بناء الثقة بين المستثمرين العرب والحكومة السورية. والأيام القادمة قادرة على كشف ما إذا ستنجح سوريا في تحويل اتفاقيات التعاون والتفاهمات إلى مشاريع حقيقية أو ستبقى مشكلة الثقة عقبة أمام المستثمرين.
اقرأ أيضاً: ما حقيقة الاستثمارات الزراعية الإماراتية في سوريا؟!









