سياسة

نبع الفيجة يعود للواجهة: هل تراجع اعتماد الدمشقيين على الصهاريج فعلاً؟

الكاتب: أحمد علي

تتنفّس دمشق حين يصل خرير الماء إلى الأنابيب، فالمدينة التي اعتادت أن تقيس يومها على إيقاع التقنين الكهربائي صارت تقيسه أيضاً على زمن امتلاء الخزانات فوق السطوح، وبين هذين الإيقاعين يظل الماء أكثر ما يختبر قدرة الناس على التكيّف، ومع الأمطار التي بدت أوضح خلال هذا الموسم، عاد اسم عين الفيجة إلى واجهة النقاش العام، لا بوصفه معلماً طبيعياً فقط بل كميزان يومي يتابع من خلاله السكان ما إذا كان الاعتماد على الصهاريج يتراجع فعلاً أم أن الانفراج مجرد فسحة قصيرة، ويضيف كثيرون أن أي تحسن لا يُقاس بعدد ساعات الضخ وحدها بل بدرجة الاطمئنان لمستقبل المياه في البلاد.

مياه نبع الفيجة ومؤشر الثقة

الحديث عن تحسّن مياه نبع الفيجة هذه المرة لم يأتِ من الانطباعات وحدها، فتصريحات مدير مؤسسة مياه دمشق وريفها أحمد درويش نقلت أن غزارة النبع ارتفعت إلى نحو 3.5 أمتار مكعبة في الثانية بعد أن كانت بحدود 1.5 متر مكعب في الثانية، وربط ذلك بالهطولات المطرية والثلوج على حوض النبع، كما أشار إلى أن الهطولات بلغت قرابة نصف المعدل السنوي ما انعكس على برنامج تزويد شبه يومي في معظم المناطق.

تمنح هذه اللغة الرسمية سكان المدينة سبباً لتوقع تحسن ملموس، لكنها لا تحسم وحدها سؤال الصهاريج لأن المؤشر الحقيقي عند الناس هو انتظام وصول الماء في ساعات معروفة وبضغط كاف، وإلا ظل خيار الصهريج قائماً حتى في أيام الوفرة.

الأمطار وحدود التحسن الفعلي

تعتمد مياه نبع الفيجة في جوهرها على دورة موسمية حساسة، إذ تتغذى من الأمطار وذوبان الثلوج في الحوض الجبلي المحيط، وهذا ما يجعل أي موسم مطري قوي قادراً على رفع الغزارة بسرعة، لكنه يجعل الانخفاض سريعاً أيضاً عندما يعود الجفاف.

قدّمت تقارير أزمة 2025 صورة عن حجم الاعتماد على هذا المصدر حين أشارت إلى أن النبع ونهر بردى المرتبط به يمدّان دمشق وريفها بجزء كبير من احتياجاتهما وأن أثر التراجع وصل إلى ملايين السكان، وذكرت كذلك أن 1.1 مليون منزل يحصل على الماء من هذا النظام، لذلك لا تبدو عودة مياه نبع الفيجة الآن خبراً تقنياً فحسب بل حدثاً يمس الأمن اليومي للمدينة، ومع ذلك يظل التحسن المرتبط بالمطر صعب التحويل إلى ضمانة دائمة ما لم تُستكمل الخطوات التي تجعل المنظومة أقل هشاشة أمام التقلب المناخي وتراجع الهطول.

الصهاريج كاقتصاد يومي

يستحضر الدمشقيون الصهريج بوصفه خدمة طارئة، لكن الواقع جعله اقتصاداً يومياً له تسعيرته وجدوله ووسطاؤه، وتحدثت عدّة تقارير صحفية محلية خلال العام الفائت 2025 عن وصول المياه إلى بعض الأحياء مرة كل 48 ساعة وبضغط منخفض، الأمر الذي دفع كثيرين إلى شراء مياه الصهاريج التي قُدّر سعر الواحد منها بنحو 100 ألف ليرة سورية لكل 10 أمتار مكعبة.

وفي شهادات نقلتها تقارير دولية عن الفترة نفسها، ظهر عنصر آخر يزيد الاعتماد على الصهاريج وهو انقطاع الكهرباء، لأن وجود ماء في الشبكة لا يكفي إذا تعذر ضخه إلى خزانات الأبنية، كما أن بعض الأسر تتعامل مع الصهريج كشبكة أمان حتى عندما تتحسن مياه نبع الفيجة، فالتفاوت بين بناية وأخرى في قدرة المضخات وفي حجم الخزانات يجعل قرار الشراء مرتبطاً بقدرة المنزل على التخزين بقدر ارتباطه ببرنامج التزويد، ويشتكي بعض السكان من تباين جودة مياه الصهاريج ما يزيد حساسيتهم تجاه أي تحسن في مياه نبع الفيجة من حيث النقاء والثقة.

الشبكات القديمة وفاقد الماء

تظهر تجربة السنوات الماضية أن الندرة ليست في المصدر فقط، بل في الطريق الذي يسلكه الماء حتى يصل إلى صنابير المنازل، فالشبكات المتقادمة والخسائر الفنية والتسربات قد تلتهم جزءاً من أي تحسن في مياه نبع الفيجة، ويضاف إلى ذلك أن المدينة لا تتغذى من النبع وحده بل من مزيج يضم آباراً ومحطات ضخ. ومع الجفاف تزداد حساسية هذا المزيج ويصبح أي عطل في مضخة أو خط ناقل سبباً لعودة الصهاريج إلى الواجهة.

في هذا السياق اكتسبت الزيارات الرسمية لمحطات الضخ رمزية خاصة وفق رأي البعض، إذ نقلت وكالة سانا أن وزير الطاقة السوري تفقد في شباط 2026 مركز ضخ نبع الفيجة واطلع على إجراءات تصريف المياه الفائضة إلى نهر بردى وأكد أهمية استمرارية الضخ ورفع جاهزية المنظومة، وفي تقارير أخرى أشير إلى خطط لاستبدال مضخات خلال فترة زمنية محددة بهدف زيادة ساعات وصول المياه، وهي خطوات إن نُفذت قد تجعل أثر الأمطار أطول عمراً وتخفف الاعتماد على الحلول المكلفة للأسر.

البيانات الغائبة وأسئلة الناس

حتى الآن لا توجد مؤشرات عامة منشورة تسمح بحسم سؤال الصهاريج بدقة، فالتجربة اليومية تتغير من حي إلى آخر، وقد يشعر سكان منطقة بانفراج واضح بينما تظل مناطق أخرى على اعتمادها السابق، والحسم يحتاج إلى بيانات مثل حجم الشكاوى المرتبطة بانقطاع المياه، وعدد صهاريج التزويد المرخصة، وحجم المبيعات من الآبار الخاصة، وتوزع ساعات الضخ الفعلية لا المعلنة.

وما يتوفر هو تصريحات عن تحسن الغزارة أو اعتماد برنامج شبه يومي، وهذا مفيد لفهم الاتجاه لكنه لا يكفي لتقدير أثره على جيب الأسرة وعلى عادتها في شراء الماء، لذلك تبدو الإجابة الأقرب أنها انفراج محتمل لكنه غير مضمون الاستمرارية، وأن تراجع الاعتماد على الصهاريج قد يحدث في فترات محددة ثم يعود مع أول اضطراب في الكهرباء أو في الضخ أو مع بداية الصيف، وبين هذا وذاك يظل الرهان الحقيقي على إدارة الطلب عبر الترشيد وإصلاح التسربات، وعلى عدادات أكثر دقة، وعلى شفافية أكبر في نشر أرقام التزويد كي يتحول النقاش من انطباعات متفرقة إلى صورة قابلة للقياس، وعندها فقط يمكن القول إن مياه نبع الفيجة عادت بوصفها خدمة مستقرة لا خبر موسم.

وقد يساعد أيضاً نشر خرائط توضّح تغيرات التزويد ساعة بساعة، مع فتح قنوات شكاوى للتتبع، في ربط التجربة الفردية بصورة عامة، كما أن ضبط سوق الصهاريج وترخيصه ومراقبة مصادره يخفف المخاوف ويمنع الاستغلال، ويجعل أي تحسن في مياه نبع الفيجة واضحاً لدى الشرائح الأضعف.

اقرأ أيضاً: أزمة المياه في سوريا.. الآبار العشوائية مسمار في نعش المياه الجوفية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى