نار الغلاء وكماشة الاستيراد .. هل اقتربت نهاية الصناعة الوطنية؟

بقلم: ديانا الصالح
لا تزال نداءات صناعيي حلب تصدح في وادٍ من السكون الرسمي القاتم، وهذا ما تجلى بوضوح في الاجتماع الأخير لغرفة صناعة حلب، حيث أُعيد فتح ملف المطالب التي قُدِّمت لوزير الاقتصاد قبل عام، دون أي تغيير سوى التاريخ، وسط وعود متكررة وأحاديث عن خطط مستقبلية باتت محفوظة عن ظهر قلب، دون تنفيذ فعلي أو أي إجراء جدي وفقاً لما أعلن عنه الصناعيون.
لكن مشهد اليوم يبدو مختلفاً وأكثر حدة، فالصرخة هذه المرة جاءت مدوية، محذّرة من تصفية ما تبقى من معامل ومصانع البلاد، كما وضعت الإصبع على جرح المنافسة غير العادلة، في ظل اكتساح البضائع المستوردة للأسواق السورية تحت مسمى “تحرير السوق”.
وفي هذا السياق تثور عدة تساؤلات ملحّة: هل يمثل هذا الاجتماع إعلاناً صريحاً لقرب نهاية الصناعة الحلبية؟ وما مصير الإنتاج المحلي الذي يراه الصناعيون ضحيةً لخطة ممنهجة لإغراق الأسواق بالبضائع المستوردة، بينما يراه المواطن المنهك ملاذاً أخيراً أمام غلاء أسعار المنتج الوطني؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
غرفة صناعة حلب تحذر مجدداً
يمثل تحذير رئيس غرفة صناعة حلب عماد طه القاسم، من الخطر المحدق ببقاء الصناعة الوطنية، صرخة متجددة لا تزال تأمل بوجود صدى يلبي مطالبها بإزالة العوائق المهددة لمنشآتها منذ سنوات دون مجيب.
وتتجسد التحديات التي يواجهها صناعيو حلب بتراجع القدرات الإنتاجية والتشغيلية وارتفاع تكاليفهما الخانقة، حيث يشير القاسم إلى الارتفاع غير المسبوق بأسعار الكهرباء وحوامل الطاقة، فضلاً عن فرض المنافسة غير العادلة مع البضائع المستوردة ذات الأسعار المنخفضة.
كما يؤكد القاسم ضرورة النظر في المطالب التي يعاد فتح ملفها منذ أعوام بعدة اجتماعات ودراسات مع وزارتي الصناعة والاقتصاد دون أي استجابة، والتي تتمحور حول تخفيض أسعار خدمات الطاقة، إلى جانب إصدار التشريعات المالية المنصفة، وتعديل الرسوم الجمركية، مع تحسين جودة الخدمات الرئيسية ضمن المناطق الصناعية.
علاوة على ذلك، فإن استمرار الإغلاقات المتواصلة لعدد من المصانع أو تراجع إنتاجيتها، من أبرز نتائج السياسات التطفيشية الممنهجة وفقاً لما يراه مراقبون، مشيرين إلى خطورة تحول البلاد إلى غابة للاستيراد ووسيلة لإنقاذ اقتصاد الدول الأخرى عبر تصريف بضائعها المتكدسة على حساب الاقتصاد الوطني.
وإلى ذلك، يُعتبر فتح الأسواق السورية أمام البضائع الأجنبية، علامة خطر تهدد الإنتاج المحلي وتقوض قدراته، مما ينعكس بشكل سلبي على تعافي الدورة الاقتصادية في سوريا، فمن المعروف أن قوة اقتصاد أي دولة ينبع من قطاعاته الإنتاجية، وهذا ما تغضّ عنه الجهات المسؤولة، وفقاً لناشطين محليين.
في المقابل، يبين وزير الاقتصاد نضال الشعار عبر تصريح سابق، بأن مؤشرات تعافي الاقتصاد السوري بدأت بوادرها بالظهور عبر عودة الورش التي يقدر عددها بالآلاف إلى العمل، مع إعادة تفعيل مئات المعامل، فضلاً عن ارتفاع عدد التراخيص للمنشآت الصناعية الجديدة ليصل إلى 3560 منشأة، مع إدخال خطوط إنتاجية أحدث ضمن المدن الصناعية بكل من حسياء وعدار والشيخ نجار، معتبراً أن الاقتصاد الوطني لا يزال بمرحلته الجنينية.
وتعقيباً على تصريحات عودة منشآت ومعامل إلى العمل، يوضح القاسم، بأنها غير دقيقة بشكل كامل، مشيراً إلى أن 75% من تلك التراخيص الصناعية الصادرة، لم تُستخدم لإنشاء المعامل وتشغيلها، بل كانت غايتها إدخال آلات ومعدات دون دفع رسوم جمركية، ليتم فيما بعد بيعها داخل البلاد، دون إتمام الإجراءات الخاصة بتأسيس المعمل أو إصدار الترخيص النهائي الرسمي.
وإلى ذلك، يتضح أن أرقام التراخيص لا تتعدى كونها مجرد حبر على ورق، مما يعكس الثغرات في نظام منح التراخيص، واستغلاله كذريعة للإعفاء الجمركي، والإيحاء بوجود تعافٍ صناعي ملموس لا يمت للواقع بصلة، الأمر الذي يشير إلى غياب الرقابة والتنفيذ في آن واحد، وفقاً لما يراه مراقبون.
ثقة مهزوزة بالصناعة المحلية
المثير للانتباه هو ضعف ثقة السوريين بالصناعة الوطنية، فمن خلال رصدنا لآراء المستهلكين حول نداءات صناعيي حلب، أعرب عدد منهم عن مخاوفهم من تأثير تلك المطالب على أسعار البضائع المستوردة، التي باتت الوجهة الرئيسية لهم في ظل ارتفاع أسعار المنتجات المحلية بشكل يفوق قدراتهم الشرائية.
في شهادةٍ تعكس عمق الفجوة المعيشية، ينقل المواطن سليمان سلهب لسوريا اليوم 24 واقعاً مريراً يعيشه أغلب السوريين، حيث باتت البضائع الأجنبية الوجهة القسرية لهم في ظل التحليق غير المسبوق لأسعار المنتج الوطني، ولم يتوقف سلهب عند نقد الثمن، بل انتقد أيضاً رداءة جودة الصناعة المحلية، مؤكداً أنه وجد في سوق البالة الملاذ الوحيد لكسوة أطفاله أمام الغلاء المعيشي الفاحش، قائلاً “سعر المستورد أرخص وبضائعه تحافظ على جودتها لوقت أطول، فراتبي لا يحتمل التبديل كل شهر”.
ويضيف سلهب أن حتى تلك السلع المستوردة والبديلة أصبحت عبئاً ينهش ما تبقى من قدرته الشرائية، فدخله الشهري الذي لا يتخطى عتبة المليون ليرة يعجز عن الصمود أمام أبسط مقومات الحياة الأساسية، وهذا ما يرهق كاهله ويجعله في صراع دائم مع تأمين متطلبات أسرته الشهرية وفقاً لقوله.
وفي ضوء ذلك، تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة إلى الارتفاع الصارخ لمعدل الفقر في سوريا من 33% قبل الحرب إلى 90% في الوقت الحاضر، كما تؤكد تقديرات البنك الدولي لعام 2024 وقوع ما يقارب 27% من السوريين في الفقر المدقع.
ارتفاع قسري بأسعار المنتجات الوطنية
يرجع رئيس غرفة صناعة حلب ارتفاع تكلفة المنتج الوطني، إلى مجموعة من العوامل الخارجة عن سيطرة الصناعيين، والتي تتمثل بغلاء الكهرباء الذي يفوق الدول المصنّعة، إلى جانب ارتفاع التكاليف الإنتاجية من حوامل الطاقة والمحروقات والفيول، فضلاً عن الآلات القديمة ومعامل الظل التي تقلد العلامات التجارية المحلية دون رقابة أو حسيب، وغيرها من المعوقات أثرت بشكل مباشر على المنتجات المحلية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن القطاعات الإنتاجية هي أساس قوة اقتصاد أي بلد، والمحرك الرئيسي لعجلة تعافيه، بالتالي تهميشها بالصورة التي ينقلها الصناعيون، ينتج عنه أبعاد سلبية تجعل من الاقتصاد الوطني رهينة بيد الاستيراد والتغييرات العالمية، فبدلاً من تكوين قوة إنتاجية ذاتية ورفع الأعمدة الإنتاجية، يتم استنزاف ما تبقى من النسيج الصناعي وحتى الزراعي لصالح الاستيراد والدول المصدرة.
وما بين حق المواطن بسترة كرامته ومعيشته، وإنقاذ أعمدة الإنتاج السوري، يُثار تساؤل هام: أين هي الحلقة المفقودة التي تسدّ الفجوة العميقة بين ثقة المواطن بالصناعة المحلية ومطالب الصناعيين المشروعة للتخطيط نحو اقتصاد تنموي بقواعد ثابتة غير متذبذبة؟
وفي سياق متصل، يرى اقتصاديون محليون أن المشكلة الجوهرية تكمن في ضعف حوكمة المنظومة الاقتصادية، التي تعمق الفجوة بين مصلحة المستهلك ودعم الإنتاج، وهذا ما يتمثل بعدم استقرار السياسات واتباعها لحلول إسعافية مؤقتة، لإدارة الأزمات بعيداً عن تبنّي خطط إنتاجية وتنموية بعيدة المدى، ما يُبقي الاقتصاد الوطني ضمن نفس دائرة التهميش والهشاشة، وفقاً لرأيهم.
استقالة جماعية ورفض حكومي
الجدير بالذكر أن ردود فعل صناعيي حلب ليست وليدة اللحظة، فقد سبق وأن أعلن مجلس إدارة غرفة صناعة حلب الاستقالة الجماعية، احتجاجاً على ما وصفوه بالتهميش وعدم الرد على مطالبهم، إلا أن وزير الاقتصاد رفض تلك الاستقالة مؤكداً أنه لا مسوّغ لها، داعياً إلى عقد حوار ومناقشة.
يبدو أن تلك المناقشة باءت بالإخفاق، فالمطالب المتكررة تعكس وعوداً دون تنفيذ، مما يعمق الفجوة بين الصوت الصناعي المدوي والقرارات السياسية، حسبما يؤكد ناشطون محليون.
فيما تشكل هجرة آلاف الصناعيين والحرفيين للبلاد نحو الدول الأوروبية والمجاورة، صفعة مؤلمة للإنتاج المحلي، حيث تؤكد تقديرات أممية نزوح حوالي 900 ألف صناعي وعامل طلباً للأمان ولقمة العيش والفرص خلال سنوات الحرب.
معاناة قديمة متجددة، هذا ما يُوصف به حال الصناعة السورية التي تترنّح تحت ضربات قاسية أبقتها في حالة ركود دون أي تقدم يُذكر منذ سنوات، أمام سيادة نشاط الريع التجاري والحلول السريعة وسهلة الوصول على حساب دعم الإنتاج المحلي، الذي يحتاج إلى خطط بعيدة المدى واستثمارات من شأنها النهوض بالواقع الصناعي والزراعي اللذين يشكلان العمود الفقري لأي تعافٍ حقيقي للاقتصاد السوري، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل هناك وقت للصحوة المؤسساتية في سوريا قبل فوات الأوان؟
اقرأ أيضاً: منطقة الليرمون الصناعية في حلب.. ضحية الاشتباكات دائماً بين التوقف والعودة









