سياسة

مَن يخيف مَن! أسئلة مفتوحة حول إشاعات الساحل

بقلم: ريم ريّا

بين فترةٍ وأخرى يتم استهداف الساحل السوري بموجةٍ من الشائعات دوناً عن أي منطقة سورية أخرى. في كل مرة يذكر فيها اسم الساحل تعود إلى الواجهة دفقٌ من التحذيرات والتخويف والوعيد المتبادل. غالباً دون معلومات واضحة أو مصادر موثوقة. تحركات عسكرية أو أمنية، بمجملها، بعد ما جرى في آذار من العام الفائت 2025، اعتيادية وأقرب للروتينية وتجري على كافة أراضي الجمهورية.. لكن في الساحل السوري سرعان ما تتحول إلى “أرتال قادمة”، ويتحول معها القلق إلى مادةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي.

بعد مرور عام على تغيير الحكم في البلاد، يبرز سؤالٌ مشروع: لماذا ما زالت الشائعة أقوى من المعلومة؟ ولمصلحة من يستمر هذا المناخ من التهويل وارباك الشارع الساحلي؟

الساحل لسوري كمساحة حساسة للشائعات

يُنظر للساحل السوري، تبعاً لتاريخه ودوره المُروج له خلال سنوات الصراع، بوصفه منطقةً حساسةً سياسياً وأمنياً. هذه الحساسية جعلته أرضاً خصبة لتداول الأخبار غير المؤكدة وغير المنفية بذات الوقت. إذ يكفي تحرك أمني محدود أو تبديل دوريات روتيني، ليبدأ سيلٌ من التحليلات والتحذيرات. حيث يُرصد جمهورٌ يحذر ويتوعد، وجمهورٌ آخر يهلل ويتوعد أيضاً، بينما الحقيقة غالباً غائبة وربما مؤجلة.

هذه الحال لا يمكن أن نفصلها عن إرث طويل من انعدام الشفافية في سوريا، إذ اعتاد الناس على قراءة ما بين السطور، وملء الفراغ بالتكهنات الشخصية والمخاوف وربما الرغبات، بدلاً من انتظار تفسير رسمي وواضح.

اقرأ أيضاً: من يحمي المدنيين في لحظة الفوضى؟ قراءة في أداء الأجهزة بعد اضطرابات الساحل

من المستفيد من تضخيم الشائعة في الساحل السوري؟

السؤال الأهم هنا، ليس ما إذا كانت التحركات العسكرية حقيقية أو اعتيادية أم لا، بل من له المصلحة في تقديمها بهذا الشكل، والسؤال الأبرز: لماذا الساحل السوري دوناً عن غيره من المناطق!

الجواب وفقاً للواقع وارتدادات الشائعات التي جرى رصدها، تضخيم الإشاعات في الساحل السوي يخدم أطرافاً متعددة، قوى تبحث عن شدّ العصب الطائفي لغايات بعيدة عن مصالح الشعب، ومجموعات تعيش على خطاب التهديد والوعيد متنوعة الدوافع للسعي وراء هكذا خطاب، وصفحات تبحث عن التفاعل السريع على حساب دقة المعلومة ومشاعر الناس وهواجسهم وأمن منطقة بأكملها.

النتيجة، لا أحد سوى المواطن السوري العادي يدفع الثمن، فهو يعيش حالة قلق دائم دون إجابة واحدة واضحة، ويجد نفسه جزءاً من معركة نفسية لا يملك أدواتها ولا يعرف أطرافها، ولا يعرف كيف يتصدى لها.

مثل هذه الشائعات سواء في الساحل السوري أو غيره، هدفها تعكير الأجواء وإبقاء الشارع السوري منقسم في حالة توتر وخوف، غليان وتأهب. إن لم يتم احتواء هذه الأفعال ومنعها ومحاسبة متناقليها، سيأتي وقت لن يستطيع أحد احتواء ارتداداتها ولا استيعاب نتائجها. فالشارع السوري اليوم كله بحاجة لجانبين فقط من مسار العمل والخطاب: الشفافية والحزم.

الدولة الغائبة عن المشهد الإعلامي.. لمن تفسح المجال!

بعد عام على تغيير الحكم، يفترض أن تكون الدولة قد راكمت خبرة في إدارة التواصل مع الناس، تحديداً في القضايا الأمنية الحساسة والتي يمكن لها أن تخلق توتراً كبيراً في الأوساط السورية. لكن استمرار الشائعات بهذا الزخم يُحتم طرح سؤال مباشر ومشروع: لماذا لا يتم قطع الطريق عليها من البداية؟

الأمر لا يحتاج سوى بيان واضح، معلومة دقيقة، وتفسير مسبق للتحركات العسكرية. أيّ من هذه الخطوات عند اتخاذه يترك وقعاً في تخفيف الكثير من التوتر واحتقان الشارع. غياب هذا الدور يترك المجال مفتوحاً للتأويل، ويعزز شعوراً عاماً بأن الحقيقة دائماً مؤجلة أو محجوبة كما كانت دائماً.

بالرغم من إعلان وزارة الإعلام عن وجود حسابات وهمية تَعمد إلى بث الشائعات والتشويش على الشعب السوري، وإحصائها في بعض الأحيان، لكن لا يوجد أي تحرك فعال لردعها أو لتعرية تلك الحسابات وكشف زيفها أمام الشعب.

لماذا الشائعة أقوى من الحقيقة دائماً في سوريا؟

قد يبدو غريباً حتى اليوم أن تبقى الشائعة مؤثرة بعد عامٍ كاملٍ من التغيير، لكن السبب لا يتعلق بفهم الناس وإدراكهم أو وعيهم فقط. المسألة أعمق من ذلك، وترتبط بثقافة سياسية تشكلت عبر عقود، حيث لم تكن المعلومة حقاً عاماً، بقدر ما كانت امتيازاً ممنوحاً. فحين لا تتشكل علاقة ثقة بين الدولة والمجتمع، يصبح من الطبيعي أن تنتشر الإشاعة، وأن يُصدقها البعض حتى لو بدت غير منطقية، لأن البديل هو الصمت الرسمي أو الغموض.

بالمحصلة، الخروج من دوامة الإشاعات لا يحتاج إلى إجراءات معقدة أو تدابير أمنية إضافية، بقدر ما يحتاج إلى سياسة تواصل واضحة وشفافة ولو بالحدود الدنيا لها. كل ذلك أقل كلفة من ترك المجتمع السوري رهينةً للتكهن والخوف وساحةً مفتوحةً لبث السموم والاستغلال.

فالمطلوب، ليس تبرير كل تحرك، بل الاعتراف بأن الناس من حقها أن تفهم وتدرك ما يجري حولها بوضوح، تحديداً عندما يتعلق الأمر بالاستقرار والأمن. بغير ذلك، ستبقى الشائعة أداة ضغط، وسيبقى الساحل وغيره من المناطق مادة جاهزة للقلق والاستغلال السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى