ما الذي تحتاجه المواهب السورية كي لا تهاجر؟

الكاتب: أحمد علي
حصل محمد مزاحم من دمشق على 16 نقطة في الدورة السابعة والستين من أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي الدرجة التي بدأ عندها منح الميدالية البرونزية هذا العام. أقيمت المسابقة في الصين بين 10 و20 تموز 2026، وشارك فيها 666 طالباً وطالبة يمثلون 117 دولة، وتوزعت جوائزها على 55 ميدالية ذهبية و105 فضيات و189 برونزية، إضافة إلى 141 إشادة شرفية.
جمع الفريق السوري المؤلف من ستة طلاب 73 نقطة، وحل في المرتبة 76 ضمن ترتيب الفرق، بينما قالت هيئة التميز والإبداع إنه جاء ثانياً بين الدول العربية. حصل ميلاد فادي عباس من اللاذقية على 15 نقطة، وعبدالله أسامة أبو صافي من درعا على 12، وتيم مجد خياط من حلب على 9 نقاط، ونال الثلاثة إشادات شرفية. وتظهر ورقة النتائج أن كل واحد منهم حصد العلامة الكاملة في مسألة واحدة على الأقل، ما يفسر حصوله على الإشادة رغم بقائه دون عتبة البرونزية.
تصف هذه الأرقام أداء الفريق بدقة، لكنها لا تجيب عن مصير أعضائه بعد العودة. لا توجد بيانات منشورة تشير إلى أن أياً من الطلاب الأربعة يعتزم الهجرة، ولذلك لا يجوز تقديم الاحتمال على أنه قرار اتخذوه. السؤال تطرحه المرحلة التالية من حياتهم، إذ ينتهي المسار المعلن عند الميدالية، وتبقى المعلومات العامة قليلة عما توفره المؤسسات السورية للفائز خلال الجامعة، ثم عند دخوله البحث العلمي أو سوق العمل.
المواهب السورية من الاختيار إلى الميدالية
بدأ موسم الأولمبياد العلمي السوري في 15 تشرين الثاني 2025 بمشاركة نحو ثلاثة آلاف طالب في الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء والمعلوماتية. انخفض العدد إلى 759 طالباً في المرحلة الثانية يوم 13 كانون الأول، وكان مقرراً أن يتأهل أفضل 50 طالباً في كل اختصاص إلى الاختبارات النهائية. وفي 17 و18 كانون الثاني 2026 خاض 261 طالباً المرحلة الختامية التي اختير منها أعضاء الفرق الوطنية.
يعني ذلك أن الوصول إلى شنغهاي جاء بعد تصفية واسعة بدأت في مراكز جامعية موزعة على المحافظات وانتهت بستة مقاعد في فريق الرياضيات. أسماء الحاصلين على الجوائز هذا العام تمتد من دمشق إلى حلب ودرعا واللاذقية، وهو انتشار يمنح كلام الهيئة عن مشاركة المحافظات على قدم المساواة مؤشراً أولياً. لا تكشف البيانات المنشورة، مع ذلك، أعداد المتقدمين والمتأهلين من كل محافظة، ولا أثر كلفة السفر والإقامة والدروس الإضافية في فرص الوصول إلى المراحل الأخيرة.
المنظومة قادرة على متابعة الموهبة لعدة أعوام عندما يستمر الطالب داخلها. يسجل الموقع الرسمي للأولمبياد لمحمد مزاحم إشادة شرفية في 2024، ثم برونزية في 2025، قبل أن يحافظ على البرونزية في 2026. اختلاف المسائل وحدود الجوائز من سنة إلى أخرى يمنع مقارنة الدرجات الخام، لكن تتابع المشاركات يوضح فائدة التدريب الطويل والخبرة التراكمية، ويضع مسؤولية أكبر على المؤسسة التي استثمرت في هذا المسار.
اتخذت الدولة هذا العام خطوة لتخفيف التعارض بين المنافسات الدولية وامتحان الثانوية العامة. منح المرسوم رقم 87 الصادر في 9 حزيران 2026 دورة تعويضية استثنائية للطلاب المشاركين في عدد من الفرق الوطنية، ومنها فريق الرياضيات. يعالج المرسوم عقبة محددة تواجه الطالب في نهاية المدرسة، ويؤكد أن المشاركة الدولية تحتاج إلى ترتيبات مختلفة عن الجدول الدراسي المعتاد. أما ما يأتي بعد الشهادة الثانوية فلا يظهر في إعلان النتيجة أو في القرارات المنشورة المرتبطة بالمشاركة.
غياب هذه المعلومات يجعل تقييم منظومة الرعاية ناقصاً. الأرقام المتاحة تتبع الطالب من اختبار إلى آخر، ثم تتوقف عند اختيار الفريق وتسجيل الجائزة. لا يظهر سجل سنوي يبين أين درس أعضاء الفرق السابقة، وكم واحداً منهم دخل تخصصاً علمياً، ومن عاد بعد منحة خارجية، ومن حصل على وظيفة بحثية داخل سوريا. من دون هذا التتبع تستطيع المؤسسة قياس الميداليات، لكنها لا تستطيع قياس ما إذا كان استثمارها قد تحول إلى باحثين ومدرسين ومهندسين يعملون في البلد.
الفجوة بعد المدرسة
تختبر مسائل الأولمبياد قدرة الطالب على البرهان وحل مشكلات غير مألوفة تحت ضغط زمني. الجامعة تحتاج إلى بيئة مختلفة تحافظ على هذه القدرة وتوسعها، بدءاً من أستاذ يستطيع الإشراف، ووصولاً إلى مختبر أو قدرة حاسوبية ووقت مخصص للبحث. حين لا يجد الطالب هذه الحلقة، تصبح الجائزة مدخلاً قوياً إلى جامعة خارجية أكثر مما تصبح بداية لمسار علمي داخل بلده.
تعمل المؤسسات التعليمية ضمن اقتصاد أنهكته سنوات الحرب. قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في شباط 2025 أن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في الفقر وأن شخصاً من كل أربعة بلا عمل، كما حذر من أن استمرار النمو بالمعدل المسجل بين 2018 و2024 سيؤخر استعادة مستوى الناتج السابق للحرب حتى عام 2080. لا تحدد هذه المؤشرات خيار طالب بعينه، لكنها تشرح لماذا تدخل معيشة الأسرة، واستقرار الدخل، ونوعية الجامعة في قرار يفترض أنه علمي في ظاهره.
تظهر المشكلة أيضاً في قدرة الجامعات على الاحتفاظ بمن يشرف على الجيل الجديد. دراسة أكاديمية منشورة في أيلول 2025، اعتمدت مقابلات متتابعة مع 20 أكاديمياً سورياً نازحاً، وجدت أن مساهماتهم في التعليم العالي السوري تجري غالباً بصورة غير رسمية، وأن إمكاناتهم لا تزال ضعيفة الحضور في تصورات إعادة بناء القطاع. لا تمثل العينة جميع الأكاديميين، لكنها تلفت إلى مورد متاح خارج البلاد يمكن أن يوفر الإشراف والشبكات العلمية إذا وُجدت له قناة مؤسسية واضحة.
المنافسة الدولية تمنح الفائز اعترافاً يسهل انتقاله، بينما يحتاج البقاء إلى عرض مقنع داخل سوريا. يتضمن ذلك منحة جامعية مستقرة، وإشرافاً علمياً ذا جودة، وإمكان المشاركة في أبحاث فعلية، ثم دخلاً يسمح ببناء حياة بعد التخرج. الاحتفاء الإعلامي قد يعرّف الجمهور بالطالب ويمنحه تقديراً مستحقاً، لكنه لا يؤدي وظائف الجامعة أو مركز الأبحاث أو جهة العمل.
يتضرر من هذه الفجوة الطلاب الذين لا تملك أسرهم تمويل دراسة طويلة أو انتقالاً بين المحافظات، كما تتضرر الجامعات التي تفقد مرشحين محتملين للتدريس والبحث. وتستفيد المؤسسات الخارجية بصورة طبيعية عندما تقدم للطالب مختبراً ومنحة ومساراً مهنياً أوضح. المسألة هنا نتيجة لاختلاف الفرص المتاحة، ولا تحتاج إلى افتراض موقف مسبق لدى الطالب تجاه بلده.
الدراسة في الخارج والعودة
وقعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في 26 شباط 2026 اتفاقاً مع المجر لتقديم 250 منحة للسوريين في مراحل الإجازة الجامعية والماجستير والدكتوراه، بعدما تقدم أكثر من 800 طالب. تشمل المنح الإعفاء من الرسوم ودعم السكن ومخصصاً شهرياً، وأشار الإعلان إلى إمكان توسيع التعاون عبر أبحاث مشتركة وتبادل الخبرات وزيارات الأساتذة. هذه فرصة مهمة في بلد لا يستطيع تعويض احتياجات جامعاته ومختبراته بسرعة من موارده وحدها.
يمكن للدراسة الخارجية أن تبني صلة علمية جديدة مع سوريا إذا استمرت العلاقة مع الطالب أثناء المنحة وبعدها. الإعلان المتاح عن الاتفاق المجري لا يوضح وجود برنامج خاص لربط الخريجين بمختبرات سورية أو بمشروعات بحثية مشتركة، ولا يبين إن كانت هناك متابعة مهنية بعد التخرج. لا يثبت هذا غياب ترتيبات أخرى غير معلنة، لكنه يحدد ما يحتاج الجمهور إلى معرفته كي يقيّم أثر المنح على المدى الطويل.
يبدأ المسار العملي قبل اختيار الجامعة. يستطيع كل طالب في الفريق الوطني أن يعمل مع مشرف أكاديمي يضع معه خطة تمتد عدة سنوات، وتستطيع الجامعات تخصيص منح ومقاعد بحثية معلنة للفائزين وفق قواعد شفافة. وعندما تكون الدراسة خارج البلد، يمكن إبقاء الصلة عبر إشراف مشترك ومشروعات صيفية وفرص عودة محددة، مع فتح بعض هذه البرامج لبقية المتفوقين حتى لا تتحول الميدالية وحدها إلى باب الامتياز.
تحتاج الجامعات في المقابل إلى تمويل يسمح للأستاذ بالإشراف وإلى تجهيزات يمكن للطالب استخدامها فعلاً. الاستفادة من الأكاديميين السوريين في الخارج قد تسد جزءاً من فجوة الإشراف عبر برامج منتظمة، ثم تنتقل إلى زيارات ومختبرات مشتركة حين تسمح الظروف. هذا النوع من التعاون يحول شبكة الهجرة القائمة إلى مورد للجامعات، من دون تعليق السياسة كلها على عودة دائمة وفورية قد لا تكون ممكنة لكل شخص.
يبقى القياس ضرورياً. نشر بيانات سنوية تحمي خصوصية الطلاب وتتابع تخصصاتهم ومواقع دراستهم وعملهم سيكشف أين ينقطع المسار، كما سيبين أثر المنح والتدريب بعد سنوات بدلاً من الاكتفاء بعدد الجوائز. عندها يمكن تعديل الإنفاق على أساس نتيجة معروفة، ويمكن للأسر والطلاب رؤية طريق واضح يتجاوز موسم المسابقة.
قرار الدراسة أو العمل في الخارج شخصي، ولن تحسمه الميدالية أو الدعوة إلى البقاء. تستطيع السياسة العامة أن تجعل العمل العلمي داخل سوريا خياراً قابلاً للحياة، وأن تحافظ على صلة منتجة بمن يغادر للتعلم. أنجز الفريق السوري مرحلة الاكتشاف والتدريب والمنافسة، بينما تبدأ الحلقة الناقصة بعد عودته من الصين. تحتاج المواهب السورية إلى مسار جامعي وبحثي ممول يمتد حتى أول وظيفة علمية. الميدالية أثبتت القدرة، وما ينقص هو النظام الذي يحولها إلى عمل وبحث داخل سوريا.
اقرأ أيضاً: بطولة الجمهورية الصيفية لألعاب القوى: فرصة لاكتشاف المواهب









