سياسة

مياه بالطاقة الشمسية في الحجر الأسود: نموذج قابل للتكرار في أحياء العودة؟

الكاتب: أحمد علي

لا تكتفي شمس دمشق بإضاءة الأزقة، بل تكشف أيضاً مقدار ما تتركه الأزمات على التفاصيل اليومية التي لا تُرى عادة، وأقرب تلك التفاصيل إلى الناس لحظة فتح الصنبور وانتظار قطرة ماء تأتي أو تتأخر. في الحجر الأسود، حيث تداخلت سنوات الضرر مع بطء ترميم الخدمات، عاد سؤال المياه ليصبح بوابة الحديث عن معنى العودة، وعن الفرق بين بيت قائم وبيت صالح للعيش.

يحمل عام 2026 إشارات متباينة، إذ تتقدم مشاريع التعافي المبكر في بعض المناطق بخطوات محسوبة، بينما تستمر هشاشة البنية التحتية وضغوط الطاقة والمناخ في فرض حدود واضحة على سرعة التحسن. ضمن هذا السياق، برز مشروع مائي في الحجر الأسود يعتمد على الطاقة المتجددة لتأمين تشغيل أكثر استقراراً، ما يفتح نقاشاً حول قابلية تكراره في أحياء العودة داخل دمشق ومحيطها.

مياه بالطاقة الشمسية واقعاً

في أواخر شباط 2026، أعلنت جهات خدمية تشغيل مشروع آبار رقم 1 في الحجر الأسود بالتعاون مع منظمة أطباء بلا حدود، بوصفه أول مشروع مائي يُعاد تشغيله في المنطقة منذ سنوات. ووفق ما نُشر، جرى تأهيل بئرين لمياه الشرب بطاقة إنتاجية تبلغ خمسين متراً مكعباً في الساعة لكل بئر، مع إعادة تأهيل خزان بسعة خمسمئة متر مكعب وربط الآبار بالخزان الرئيسي.

اعتمد المشروع على مياه بالطاقة الشمسية لتجاوز انقطاعات التغذية، إذ تضمن منظومة استطاعة تقارب خمسة وسبعين كيلوواط، وتركيب نحو مئة وعشرين لوحاً شمسياً وملحقاتها، بما يضمن استدامة التغذية الكهربائية واستمرارية الضخ. كما ذُكر أن القدرة الإجمالية تصل إلى نحو مئة متر مكعب في الساعة، وأن الخدمة تستهدف قرابة ثلاثين ألف مقيم وفق تقديرات رسمية.

الحجر الأسود بين الدمار والعودة

تجربة الحجر الأسود تعكس تعقيدات عودة السكان إلى مناطق تضررت بشدة، فعودة الناس كثيراً ما تسبق عودة الخدمات، ثم تبدأ عملية موازنة بين كلفة الترميم الفردي وكلفة العيش في حي لا تزال شبكاته العامة بحاجة إلى إصلاح.

وأشارت تقارير بحثية عن مشاريع التعافي في المدينة إلى اعتماد السكان على حلول مؤقتة للكهرباء مثل الألواح الشمسية والمولدات والبطاريات، وهو ما يفسر لماذا يصبح ربط المياه بالطاقة المتجددة خياراً عملياً.

لهذا تُقرأ مياه بالطاقة الشمسية بوصفها جزءاً من حزمة أوسع تشمل إصلاح الشبكات الداخلية، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية، وصيانة خطوط الصرف الصحي التي ترتبط بمناطق مجاورة. بعض المبادرات المنسوبة إلى منظمات إنسانية تحدثت عن دعم خطوط صرف أو التخطيط لتشغيل آبار عبر الطاقة الشمسية، ما يوضح أن الماء في أحياء العودة يرتبط بالصحة العامة والبيئة بقدر ارتباطه بالخدمة اليومية.

كيف صُمم مشروع الآبار

ركزت تفاصيل التنفيذ على خطوات تتجاوز تركيب الألواح، إذ شملت قياس غزارة الآبار وربطها بالخزان، وتأهيل غرفة التحكم والإدارة، وإنشاء غرفة للحراسة وبناء سور لحماية التجهيزات. هذه العناصر تذكّر بأن أنظمة مياه بالطاقة الشمسية تحتاج إلى حماية وصيانة، لأن الألواح والمتحكمات والكابلات قد تتحول إلى نقاط ضعف إذا تُركت دون متابعة.

وتقدم تجارب منظمات دولية في سوريا مؤشرات على شروط الاستمرار، فوثيقة لمنظمة Concern Worldwide حول مضخات شمسية في مخيم شمالي سوريا ربطت النجاح بالانتقال من النقل بالصهاريج إلى شبكة أنابيب، وبوجود مصدر احتياطي في أيام الغيوم، وبالتدريب على التشغيل والكلورة والمتابعة.

كما تشير أدلة تقنية منشورة في قطاع الإصحاح إلى أن جودة التصميم والحماية من الصواعق وقياس الأداء عوامل تقلل الأعطال وتطيل عمر النظام.

فوائد اقتصادية وبيئية ملموسة

الجدوى التي تُنسب عادة إلى توفير المياه بالطاقة الشمسية ترتبط بتقليل كلفة التشغيل في بيئات تتقلب فيها أسعار الوقود وتتكرر فيها انقطاعات الكهرباء، فتنخفض الحاجة إلى الصهاريج أو المولدات، وتصبح الخدمة أكثر قابلية للتنبؤ. انتظام المياه ينعكس أيضاً على الوقت والجهد داخل الأسر، وعلى النظافة الشخصية والمنزلية، وهي عوامل ترتبط بالحد من الأمراض المرتبطة بالمياه.

نماذج من مناطق أخرى تعزز الفكرة مع اختلاف السياقات، فاليونيسف تحدثت عن إعادة تأهيل بئر وتركيب نظام طاقة شمسية على سطح مدرسة في الكسوة بريف دمشق، وقالت إن الضخ وصل إلى نحو ثمانمئة وخمسين متراً مكعباً يومياً لخمسين ألف شخص.

وفي شرق دير الزور، أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى محطة ضخ تعمل بالطاقة الشمسية توفر وصولاً أكثر انتظاماً لمياه الشرب لأكثر من اثنين وخمسين ألف شخص. هذه الأمثلة تضع الحجر الأسود ضمن مسار أوسع في سوريا يربط المياه بالطاقة المتجددة بوصفها استجابة لأزمة الطاقة وتخفيفاً للانبعاثات مقارنة بالوقود.

التحديات وشروط قابلية التكرار

رغم ذلك، لا تقدم مياه بالطاقة الشمسية حلاً بلا أثمان، فالتجارب تشير إلى كلفة استثمار أولية مرتفعة، وصعوبات توريد وتفاوتاً في جودة المعدات، ثم حاجة إلى مهارات تشغيل وصيانة أعلى مما يتطلب تدريباً ومتابعة. كما أن التخريب أو السرقة أو الوصلات غير النظامية قد تستهلك جزءاً من العائد إذا لم تُبنَ علاقة واضحة مع المجتمع المحلي تعزز الشعور بالملكية.

تضاف اعتبارات موسمية، فغيوم الشتاء تقلل الإنتاج وتفرض التفكير في مصادر احتياطية أو في إدارة الطلب عبر خزانات مناسبة، إلى جانب أسئلة استدامة المورد المائي إذا لم تُدار الآبار وفق توازن بين السحب وإعادة التغذية.

وتجربة صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا في ريف شمال حلب عرضت مشروعاً لتزويد سبع محطات ضخ بالكهرباء من الطاقة الشمسية مع تدريب ورصد، وتحدثت عن كلفة تُقدّر بمليون وثمانمئة ألف يورو وفائدة مباشرة لما يقارب مئة وخمسة وستين ألف شخص، وهو ما يوضح أن التوسع يحتاج تمويلاً وخططاً تشغيلية.

إذا كان المشروع في الحجر الأسود قدّم حطوة ملموسة، فإن تحويله إلى نموذج لأحياء العودة يتطلب جاهزية الشبكات الداخلية وتكاملاً مع الصرف الصحي، وقدرة على إدارة التوزيع بعدالة وشفافية في شرح حدود الخدمة. وعند تحقق هذه الشروط، يمكن لمقاربة المياه بالطاقة الشمسية أن تتحول من مشروع منفرد إلى خيار عملي يدعم العودة ويخفف الضغط عن الأسر.

وفي الختام، يبقى الدرس الأبرز أن العودة لا تُقاس بعدد البيوت المفتوحة وحده، بل بقدرة الحي على توفير الخدمات بشكل منتظم. مشروع الحجر الأسود يوضح أن مياه بالطاقة الشمسية قد تخفف أثر أزمة الطاقة على خدمة الماء، لكن الاستدامة مرهونة بمتابعة جودة المياه وبخطة صيانة وتمويل واضحة، وبشراكة تعترف بتوقعات السكان. عندها يمكن أن تتحول التجربة إلى نموذج متكرر.

اقرأ أيضاً: بين التقنين والدَّين.. جدوى قروض الطاقة الشمسية في سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى