المجتمع السوري

مياه الصهاريج في دمشق: من أين تأتي؟ وهل هي آمنة للشرب؟

بقلم هلا يوسف

تشكل أزمة المياه في سوريا مشكلة كبيرة، ليس لأنها تقطع عن الناس المورد الأهم لحياتهم فقط، بل لأن البدائل غالباً ما تكون غير موثوقة، فعكارة المياه التي تضخها المؤسسات الحكومية كفيلة بأن تجعل أي شخص يقلق على صحته، لكنها على الأقل يضاف لها الكلور والفلترة، فماذا لو كانت هذه المياه مجهولة المصدر من آبار لا نعرف عنها شيئاً، ومن صهاريج لا نعرف مصدر مائها! هذا الموضوع لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة إصابات بالتهاب الكبد تم تسجيلها خلال الفترة الماضية، وشائعات تدور حول استخدام مياه المسابح لتزويدها للناس، وشهادات بعض الأشخاص الذين عبروا عن قلقهم من مياه الصهاريج.

ونحن هنا لا نعمم أن كل المياه التي تحملها هذه الصهاريج ملوثة، لكن نطرح تساؤلات حول مصدرها، وكيفية معرفة مدى نقائها، وما هي الإجراءات الحكومية لمكافحة الأشخاص المروجين للمياه الملوثة.

عندما نتناول مشكلة المياه لا يمكننا أن نقول إنها مشكلة جديدة، بل قديمة بقدم هذا القرن وما تلاه من أزمات في كافة القطاعات. فمنذ سنوات كان سكان مناطق في ريف دمشق يعتمدون على شراء مياه الشرب من الباعة الجوالين، بينما يستخدمون المياه التي تصلهم عبر مؤسسة المياه للتنظيف والغسيل وغيرها، بعدما اعتبر كثير منهم أن مياه الآبار التي تصل عبر الشبكة غير مناسبة للشرب.

ومع مرور السنوات، اتسعت الحاجة إلى الصهاريج، خصوصاً مع انخفاض منسوب الينابيع وجفاف بعض الآبار، ليتمحور السؤال اليوم حول كيف نضمن أن المياه القادمة إلى خزان المنزل آمنة؟

صهريج المياه.. ما قصة المصدر؟

في السنوات السابقة كان بيع المياه عبر الصهاريج في بعض المناطق يتم بصورة مخالفة وغير مرخصة، لكن ظروف نقص المياه دفعت الجهات المعنية إلى التغاضي عن جزء من هذا النشاط لتأمين حاجة السكان.

ويؤكد بعض أصحاب الصهاريج أنهم يشترون المياه من الآبار ويبيعونها على أنها مياه نظيفة، لكن المشكلة هنا أن قول البائع إن المياه “من بئر” لا يكفي وحده لإثبات أنها صالحة للشرب. فالبئر نفسه يحتاج إلى فحص، والصهريج يحتاج إلى التأكد من نظافته، والمياه تحتاج إلى تحليل مخبري يثبت سلامتها.

كما تختلف أسعار المياه بحسب استخدامها ومصدرها والمنطقة التي تباع فيها. وقد تحدث أحد أصحاب الصهاريج عن صعوبة تأمين المياه في ظل انخفاض منسوب بعض المصادر، وأوضح أن السعر الذي يتقاضاه مقابل كمية محددة من المياه يحاول أن يراعي دخل السكان في المناطق غير القادرة على دفع مبالغ أكبر.

لكن بالنسبة إليك كمستهلك، لا ينبغي أن يكون السعر هو المعيار الوحيد. فالمياه الأرخص ليست بالضرورة آمنة، والمياه الأغلى ليست بالضرورة صالحة للشرب. لذلك فالمعيار الحقيقي هو المصدر والفحص والرقابة.

وتزداد المشكلة خطورة عندما تكون المياه مجهولة المصدر. فقد أعلنت الجهات المختصة ضبط صهاريج مخالفة، من بينها صهاريج تبيع “مياه مسابح”، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أصحابها.

ولهذا أطلقت وزارة الإدارة المحلية والبيئة خلال 2026 برنامجاً وطنياً لرصد ملوثات المياه من المصادر غير المضبوطة، ويشمل الآبار والمناهل والصهاريج الخاصة، وذلك لمعرفة مصادر التلوث والكشف عنها بشكل مبكر وإجراء فحوص تساعد على حماية الصحة العامة.

الماء الشفاف لا يعني أنه آمن

قد تقول لنفسك إن المياه التي أمامك صافية، وليس لها رائحة، لكن السؤال هنا: هل هذا يكفي لتأكيد أنها آمنة؟ المشكلة أن من أخطر الملوثات للمياه لا يمكن رؤيتها بالعين. فقد تبدو المياه طبيعية تماماً، بينما تحتوي على جراثيم أو بكتيريا أو فيروسات يمكن أن تسبب أمراضاً مختلفة.

وقد يؤدي استخدام المياه الملوثة إلى الإسهال والإقياء وآلام البطن وارتفاع الحرارة والالتهابات المعوية، بينما تكون المخاطر أكبر عند الأطفال بسبب سرعة تعرضهم للجفاف.

ومن الأمراض التي ترتبط بالمياه غير الآمنة التهاب الكبد، وهو مرض فيروسي يمكن أن تتراوح شدته بين الخفيفة والشديدة، وغالباً ما يشفى المصاب منه بشكل كامل إذا كان من الخفيف، ولا شفاء منه إن كان من العيار C.

وإذا عدنا للفترة السابقة سنجد أن الكثير من الحالات تم توثيق إصابتها بالتهاب الكبد ويتوقع أن تكون بسبب المياه الملوثة، ومنها ما حدث في منطقة تلكلخ في حمص بعدما تم تسجيل عشرات الحالات المرتبطة بالتهاب الكبد A؛ إذ سجلت 40 حالة في نيسان، ثم 35 حالة في أيار، بالإضافة إلى خمس حالات جديدة حتى منتصف حزيران. بينما تراجعت الأعداد فيما بعد، لكن تراجع الحالات لا يعني أن المشكلة انتهت، خصوصاً إذا بقيت أسباب انتشار المرض موجودة.

وهنا من المهم ألا نربط هذه الحالات تلقائياً بمياه الصهاريج من دون نتائج تثبت ذلك. لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل العلاقة المعروفة بين المياه غير الآمنة وضعف الصرف الصحي وانتشار بعض الأمراض، ومنها التهاب الكبد.

فبحسب شهادة إحدى السيدات لموقع “سوريا اليوم 24″، قالت إن أفراد عائلتها أصيبوا بالتهاب الكبد بعد شرب مياه كانت قد عبأتها من أحد الصهاريج، مما دفعها إلى الربط بين المرض والمياه التي استخدمتها الأسرة.

وفي شهادة أخرى اختار شخص آخر أن يتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة. يقول “لسوريا اليوم 24” إنه خشي أن يتكرر معه السيناريو نفسه، فاضطر إلى شراء مياه مخصصة للشرب وتعبئة خزان منزله بها، رغم أنه لا يعرف مصدرها بشكل دقيق. لكنه رأى أن شراء مياه تُباع على أنها مخصصة للشرب أكثر أماناً من المجازفة بمياه قد تكون من بواقي المسابح أو لاستخدامات أخرى. وهذا الخيار كلفه نحو 500 ألف ليرة لتعبئة الخزان، وهو مبلغ ليس بسيطاً بالنسبة إلى كثير من العائلات، لكنه بالنسبة إليه أصبح تكلفة يدفعها حتى يقلل من المخاطر الصحية.

ويؤكد مدير الأمراض السارية وغير السارية في وزارة الصحة، الدكتور ياسر فروح، أن سوء الإصحاح المائي واستخدام مياه شرب غير آمنة يمكن أن يساهما في انتشار التهاب الكبد، وأشار إلى أهمية غسل اليدين والخضار والفواكه جيداً والحفاظ على النظافة العامة. لكن إن كانت المياه ملوثة، ألن يكون الغسيل بها من الأسباب الممرضة؟

ماذا تفعل إذا كنت مضطراً لشراء مياه الصهريج؟

قد لا يكون أمامك خيار عندما تنقطع المياه أو لا تصل إلى منطقتك إلا لساعات قليلة. لذلك لا يكفي أن نقول لك “لا تشترِ من الصهريج”، لأن الواقع قد لا يسمح بذلك. لكن يمكنك تقليل الخطر قدر الإمكان.

والبداية تكون عن السؤال حول مصدر المياه، ومعرفة من أي بئر أو مصدر يأتي منه، وهل يخضع لفحص ورقابة أم لا. وانتبه أيضاً إلى الصهريج نفسه. فحتى المياه النظيفة يمكن أن تتلوث إذا كانت الحاوية غير مخصصة لمياه الشرب أو لم تنظف جيداً أو استخدمت سابقاً لنقل مواد أخرى.

بعد ذلك يأتي دور خزان المنزل، وهو تفصيل قد ننساه رغم أهميته. فإذا كان الخزان متسخاً أو متآكلاً أو مفتوحاً، يمكن أن تتلوث المياه داخله حتى لو وصلت إليه وهي نظيفة. لذلك احرص على تنظيف الخزان وتعقيمه بشكل دوري، وإبقائه مغلقاً، وتجنب ترك المياه فيه لفترات طويلة من دون حاجة.

وإذا شككت في المياه، فلا تعتمد على لونها أو طعمها فقط. الفحص المخبري هو الطريقة الأكثر موثوقية لمعرفة مدى مطابقة المياه للمواصفات. لذلك من الأفضل أن يكون لدى كل صاحب صهريج تصريح بأن مصدر مياهه موثوق ومطابق للمواصفات.

خطوات حكومية لمعالجة تلوث المياه

بدأت الجهات المختصة العمل على حل المشكلة خلال هذا العام. ففي دمشق بدأت مديرية البيئة، بالتعاون مع وزارة الإدارة المحلية والبيئة، أخذ عينات من الآبار والخزانات والصهاريج وإجراء التحاليل الفيزيائية والكيميائية والجرثومية.

كما تعمل المديرية على حصر هذه المصادر وإنشاء قاعدة بيانات عنها، بهدف وضعها تحت الرقابة المستمرة. وفي حال أظهرت النتائج أن المياه غير مطابقة للمواصفات، يمكن إلزام صاحب المصدر بمعالجة المياه وتعقيمها، وقد تصل الإجراءات إلى إيقاف الصهريج أو إغلاق البئر إذا لم تتم معالجة المشكلة.

وفي حمص أيضاً، يشمل البرنامج الوطني المناهل والآبار والصهاريج المتنقلة ومصادر المياه الموجودة خارج الشبكة العامة، مع دعوة المواطنين إلى الإبلاغ عن أي مصدر يشتبهون بتلوثه.

كما تسعى الحكومة لزيادة الموارد المائية عبر القيام بمشاريع لإعادة تأهيل الآبار وتحسين مصادر المياه. ففي ريف دمشق، جرى تأهيل آبار جديدة وقديمة لتعزيز التزويد المائي، كما أُعيد تأهيل أربعة آبار في معضمية الشام بطاقة إجمالية تقارب 90 متراً مكعباً في الساعة، بما يخدم نحو 100 ألف شخص.

وفي أيار 2026، أطلقت وزارة الصحة بالتعاون مع وزارتي الطاقة والإدارة المحلية والبيئة، وبالشراكة مع منظمة الصحة العالمية، مشروعاً وطنياً لمراقبة جودة مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي، مع التركيز على أخذ عينات من مصادر المياه ومراقبة المصادر غير الخاضعة للرقابة. عدا عن إنشاء مراكز تنقية المياه في العديد من المحافظات، ومنها الحسكة.

أما على مستوى المعلومات، فلا توجد حتى الآن إحصائية وطنية منشورة توضح نسبة الصهاريج التي تحمل مياه ملوثة في سوريا. وهذه فجوة مهمة، لأن التعامل مع المشكلة يحتاج أولاً إلى معرفة حجمها ومواقع انتشارها ومصادر التلوث.

ولهذا يمكن أن يكون البرنامج الوطني لرصد مصادر المياه غير المضبوطة خطوة مهمة، ليس فقط لأنه يفحص المياه، بل لأنه يساعد على بناء قاعدة بيانات يمكن استخدامها لاحقاً في الرقابة واتخاذ القرارات.

وفي النهاية، قد تفرض الظروف على المواطنين شراء المياه من الصهاريج، لكن يجب التأكد من نقاء المياه، وضمان استخدامها في التنظيف والشرب. والمسؤولية هنا مزدوجة بين المواطن الذي يقدم شكواه للجهات المعنية عندما يكتشف أن المياه غير صالحة للاستخدام، وبين الجهات المختصة التي تفحص وتراقب وتحلل مصادر الموارد المائية.

اقرأ أيضاً: مياه حمص في مأزق.. الأهالي ينتظرون الضخ والصهاريج تتصدر المشهد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى