المجتمع السوري

مولدات دمشق تغادر الشوارع.. ماذا ينتظر أصحاب المحال والمطاعم؟

بقلم هلا يوسف

تعد المواضيع الخدمية التي يكون طرفاها المتناقضان من الشعب من أكثر المواضيع جدلاً، لأن هناك مصالح متضاربة بين الشعب نفسه، عندها يجب أن تكون القرارات الحكومية قائمة على حل المشكلة بالنسبة للطرفين، دون إضرار بأحد. الكلمات السابقة جاءت بسبب قرار محافظة دمشق إزالة المولدات الكهربائية المنتشرة على الطرقات.

لا يمكن إنكار أن هذه المولدات رافقت الكثير من المحلات والمطاعم وحتى بعض البيوت خلال السنوات السابقة للتحرير، عندما كانت الانقطاعات الكهربائية تمتد لساعات طويلة، لكن اليوم الوضع تغير، والأهالي اختنقوا من تلوث هذه المولدات، وأصبحت مطالب إزالتها محقة بحسب رأيهم.

لكن ما لم يحسبوا له حساب أن معظم هذه المولدات تعد حجر الأساس لأرزاق مطاعم تشغل عشرات العمال، وتقدم خدمات الطعام لآلاف الناس. وإذا تحسنت الكهرباء المنزلية، لا يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لأصحاب المطاعم، لأن ساعة انقطاع واحدة تتلف الكثير من المواد الغذائية عندهم، وقدرة الطاقة الشمسية لا تفي بالغرض. لذلك اتجهت المطالبات إلى إيجاد حلول عملية ترضي جميع الأطراف قبل إزالة المولدات التي حدد 30 أيلول آخر موعد لإزالتها.

بعدما أبلغت محافظة دمشق أصحاب المولدات الموجودة في الشوارع والأرصفة والأملاك العامة، سواء كانت مرخصة أو غير مرخصة، بضرورة إزالتها، وحددت 30 أيلول الجاري موعداً نهائياً لذلك، مع إمكانية نقلها إلى عقارات خاصة وتأمين بدائل للطاقة.

القرار يهدف، بحسب المحافظة، إلى وهي أهداف تبدو منطقية، خصوصاً أن وجود المولدات في الأماكن العامة تسبب في إشغال مساحات مخصصة للمشاة، إضافة إلى الضوضاء والعوادم، وفي بعض الحالات تمديدات كهربائية غير منظمة.

الكهرباء ليست رفاهية بالنسبة إلى أصحاب المحال

عممت محافظة دمشق على أصحاب المولدات الكهربائية بضرورة إزالتها من الشوارع والأرصفة والإشغالات العامة. وهذا القرار شمل المرخص منها وغير المرخص، وذلك حفاظاً على المظهر العام، وتنظيم إشغالات الأرصفة، وتعزيز السلامة المرورية والبيئية. وهي أهداف محقة للمحافظة، خصوصاً في ظل ما نشهده من انبعاثات ودخان يؤدي إلى تلوث الهواء، عدا عن الضجة التي تخلفها.

لكن يجب النظر إلى الموضوع من وجهة نظر أصحاب هذه المولدات، فبالنسبة للكثير من الأنشطة التجارية مثل المطاعم ومحلات السوبرماركت ومحلات الألبان والأجبان، والمستودعات المبردة، المولدة تعد رئة عملهم، والكهرباء المستمرة ضرورية للحفاظ على المواد الغذائية وتشغيل البرادات والفريزرات والمعدات وأنظمة التبريد والتهوية والمضخات.

هذا ما عبر عنه أصحاب هذه المحلات، لأن تنفيذ القرار قبل إيجاد البدائل يعني الموت لأعمالهم، خصوصاً أن الكهرباء النظامية ليست دائمة، وأن توقفها لفترة طويلة قد يؤدي إلى خسائر مباشرة.

وأوضح صاحب أحد المطاعم أن الطاقة الشمسية لا تستطيع حالياً تلبية احتياجات جميع معداته، بالأخص البرادات المستخدمة لحفظ اللحوم، مشيراً إلى أن انقطاع الكهرباء لمدة ساعة فقط قد يؤدي إلى تلف المواد الغذائية، في وقت يمكن أن تصل فيه الحرارة داخل مطبخ المطعم إلى 60 درجة.

ولا يختلف الوضع كثيراً لدى محال أخرى تحتاج إلى تشغيل أجهزتها بشكل متواصل. لذلك يرى أصحاب المنشآت أن إزالة المولدات من الشوارع خطوة يمكن تفهمها، لكن بشرط ألا تسبقها إزالة مصدر الطاقة من دون توفير بديل عملي.

وفي محاولة للتعامل مع هذه المخاوف، دخلت جمعية المطاعم في دمشق وريفها على خط النقاش، وتواصلت مع المحافظة مطالبة بتجميد القرار إلى حين إيجاد بدائل مناسبة للمنشآت، وهي بانتظار الرد.

نقل المولدات إلى العقارات الخاصة.. هل يكفي؟

من الخيارات التي أشار إليها القرار نقل المولدات من الأرصفة والأملاك العامة إلى عقارات خاصة. وهذا قد يبدو منطقياً لأنه يحل المشكلة بالنسبة لبعض الأنشطة التي لديها الإمكانية المكانية لنقلها، لكن هل يستطيع كل المحلات تطبيقه؟

يرى بعض أصحاب المحلات أن ملكية العقار لا تعني بالضرورة أنه ملائم فنياً. فالمولدة التي تعمل لساعات طويلة تحتاج إلى تهوية مناسبة وتصريف آمن للعوادم، ومكان مناسب للوقود، وتمديدات كهربائية آمنة، ووسائل للوقاية من الحرائق، بالإضافة إلى الحد من الضجيج والاهتزازات وتأمين مساحة مناسبة للصيانة والتزود بالوقود.

وقد يكون وضع المولدة مثلاً في قبو أو باحة داخلية مزعجاً أكثر للسكان إذا كانت قريبة من غرفهم ونوافذهم وشرفاتهم. لذلك، فإن المطلوب ليس مجرد نقل المولدات من الرصيف، بل وجود لجنة تكشف الوضع الفني للمواقع الجديدة، وتحديد شروط واضحة قبل السماح بتشغيلها.

ومن الأفكار الممكنة أيضاً إنشاء مواقع منظمة ومجهزة يمكن وضع مولدات فيها بحيث تخدم مجموعة من المنشآت في المنطقة نفسها، بدلاً من وجود مولدة منفصلة أمام كل محل. مثل هذا التنظيم قد يساعد على ضبط الضجيج والعوادم وشبكات توزيع الكهرباء بطريقة أفضل.

اقرأ أيضاً: فاتورة اليوم وشبكة الغد.. هل تكرر سوريا خطأ بريطانيا مع الكهرباء؟ ومن يدفع الثمن؟

أصحاب المولدات أمام كلفة جديدة.. من يدفعها؟

القرار لا يضع أصحاب المحال وحدهم أمام المشكلة، بل تشمل أيضاً من يستثمر في المولدات. فأي مولدة تحتاج إلى الوقود، والصيانة، وقطع التبديل، وأجور التشغيل، وكلفة الموقع، بالإضافة إلى شبكة توزيع الكهرباء. وفي حال الانتقال إلى عقار خاص، قد تضاف كلفة استئجار المكان وتجهيزه، ونقل المولدة وإعادة تمديد الشبكة.

ويشير أصحاب مولدات إلى أن ارتفاع أسعار العقارات في دمشق قد يجعل استئجار موقع جديد أمراً صعباً، خصوصاً إذا كانت كلفة الإيجار والتجهيز أعلى من الأرباح المتوقعة. وهذا ما يجعل صاحب المولدة نفسه أمام ثلاثة خيارات، وهي إما تحمل الكلفة الجديدة وتقليل هامش أرباحه، أو رفع قيمة الاشتراك على المشتركين، أو التوقف عن العمل إذا لم يعد النشاط له مردود اقتصادي جيد.

وكانت محافظة دمشق قد أشارت إلى أحقية أصحاب المولدات في استرداد مبالغ الترخيص عن الفترة التي لم يتم فيها تشغيل المولدة بعد إزالتها، وهذا الأمر يخفف من الأعباء المالية، لكنه لا يلغي كلفة الانتقال إلى الموقع الجديد وإعادة تشغيل النشاط.

الطاقة الشمسية هي الحل.. لكن ليس فورياً

لا شك أن الطاقة الشمسية تبدو من أكثر الحلول التي يمكن الاعتماد عليها في المستقبل، خصوصاً إذا كان الهدف تقليل استخدام مولدات الديزل وما يرافقها من ضجة وروائح العوادم. غير أن الحل السابق ليس فورياً وعملياً بالنسبة لبعض الأنشطة التجارية.

إذا أخذنا مثالاً على ذلك المطعم أو السوبرماركت، فإنه يحتاج إلى تشغيل عدة برادات وفريزرات ومكيفات ومعدات كهربائية، وهذا العمل قد يحتاج إلى منظومة كبيرة من الألواح وبطاريات للتخزين وتجهيزات إضافية، إلى جانب مساحة مناسبة على سطح البناء.

وفي الأبنية التي تتشارك فيها عدة أسر أو منشآت ملكية السطح، قد لا تكون المساحة المتاحة كافية لتغطية احتياجات الجميع. كما أن تكلفة تجهيز منظومة قادرة على تشغيل أحمال كبيرة قد تكون مرتفعة بالنسبة إلى بعض المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

إجراء ليس بالجديد

قد يعتقد البعض أن إجراء تنظيم المولدات جديد، لكن السنوات السابقة كانت هناك محاولات لتنظيمه بشكل أكبر، فقد وضعت محافظة دمشق عام 2023 شروطاً ومعايير لترخيص إشغال الأملاك العامة لمراكز توليد الكهرباء، شملت تجهيز المواقع والمولدات والخطوط ودارات الحماية، مع إخضاعها للكشف الدوري من فرق مختصة.

كما شهدت دمشق خلال عام 2024 حملات لإزالة مولدات مخالفة، خصوصاً في بعض الأسواق، بسبب شكاوى مرتبطة بالإشغال والإزعاج في المناطق السكنية.

واليوم المدة الممنوحة لإزالة المولدات هي لنهاية شهر أيلول، وخلال هذه الفترة قد يتم إعادة النظر في القرار، وقد تصل النتائج إلى طرح حلول وأفكار لأصحابها حول كيفية التصرف.

باختصار، معركة المولدات الكهربائية بين الأهالي والمحافظة من جهة، وأصحابها من جهة أخرى قديمة، وتجددها اليوم يبدو أنه جاء نتيجة تحسن ساعات الوصل الكهربائي. لكن القرار جاء دون تفكير بأصحاب هذه المولدات وأعمالهم التي قد تتعطل. لذلك الأصح هو نقل هذه المولدات إلى أماكن آمنة ومنظمة، وفي الوقت نفسه لا تحرم أصحاب المنشآت من خدماتها. ويبقى انتظار رد المحافظة على مطالبات الناس سيد الموقف.

اقرأ أيضاً: الوقود أغلى والطوابير اختفت .. ماذا ينتظر السوريين بعد زيادة أسعار المحروقات؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى