ثقافة وتراث

موسيقى التصوف في سوريا.. نغم الروح ووجدان المدن السورية

بقلم: ريم ريّا

لا يرى أصحاب موسيقى التصوف في سوريا موسيقاهم بوصفها مجرد ألحان دينية أو أناشيد روحية، بل ينظرون إليها بوصفها تعبيرٌ عميق عن البعد الروحي في الثقافة السورية، وجزء أصيل من تراثها اللامادي الذي يمتد عبر قرون. نشأت هذه الموسيقى في زوايا الطرق الصوفية، وتجد أبهى صورها في المديح النبوي، والابتهالات، والذكر الجماعي، حيث تختلط فيها الأصوات البشرية بالإيقاع البطيء للدفوف والنغمات المقامية الشرقية التي تلامس الروح. يحاول عازفو ومنشدو موسيقى التصوف في سوريا أن يحمّلوها بروح التوازن بين الفن والإيمان، وجعلها تعبّر عن سعي الإنسان نحو الصفاء الداخلي والتواصل مع الخالق عبر الصوت والنغمة.

موسيقى التصوف كجزء من التراث اللامادي السوري

تعتبر موسيقى التصوف (الصوفية) في سوريا أحد أجزاء التراث اللامادي، وهذا يناسبها، فهي تبدو للكثير من السامعين توازناً لا يقاس بالمادة، بل بالذاكرة الحية وعمق الوجدان للمجتمع. فهي تجمع بين الفن الشعبي، والتجربة الدينية، وتعبر عن جزء كبير من الهوية الروحية السورية. هذه الموسيقى يتم تناقلها عبر الأجيال بالاستماع والممارسة، وتحافظ على مفردات المقام العربي والأداء الجماعي الذي يميز التراث الموسيقي السوري. كما تسهم في تعزيز قيم التسامح والمحبة بين الناس، وتذكّر بأصالة المجتمع السوري وتنوعه الروحي، ما يجعلها رمزاً حياً لاستمرارية الثقافة السورية في وجه التغيّر والزمن.

لطالما كانت الموسيقى مهمة بشكل خاص كجزء من التصوف، فهي توضح بالنسبة لمعتنقيها المفاهيم الروحانية المتنوعة والتي يغفل عنها الناس، فالموسيقى الصوفية الإسلامية تظهر سعة الدين الإسلامي وتوضح قدرته على تقبل أنواع الموسيقى وجميع الثقافات الأخرى بما تحمله من عناصر، وتُبرز التصوف كجزء من خطاب عالمي ممتد في عمق الحضارات القديمة، يريد له أصحابه أن يستمر بالتوالد.

فالموسيقى في التصوف هي عملية ضبط للنفس وصفاء للروح، وتنساب بكل حرية وتتحول لعالم آخر، ففي التصوف موسيقى تواقة، ولوجودها غاية واحدة يرردها أصحابها: التعبير عن مكنونات النفس. فهي، كما يقول مريديها، تحرر النفس من الواقع المادي.

يرى أتباع الصوفية بأنّ طرقهم تظهر أصالة الجانب الإسلامي، وبهذا تكون موسيقاهم قد انتهجت منهجاً وخضعت لآليات تطورت هي الأخرى وأصبحت من سماته، على الرغم من الاختلافات بين المتصوفة واجتهاداتهم المعرفية في فهم الحقيقة.

اقرأ أيضاً: التراث اللامادي في سوريا بين الارتباط بالهوية ومعركة الاندثار

المدن السورية المشهورة بالغناء الصوفي

عرفت العديد من المدن في سوريا ازدهاراً في الغناء الصوفي ،لكن دمشق، وحلب تتربعان على عرش الغناء الصوفي، بينما حمص، وطرطوس، كانتا من أبرز الحواضن له.

ففي دمشق، عُرفت الزوايا والخانقاهات القديمة مثل “الزاوية الرفاعية” و”زاوية السعدية” بإقامة حلقات الذكر والمواويل الروحية التي تجمع بين الشعر والإنشاد.

أما حلب، فهي لامعة في موسيقى التصوف، حيث تميز منشدون مثل صبري مدلل وأحمد حبوش بإحياء تراث الموشحات الصوفية والقدود التي تمزج بين العاطفة الدينية والفن الراقي.

لكن في حمص وطرطوس، تنتشر التجمعات الصوفية التي تحافظ على الطقوس الموسيقية الجماعية، خاصة في المناسبات الدينية كالمولد النبوي الشريف وليلة الإسراء والمعراج، حيث يتحول الذكر الجماعي إلى احتفال يبدو لمن يتابعه احتفالاً بالروح والإنسان معاً.

الموسيقى الصوفية في دار الأوبرا بدمشق

في ليلة أمس الأربعاء 12 تشرين الثاني أطلّت الموسيقى الصوفية ومعها غنائها، على جمهور دار أوبرا في العاصمة دمشق، لكن بحلة جديدة وسط أمسية قدمها مشروع سكون بإشراف الموسيقي سيمون مريش.

أحيا الأمسية إلى جانبه كل من: إيهاب حمدان في الإيقاع والغناء، ومحمد جمال على آلة الغيتار، وعلي خلقي على البيانو. وضمت المقطوعات التي تألف منها برنامج الأمسية “بنفسج، لو كان لي قلبان، العودة، اسقني، كحل أسود، ورق أخضر، قل لمن يفهم عني، سكون، بدون عنوان، لقد صار قلبي، طوفي بي”، تخللتها استراحة موسيقية “لحظة سكون”.

أهم ما ميز الأمسية، المقاطع الغنائية المستوحاة من الشعر الصوفي المتنوع. وكان أهم ما ميز موسيقى الفرقة هو خروجها عن القالب التقليدي للغناء الصوفي الإسلامي المعروف بالتخت الشرقي، وذلك من خلال إدخال آلات غربية مثل البيانو والدرامز والهاندبان.

اوبرا

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى