سياسة

موسم زيتون استثنائي في طرطوس.. 127 ألف طن تبحث عن معاصر وأسواق

الكاتب: أحمد علي

في قرى طرطوس يعرف الناس الفرق بين سنة تنحني فيها الأغصان من ثقل الحبوب، وسنة تُعد فيها الحبات على أغصان الشجر. نحن اليوم أمام تقدير أولي لهذا الموسم يضع الإنتاج عند 127 ألف طن من الزيتون، مقابل عشرة آلاف طن فقط في العام الماضي. وهذا الرقم يعيد الحركة إلى الحقول ويوقظ المعاصر والتجار، لكنه يوقظ قلقاً مألوفاً أيضاً، فالمحصول الذي لا يجد يداً تقطفه ووسيلة تنقله ودوراً سريعاً في المعصرة قد يخسر جودته قبل أن يتحول إلى دخل..

تنسب مديرية الزراعة الزيادة إلى برودة مناسبة وأمطار وبرامج مكافحة متكاملة لعين الطاووس وذبابة الثمار. وفي المحافظة نحو 11 مليون شجرة، منها عشرة ملايين مثمرة، موزعة على قرابة 75 ألف هكتار. مع ذلك، يبقى 127 ألف طن تقديراً قبل اكتمال القطاف، لا كمية جُمعت أو بيعت، فنجاح الموسم لن يُقاس بما تحمله الأغصان وحدها، بل بما يبقى في يد المزارع بعد أجور القطاف والعصر، وبكمية الزيت التي تصل إلى البيت والسوق بجودة تحفظ اسمها وسعرها.

رقم كبير وقاعدة صغيرة جداً

تعني المقارنة البسيطة أن التقدير يزيد على إنتاج العام الماضي بأكثر من اثني عشر ضعفاً، لكنها تقول شيئاً عن ضعف 2025 بقدر ما تقول عن وفرة 2026. أشجار الزيتون تتأثر بظاهرة المعاومة، فتتعاقب سنوات الحمل الخفيف والثقيل، كما تتدخل الأمطار والحرارة والآفات في النتيجة. لذلك لا يصح تحويل موسم واحد إلى طاقة دائمة تبنى عليها ديون أو معاصر جديدة بلا حساب.

الأجدى أن يُحدّث التقدير على مراحل، من العقد إلى ما قبل القطاف ثم إلى الكميات المسلمة فعلياً، فالطقس والآفة وتوقيت الجني يمكن أن تغير الحجم ونسبة الزيت.

المعاصر موجودة لكن الوقت ضيق

تضم طرطوس 248 معصرة تتركز في صافيتا ثم مدينة طرطوس وبانياس. وإذا وُزع التقدير عليها نظرياً، يقع على كل معصرة متوسط يقارب 512 طناً خلال الموسم. وهذه قسمة توضيحية لا قياساً للطاقة، لأن المعاصر تختلف في الحجم والجاهزية، والمحصول لا يصل بالتساوي، وبعض القرى بعيدة وبعض الآلات تتوقف حين تنقطع الكهرباء أو تتعطل قطعة.

العقدة الحقيقية هي الذروة، يريد آلاف المزارعين العصر في الأيام نفسها كي لا تبقى الثمار مكدسة، وتتحول ساعات الانتظار عندها إلى جودة مفقودة. يمكن للمديرية نشر جاهزية كل معصرة وطاقة الوردية وأجورها، واعتماد حجز بسيط بالدور، وفتح نقاط تجميع ونقل في المناطق البعيدة. كما يحتاج أصحاب المعاصر إلى وقود وقطع وتمويل تشغيلي قبل وصول أول شاحنة، لا بعد أن يبدأ الازدحام.

الجودة تبدأ على الشجرة

ليست كل حبة زيتون زيتاً ممتازاً، موعد القطاف وطريقة الجمع ونوع العبوة والفاصل بين الحقل والمعصرة وحرارة العصر والنظافة تحدد النتيجة. فالثمرة التي تُجرح أو تُترك في كيس مغلق أياماً تبدأ بالتخمر، ولا يعيدها خط حديث إلى الوراء. لذلك شددت وزارة الزراعة على مواعيد خاصة بكل منطقة وعلى فحص الزيت وفق المعايير، وهي تفاصيل يجب أن تصل إلى المزارع بلغة عملية لا في تعميم بعيد.

تفعيل المواصفة السورية رقم 4083 لتنظيم إنشاء المعاصر وتشغيلها مهم، لكن الرقابة ينبغي أن تساعد على التصحيح قبل أن تكتفي بالعقوبة. ينبغي أن تُعاير الأجهزة، وتُفصل دفعات المزارعين، وتؤخذ عينة موثقة، ويُعطى صاحب المحصول بياناً بالوزن والناتج. عندها يعرف أين ضاع الزيت إن حدث خلل.

البيت السوري لا يشتري كل الفائض

يفرح المستهلك بموسم وفير إذا خفض السعر، لكن القدرة الشرائية تضع سقفاً للطلب. في شباط 2026 تراوح سعر صفيحة الزيت ذات 16 كيلوغراماً بين 80 و100 دولار بحسب الجودة، ووصفت مسؤولة في مكتب الزيتون ضعف الطلب المحلي بأنه عامل أساسي في هبوط الأسعار. أي قد يملك البلد زيتاً أكثر، فيما لا تملك الأسرة مالاً يكفي لتخزين حاجتها السنوية.

هنا تظهر حاجة المزارع إلى تمويل لا يجبره على البيع في أسبوع القطاف، مستودعات مناسبة وعبوات غذائية وقروض قصيرة بضمان محصول موثق تسمح بتوزيع البيع على أشهر. ويمكن للتعاونيات أن تجمع الكميات وتتفاوض على العصر والنقل والتعبئة بدل أن يدخل كل فلاح وحيداً أمام التاجر. والهدف ليس تثبيت سعر مصطنع، بل منع ضيق السيولة من تحويل الوفرة إلى خسارة عند باب الحقل.

التصدير يريد اسماً لا زيتاً مجهولاً

تُظهر بيانات المجلس الدولي للزيتون نمواً في واردات مجموعة من الأسواق الكبرى خلال الموسم الأخير، ما يعني وجود طلب عالمي. غير أن سوريا لا تدخل الرف الخارجي بمجرد امتلاك فائض، فهي تحتاج إلى مخابر معترف بها، وتتبّع للدفعة، وشهادة منشأ، وعبوة تحمي الزيت، وتاجر يلتزم بالتسليم. وبيع الزيت سائلاً بكميات كبيرة قد يفرغ الخزانات سريعاً، لكنه يترك العلامة والقيمة الأعلى لدى معبئ في بلد آخر.

عودة سوريا إلى المجلس الدولي للزيتون يمكن أن تدعم المواءمة الفنية وقراءة الأسواق، لكنها ليست بطاقة بيع تلقائية بطبيعة الحال. فالبداية الأفضل هي فصل الدرجات وعدم خلط الجيد بالمتوسط، ثم بناء علامة مناطقية لصنف الدعيبلي الذي يمثل نحو 65 في المئة من أصناف المحافظة. فالسوق -وكما يقال- تدفع أكثر للقصة التي تستطيع التحقق منها، لا للقصة الجميلة وحدها.

للجفت موسم آخر

كل ضغط على المعاصر يضاعف ما تخرجه من مياه الجفت والمخلفات الصلبة، وإذا صُرفت عشوائياً، وصلت حمولتها العضوية إلى التربة والمجاري وأفسدت فرحة الموسم. ناقشت اللجنة المركزية التصريف الآمن، وقدمت جامعة طرطوس مشروعاً لتحويل المياه إلى سماد سائل حيوي. الفكرة واعدة، لكنها تحتاج عملياً تجربة ميدانية ومعايير وترخيصاً وسوقاً، لا أن تصبح ذريعة لرمي المخلفات باسم إعادة الاستخدام.

يمكن تنظيم جمع الجفت في نقاط مرخصة، وتشجيع استخلاص الوقود أو السماد أو المركبات ذات القيمة حيث تثبت الجدوى. بذلك تتحول كلفة التخلص إلى نشاط إضافي وتخف الضغوط البيئية عن القرى، والموسم الاستثنائي يختبر السلسلة كلها، من الغصن إلى العبوة، ثم إلى آخر قطرة تخرج من المعصرة.

في الختام، يمنح تقدير 127 ألف طن طرطوس فرصة زراعية نادرة بعد عام شديد الضعف. لدى المحافظة أشجار وخبرة و248 معصرة، لكن وفرة الثمر تضغط زمناً قصيراً لا متوسطاً سنوياً. من دون جدول للقطاف والعصر، وتمويل للتخزين، وفصل للجودة، قد يتحول الرقم الكبير إلى طوابير وأسعار مذعورة وزيت أقل قيمة.

والموسم الناجح هو الذي يترك للمزارع دخلاً، وللأسرة زيتاً يمكن شراؤه، وللسوق الخارجية منتجاً معروف الأصل، وللقرية ماءً وتربة غير ملوثين… إذا أُديرت هذه الحلقة قبل بدء الذروة، لن تبحث الأطنان عن معاصر وأسواق طويلاً، بل ستجد طريقها وهي ما تزال تحمل جودة الحقل.

اقرأ أيضاً: الزيتون السوري يبحث عن طريقه للأسواق العالمية عبر بوابة إسبانيا.. فهل يجدها؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى