موسم الكرز في سوريا 2026: تضاعف الإنتاج لكن هل انتهت أزمة المزارعين؟

بقلم: ريم ريّا
بعد عام 2025 الذي وصفه المزارعون بأنه من أصعب مواسم الكرز على الإطلاق بسبب الجفاف والصقيع وانخفاض المحصول، حمل موسم 2026 بوادر أمل في عدة محافظات سورية. فقد ازداد الإنتاج بشكل ملحوظ، لا سيما في القنيطرة، مع تحسن الأحوال الجوية وعودة معدلات هطول الأمطار إلى مستوياتها الطبيعية. إلا أن هذه الزيادة في الإنتاج لم تكن بالضرورة نهاية للمشاكل التي عانى منها القطاع في السنوات الأخيرة. فما زالت تكاليف الزراعة والتسويق والتصدير تشكل تحديات حقيقية للمزارعين، بينما يتوقع المستهلكون مزيداً من انخفاض الأسعار مع وفرة المحصول.
موسم الكرز 2025.. عام الجفاف وانخفاض الإنتاج
دخل مزارعو الكرز موسم 2025 وسط ظروف جوية صعبة. فقد شهدت مناطق الإنتاج الرئيسية في المناطق الريفية بدمشق والزبداني وإدلب والقنيطرة انخفاضاً كبيراً في هطول الأمطار، وتأثرت الأشجار بموجات البرد التي أثرت على مرحلة الإزهار وأدت إلى انخفاض كبير في الإنتاج.
ساهم انخفاض منسوب المياه الجوفية في زيادة الاعتماد على الري، مما رفع تكاليف تشغيل الآبار، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات الحشرية والعمالة بشكل ملحوظ. ونتيجة لذلك، ارتفعت تكلفة إنتاج كيلوغرام واحد من الكرز مقارنةً بالسنوات السابقة. وقد أثر هذا الوضع بشكل مباشر على الأسواق، حيث انخفضت الإمدادات وارتفعت الأسعار بشكل حاد. واضطر بعض المزارعين إلى تصدير جزء كبير من إنتاجهم لتعويض خسائرهم، بينما يشكو آخرون من نقص الدعم الزراعي وعدم وجود خطط تسويقية واضحة للمنتج.
اقرأ أيضاً: اللحمة بكرز.. حين ينتقل الكرز بين حلب وإدلب فمن صاحب الوصفة الأولى؟
لماذا تضاعف الإنتاج في عام 2026؟
على عكس الموسم السابق، شهد شتاء 2025-2026 هطول أمطار أفضل في العديد من المناطق الزراعية، مما وفر مخزوناً كافياً من المياه للأشجار خلال مراحل النمو والإثمار. بالإضافة إلى ذلك، ساعد انخفاض تأثير موجات الصقيع مقارنةً بالعام السابق في الحفاظ على نسبة أعلى من الأزهار، وهي المرحلة الأكثر حساسية لأشجار الكرز، مما أدى إلى زيادة عدد الثمار في الشجرة الواحدة.
في محافظة القنيطرة تحديداً، أكد المزارعون أن بعض البساتين شهدت زيادة في الإنتاج عشرة أضعاف مقارنةً بموسم 2025. مع ذلك، لا تعني هذه الزيادة أن الإنتاج تضاعف بنفس المعدل في جميع المحافظات، بل هي مقارنة بموسم ضعيف استثنائياً نتيجةً لظروف جوية قاسية. ويعتقد الخبراء أن زيادة الإنتاج تعود إلى عاملين رئيسيين، تحسن هطول الأمطار واعتدال المناخ، وليس إلى توسع كبير في المساحات المزروعة أو إدخال تقنيات زراعية جديدة.
لكن على الرغم من وفرة الإنتاج، يؤكد المزارعون أن معظم المشاكل الأساسية لا تزال قائمة. فأسعار الأسمدة والمبيدات والوقود لا تزال مرتفعة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العمالة خلال موسم الحصاد، مما زاد من تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ. كما أن مرافق التبريد لا تزال محدودة في العديد من المناطق، مما يضطر بعض المزارعين إلى بيع منتجاتهم بسرعة خوفاً من تلفها، حتى وإن كانت الأسعار أقل من المتوقع. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال ضعف خدمات الإرشاد الزراعي وغياب برامج الدعم المباشر قائمين، وهي مطالب يكررها المزارعون منذ سنوات دون أي حلول جوهرية.
ماذا عن التسويق والتصدير؟
شهدت القنيطرة بداية قوية للموسم مع وفرة الإنتاج، بينما افتُتحت أسواق إدلب بكميات محدودة بسبب تأخر نضج الثمار، مما حدّ من المبيعات في البداية إلى السوق المحلية. أما فيما يتعلق بالصادرات، فعلى الرغم من استمرار الطلب على الكرز السوري في بعض الأسواق الخارجية، إلا أن حركة النقل لم تتعافَ تمامًا مع بداية الموسم. علاوة على ذلك، لا تزال التحديات اللوجستية المتعلقة بالنقل والتخزين المبرد تؤثر على سرعة توزيع المنتجات. يعتقد التجار أن نجاح هذا الموسم يعتمد على إنشاء قنوات تصدير مستدامة، إذ إن وفرة الإنتاج دون أسواق خارجية قد تؤدي إلى انخفاض الأسعار، مما سيضر بالمزارعين.
كان المستهلكون ينتظرون بفارغ الصبر موسماً أفضل، ويأملون أن تكون الأسعار أقل مقارنةً بعام 2025. إلا أن النتائج كانت متفاوتة. في بعض الأسواق، انخفضت الأسعار تدريجياً مع زيادة العرض، بينما ظلت مرتفعة في أسواق أخرى نتيجة لتغيرات في أحجام الإنتاج بين المحافظات واستمرار ارتفاع تكاليف النقل والتخزين. يقول العديد من السكان إن الكرز متوفر بكثرة أكثر من العام الماضي، ولكنه لا يزال فاكهة باهظة الثمن بالنسبة لشريحة كبيرة من العائلات، خاصةً مع انخفاض القدرة الشرائية.
مقارنة بين موسمي 2025 و2026
تظهر المقارنة بين الموسمين أن التحدي الأكبر في عام 2025 كان الطقس، حيث تسبب الجفاف والصقيع في خسائر إنتاجية كبيرة. مع ذلك، شهد موسم 2026 محصولاً أفضل بفضل تحسن هطول الأمطار والظروف الجوية. لكن على الصعيد الاقتصادي، بقي الوضع على حاله إلى حد كبير. ظلت تكاليف الإنتاج مرتفعة، واستمرت مشاكل التسويق والتصدير والتخزين. هذا يعني أن تحسن الإنتاج وحده لم يكن كافياً لتحسين وضع المزارعين بشكل كامل.
يرى الخبراء أن التحسن المستدام في إنتاج الكرز في السنوات القادمة سيتطلب المزيد من الاستثمار في مشاريع الري الحديثة، ودعم مدخلات الإنتاج، وإنشاء مراكز حديثة للفرز والتعبئة والتخزين المبرد، وتوسيع أسواق التصدير. بينما أنقذ هطول الأمطار موسم 2026، فإن الحفاظ على هذا التحسن لن يتحقق بالاعتماد على الظروف الجوية وحدها. يتطلب ذلك سياسات زراعية وتسويقية تعزز قدرة المزارع السوري على مواصلة الإنتاج وتضمن وصول المنتج إلى المستهلكين بأسعار عادلة، وبالتالي الحفاظ على مكانة الكرز السوري كواحد من أبرز المحاصيل الصيفية في البلاد.









