المجتمع السوري

موجة حر تضرب سوريا: كيف يجب التعامل معها؟

بقلم هلا يوسف

بدأ الصيف في سوريا يأخذ منحى آخر خلال السنوات الماضية، فالتغير المناخي غير شكله، وجعله مختلفاً عما كان يتصف به منذ عشرين وثلاثين عاماً من حرارة معتدلة. فقد أصبح الصيف الآن أشد قسوة، والحرارة أعلى من الطبيعي، ومخاطر هذا الأمر بدأت تظهر في الحرائق والجفاف والتأثير على الموارد البيئية والاقتصادية. واليوم مع التحذيرات من موجة الحر التي بدأت أمس الثلاثاء وستستمر إلى السبت القادم، بدأت دائرة الإنذار المبكر والتأهب في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بالإعلان عن إجراءات السلامة، وسط تحليلات بتأثير موجات الحر المتتالية على سوريا.

كيف نحمي أنفسنا من موجة الحر؟

تبدو النصائح التي قدمتها الدائرة بسيطة لكنها مهمة جداً في الوقاية من درجات الحرارة المرتفعة. فوجهت الدائرة بتجنب الخروج والتعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، من الساعة 11 صباحاً وحتى 5 مساءً قدر الإمكان.

كما دعت المواطنين إلى ترطيب الجسم عبر شرب كمية كافية من الماء، والابتعاد عن المشروبات التي تحتوي على الكافيين والمشروبات الغازية، لأنها قد تزيد الشعور بالعطش. ومن الأفضل أيضاً تجنب الأطعمة الدسمة، والانتباه إلى حفظ الأطعمة سريعة التلف، وعدم تناول الأطعمة التي بقيت مكشوفة في الجو الحار.

كما نوهت إلى أن الحرارة العالية قد تكون أكثر خطورة على الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة. لذلك حذرت الجهات المختصة من ترك هؤلاء الأشخاص، بالإضافة للحيوانات، داخل السيارات المغلقة وتحت أشعة الشمس، لأن الحرارة داخل السيارة يمكن أن ترتفع بسرعة وتسبب أضراراً خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

أما من يخطط للسباحة، فيجب أن ينتبه جيداً إلى المكان الذي يختاره. فالسدود والبحيرات وقنوات الري والأنهار ليست أماكن آمنة للسباحة، حتى لو كان الماء هادئاً. والأفضل الالتزام بالأماكن المخصصة للسباحة، مع توفير أدوات السلامة، مثل طوق النجاة والحبل المساعد.

الحرارة تزيد خطر الحرائق

لا ترتبط مخاطر ارتفاع درجات الحرارة بالإنسان فقط، بل تتجاوزها لتصل إلى الشجر، حيث تزداد احتمالات اندلاع الحرائق، خاصة في الحقول والمناطق الحراجية والغابات. وهذا ما دفع بالجهات المختصة التحذير من إشعال أي نار بالقرب من هذه المناطق، كما حذرت من ترك أي مواد قابلة للاشتعال تحت أشعة الشمس المباشرة. وحتى عقب السيجارة الذي قد يبدو صغيراً يمكن أن يتسبب بكارثة إذا تم رميه بالقرب من الأعشاب اليابسة أو في منطقة حراجية.

ومن المهم أيضاً التأكد من سلامة التوصيلات الكهربائية، وخاصة في منظومات الطاقة الشمسية، وتجنب التنقل والسفر لمسافات طويلة خلال ساعات الذروة إذا لم تكن هناك حاجة لذلك. ومن الأفضل وجود طفاية حريق في السيارات عند قيادتها، وتكون بمكان في متناول اليد بسرعة داخل السيارة.

ومع ارتفاع الحرارة، قد تظهر الأفاعي والعقارب بشكل أكبر في بعض المناطق الحراجية والزراعية، لذلك يجب الانتباه عند التنقل أو العمل في هذه الأماكن.

ولا تقتصر المسؤولية على حماية أنفسنا فقط. فالحيوانات والطيور تتأثر أيضاً بالحرارة والعطش. ويمكنك مساعدتها ببساطة من خلال وضع أوعية مياه نظيفة في الشرفات أو في أماكن مناسبة، وتركها في الظل وعدم طردها منه.

موجة الحر تضغط على الاقتصاد والموارد

ربما لا نفكر في الأمر بهذه الطريقة، لكن ارتفاع الحرارة يؤثر أيضاً على حياتنا اليومية والاقتصاد. فعندما تشتد الحرارة، يرتفع استهلاك الكهرباء بسبب استخدام أجهزة التبريد، كما يزداد الطلب على المياه، وهذا يضيف ضغطاً جديداً على البنية التحتية والموارد.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، قد يعني ذلك زيادة في تكاليف تشغيل المنازل والمؤسسات. كما يمكن أن تتأثر أسعار بعض المواد الغذائية إذا تضررت المحاصيل أو تعطلت بعض الأنشطة الزراعية بسبب الحرائق والظروف الجوية القاسية.

ويشير هاشم شربا من المركز الوطني للأرصاد الجوية والمناخ في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث إلى أن ارتفاع درجات الحرارة أصبح أكثر تكراراً في سوريا. ففي فصل الصيف، تسجل معظم المناطق الداخلية درجات حرارة تصل إلى الأربعينات، بينما تقترب الحرارة في المناطق الشرقية من نهاية الأربعينات.

والمشكلة أن موجات الحر لم تعد مرتبطة بالصيف وحده، بل بدأت تمتد إلى الفصول الانتقالية أيضاً، مما يؤثر على الزراعة والمياه والطاقة، ويزيد في الوقت نفسه من خطر حرائق الغابات.

من الجفاف إلى الفيضانات.. تغير المناخ يغير المشهد

عندما نتحدث عن تغير المناخ، قد نتخيل أن المشكلة تعني ارتفاع الحرارة فقط، لكن الواقع معقد أكثر. فسوريا تواجه في الوقت نفسه الجفاف والعواصف الغبارية والفيضانات المفاجئة وحرائق الغابات.

وبحسب شربا ترتفع درجات الحرارة في سوريا تدريجياً بنحو نصف درجة مئوية كل عشر سنوات، وهو ارتفاع أعلى من المتوسط العالمي في بعض المناطق. أما الجفاف فلم يعد سببه قلة الأمطار فقط، بل تغير طريقة هطولها أيضاً. فقد أصبحت الأمطار الغزيرة والقصيرة أكثر تكراراً، بينما تطول فترات انحباس المطر.

وهذا التغير يضغط بشدة على المياه. فقد تراجعت حصة الفرد من المياه العذبة في سوريا من 1481 متراً مكعباً عام 1961 إلى نحو 318 متراً مكعباً عام 2022، بحسب بيانات البنك الدولي.

بينما تزداد العواصف الغبارية بسبب تدهور الأراضي واشتداد الجفاف، وسجل المركز الإقليمي للعواصف الغبارية والرملية نحو 70 ظاهرة غبارية في يوم واحد خلال أيار 2026 على مستوى الشرق الأوسط، مما يهدد الصحة وجودة الهواء وحركة النقل والنشاط الاقتصادي.

وعلى الجهة الأخرى تشهد بعض المناطق فيضانات خاطفة نتيجة هطول كميات كبيرة من الأمطار خلال وقت قصير، وقد تسببت هذه الظاهرة في أضرار للطرق والبنية التحتية والزراعة. أما حرائق الغابات، فقد أصبحت من أخطر التحديات، إذ تجاوزت المساحات المحترقة في بعض مواسم الحرائق الساحلية 15 ألف هكتار، مما يعني خسارة كبيرة للبيئة والتنوع الحيوي والاقتصاد.

وتشير التقارير الدولية إلى أن العالم قادم على تحديات أكبر بسبب تغير المناخ، من ارتفاع الوفيات والجوع إلى شح المياه وزيادة الكوارث والنزوح. كما تعد منطقة البحر المتوسط من أكثر المناطق تأثراً بهذه التغيرات، ما يجعل سوريا أمام تحديات مناخية متزايدة، رغم أن مساهمتها في انبعاثات غازات الدفيئة محدودة مقارنة بالدول الصناعية الكبرى.

في النهاية، يمكن القول أن موجة الحر الحالية ستمر، لكنها تترك وراءها تنبؤات خطيرة بمستقبل مناخي صعب، خصوصاً في ظل مؤشرات لا تنذر بوجود تحسن في المناخ، فارتفاع الحرارة والجفاف والحرائق، كلها بطاقات إنذار بضرورة مراعاة كوكبنا الذي بدأ يضيق بنا. بالمجمل اليوم لا بد من حماية أنفسنا في ظل الموجة الحالية عبر اتباع الإرشادات السابقة.

اقرأ أيضاً: هل يقود التغير المناخي سوريا نحو أزمة مائية وزراعية خطيرة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى