موازنة 2027 والرقمنة: هل تبدأ المالية السورية بإصلاح الإنفاق من بوابة البيانات؟

الكاتب: أحمد علي
فتحت وزارة المالية السورية ملف موازنة 2027 قبل أن تنتهي سنة 2026، والإعلان جاء محدداً في عباراته الأساسية: إنجاز المشروع قبل نهاية الربع الثالث، توسيع الرقمنة، اعتماد مؤشرات أداء، وربط الموازنة بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية. تزداد أهمية هذه النقاط في بلد تراجعت فيه قدرة المؤسسات خلال السنوات الماضية، وتقلصت موارده العامة. فطريقة إعداد الموازنة قد تكشف أحياناً جدية الإصلاح قبل أن تظهر الأرقام النهائية.
أهمية الرقمنة لا تقاس بوجود منصة إلكترونية جديدة أو بنقل الجداول من الورق إلى الشاشة. هل تستطيع المالية السورية أن تنتقل من موازنة تُجمع فيها طلبات الجهات العامة إلى موازنة تقيس الحاجة، وتقارن الكلفة، وتتابع التنفيذ، وتكشف مواضع الهدر؟ إذا حدث ذلك، ستكون الرقمنة بداية إصلاح في الإنفاق، وإذا لم يحدث، ستبقى تحديثاً شكلياً يضيف سرعة إلى الآلية القديمة من دون أن يغير مضمونها.
موازنة 2027 والرقمنة: ما الذي تعلنه المالية؟
بحسب وكالة سانا، باشرت وزارة المالية إعداد مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2027 خلال جلسة ترأسها وزير المالية محمد يسر برنية في 27 حزيران 2026. خُصص الاجتماع لبحث الخطة الزمنية، والاستفادة من تجربة موازنة 2026، واستكمال الإعداد قبل نهاية الربع الثالث، مع إدخال تحديثات مرتبطة بعمليات الإعداد والتنفيذ والرقمنة. وذكرت الوزارة أن برنية شدد على شمولية الموازنة، واعتماد مؤشرات أداء واضحة، وتكثيف الاجتماعات التشاورية مع الوزارات والهيئات، وربط الموازنة بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية.
هذه العبارات تفتح باباً مهماً، فالموازنة في سوريا لم تعد وثيقة محاسبية فقط، وخاصة بعد إطلاق نسخة المواطن لموازنة 2026 في نيسان الماضي. تلك النسخة قدمت أرقاماً غير مألوفة بالمقارنة مع السنوات السابقة: نفقات مقدرة بنحو 10.516 مليارات دولار، وإيرادات بنحو 8.716 مليارات دولار، وعجز مخطط يبلغ 1.799 مليار دولار. ووفق البيانات المنشورة، بلغت نفقات 2025 نحو 3.447 مليارات دولار مقابل إيرادات 3.493 مليارات، مع فائض فعلي قالت وزارة المالية إنه بلغ 46 مليون دولار.
الفارق بين 2025 و2026 كبير، ولذلك يصبح إعداد موازنة 2027 مسألة حساسة. الدولة تريد إنفاقاً أوسع في مرحلة إعادة ترتيب الخدمات والرواتب والبنية العامة، لكنها تعمل داخل هامش مالي محدود. وموقع العربي الجديد نقل، استناداً إلى وثيقة موازنة 2026، أن العجز المقدر يعادل قرابة 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع البالغ 33.7 مليار دولار، وأن الإيرادات توزعت بين الضرائب والرسوم والجمارك، والنفط والغاز، ومصادر أخرى. هذه الأرقام تجعل الرقمنة مرتبطة بسؤال عملي: كيف نعرف أين تذهب الأموال؟ وكيف نقرر أن بنداً يستحق زيادة أو تخفيضاً؟
البيانات حين تدخل الإنفاق العام
الرقمنة في المالية العامة لا تعني حفظ الملفات على شاشة. قيمتها تظهر عندما تصبح كل جهة عامة مطالبة بتقديم طلباتها وفق بيانات قابلة للمراجعة، وعندما يمكن تتبع الاعتماد من لحظة التخطيط إلى الصرف، ثم إلى النتيجة التي وصل إليها. الطريق هنا طويل. فوزارة تطلب مخصصات لمشروع خدمي يجب أن تقدم كلفة واضحة، وجدولاً زمنياً، ومؤشر أداء، وبيانات عن المستفيدين. بعدها يصبح النقاش أقل عمومية. يصبح تحديد أولويات الإنفاق أهم من زيادة الأرقام العامة، لأن الموارد المحدودة تحتاج إلى توجيه واضح ومعيار يمكن مراجعته، مع متابعة ما تحقق بعد الصرف.
هذا التحول مهم في بلد مثل سوريا، لأن ضغط الاحتياجات كبير. الكهرباء، الخبز، الرواتب، الصحة، التعليم، البنية التحتية، والعودة إلى الإنتاج، كلها ملفات تطلب المال في الوقت نفسه. عندما تكون الموارد محدودة، تصبح طريقة ترتيب الأولويات جزءاً من السياسة العامة. والبيانات تساعد إذا كانت دقيقة ومفتوحة للتدقيق. أما إذا بقيت الأرقام داخل المؤسسات نفسها، فلن تختلف النتيجة كثيراً بالنسبة إلى المواطن.
البنك الدولي وافق في آذار 2026 على منحة بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز إدارة المالية العامة في سوريا، بهدف دعم الكفاءة والشفافية والمساءلة في استخدام الأموال العامة. المشروع يتضمن تحسين وظائف الموازنة والشراء العام والتقارير المالية، والتمهيد لرقمنتها، وإنشاء نظام معلومات متكامل للإدارة المالية العامة. كما أشار البنك إلى أن تحصيل الإيرادات تراجع من نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي قبل النزاع إلى أقل من 5%، بسبب انخفاض إيرادات النفط والضرائب. هذه الخلفية تفسر لماذا لا يمكن فصل موازنة 2027 عن إصلاح الإدارة المالية نفسها.
وجود منصة موازنة للجهات الإدارية في سوريا، تتحدث عن إدارة شاملة للموازنات وتتبع النفقات والإيرادات وتقارير تحليلية، يعطي مؤشراً على الاتجاه التقني، لكنه لا يكفي وحده. المنصة تصبح أداة إصلاح عندما تكون مرتبطة بقواعد واضحة، وبصلاحيات محددة، وبقدرة على كشف الانحراف بين ما خُطط وما صُرف وما تحقق. من دون ذلك، قد تتحول البيانات إلى مخزن جديد للأرقام، لا إلى وسيلة لتصحيح القرار.
الاختبار في الشفافية لا في التقنية
تجارب الشفافية المالية لا تقف عند نشر وثيقة مبسطة للمواطن، هذا إجراء مفيد، وقد يكون خطوة أولى، لكنه يحتاج إلى ما بعده. المواطن يريد أن يعرف لماذا خُصص مبلغ لقطاع معين، وكيف صُرف، وما الفرق بين الخطة والتنفيذ. والجهات الرقابية تحتاج إلى بيانات يمكن فحصها في الوقت المناسب، لا بعد أن يصبح الإنفاق أمراً واقعاً. لذلك تبدو موازنة 2027 أمام امتحان مزدوج: تحسين الإعداد من داخل الوزارة، وتوسيع إمكان المتابعة من خارجها.
تقرير مشترك حول شفافية الموازنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، صادر عن مؤسسات دولية بينها صندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والشراكة الدولية للموازنة، يوضح أن الموازنات يجب أن تكون متاحة للمواطنين وقادرة على ربط الموارد المحدودة بالأولويات، وأن الشفافية تساعد في المساءلة وكفاءة تخصيص الموارد. وهذه المبادئ عامة، لكنها تصبح أكثر إلحاحاً في الدول الخارجة من النزاع، حيث تكون الثقة ضعيفة والاحتياجات واسعة والمؤسسات في طور إعادة البناء.
المسألة لا تخلو من مخاطر، ربط الموازنة بمؤشرات أداء قد يعطي نتائج جيدة إذا كانت المؤشرات مختارة بعناية. لكنه قد يتحول إلى تمرين رقمي إذا اختيرت مؤشرات سهلة أو غير مرتبطة بحياة الناس. مؤشرات التنفيذ يجب أن ترتبط بنتائج واضحة، مثل تحسن الخدمة أو إنجاز المشروع فعلياً، لا بعدد الاجتماعات أو حجم المبالغ المصروفة فقط.
توجد أيضاً مشكلة الإيرادات، أي إصلاح في الإنفاق سيبقى محدود الأثر إذا لم يترافق مع موارد أكثر استقراراً وعدلاً. الاعتماد الكبير على الضرائب والرسوم والجمارك يضع عبئاً مباشراً أو غير مباشر على السوق والمستهلك. وفي المقابل، تتحدث نقاشات اقتصادية عن ضرورة زيادة مساهمة النفط والغاز والاستثمارات العامة مع تحسن البيئة السياسية والاقتصادية. غير أن هذه المسارات تحتاج إلى وقت واستقرار واستثمارات. لذلك ستبقى موازنة 2027 محكومة بسؤال الموازنة بين التوسع الضروري والحذر المالي.
الخلاصة أن حديث وزارة المالية عن موازنة 2027 والرقمنة يحمل فرصة حقيقية، لكنه لا يكفي بذاته. الإصلاح يبدأ عندما تساعد البيانات على معرفة الكلفة، وترتيب الأولويات، ومتابعة التنفيذ، وكشف الهدر في وقت مبكر. أما إذا بقيت الرقمنة محصورة في تسريع الإجراءات من دون مراجعة طريقة الإنفاق، فلن يشعر المواطن بفارق كبير. الموازنة المقبلة ستكون اختباراً لطريقة إدارة المال العام قبل أن تكون اختباراً لحجم الأرقام فيها.
اقرأ أيضاً: دون نمو وعدالة.. الاقتصاد السوري عجين جديد بطحين قديم!









