أعمال واستثمار

موازنة سوريا 2026: قفزة نحو التعافي أم أرقام تصطدم بالواقع؟

بقلم هلا يوسف

لم تسلم الموازنة العامة التي أعلن عنها الرئيس أحمد الشرع لعام 2026 من التعليقات التي تفاوتت بمجملها بين المتفائل والمنتقد. لتعيد النقاش الاقتصادي حول آليات النهوض بالاقتصاد السوري المدمر. وعلى الرغم من أن الموازنة هي مجرد قراءات لأرقام تحاول أن تلتمس طريقها في الواقع، إلا أن الأرقام الكبيرة التي حملتها الموازنة جعلتها في مرمى التشكيك بجدواها، خصوصاً في ظل غياب خارطة الطريق لتحقيق ما تم الإعلان عنه، وعدم وجود فترة زمنية محددة لإتمام المخططات. لذلك في هذا المقال سنناقش هذه الموازنة لنتعرف على مواضع الانتقاد التي أشار لها الخبراء الاقتصاديين، وكذلك النقاط الإيجابية فيها.

تصريحات الحكومة واتجاهات الموازنة

تأتي موازنة عام 2026 في وقت تحاول فيه سوريا الخروج تدريجياً من آثار حرب طويلة، وتحويل اقتصادها من مرحلة العجز إلى مرحلة النمو. ومع الإعلان عن الموازنة العامة لعام 2026 بدأت ملامح هذا التحول تظهر بحسب ما تحاول الحكومة إيصاله للناس مع تخصيص نحو 40% من الإنفاق لقطاعات الخدمات وإعادة إعمار البنية التحتية التي تضررت خلال السنوات الماضية.

بحسب الأرقام الرسمية، تبلغ الموازنة حوالي 10.5 مليار دولار، وهي زيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، إذ تضاعفت عدة مرات منذ عام 2024. كما تشير التقديرات إلى نمو في الناتج المحلي وصل إلى نحو 32 مليار دولار، مع توقعات بأن يرتفع إلى ما بين 50 و60 مليار دولار خلال الفترة المقبلة، وهي أرقام تقترب من مستويات ما قبل الأزمة في 2010.

وتربط الحكومة هذا التحسن باستعادة موارد مهمة، خاصة في قطاعات الطاقة والغذاء والمياه، بعد توسيع السيطرة على مناطق إضافية في الجزيرة السورية، وهو ما تقول إنه ساهم في تحقيق فائض في الموازنة لأول مرة.

ولم يغفل الرئيس الشرع بعض الأولويات التي تأتي على رأس القائمة، وخصوصاً فيما يخص ملف إنهاء المخيمات وإعادة تأهيل البنية التحتية اللذان يتصدران المشهد، مع تخصيص نحو 3 مليارات دولار لدعم المناطق المتضررة. كما يشير إلى أن جزءاً كبيراً من الموازنة موجه لتحسين الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، مع اهتمام خاص بالمناطق الشرقية إلى جانب باقي المحافظات.

وعقب وزير المالية محمد يسر برنية على هذه الموازنة بتأكيده على أنها تمثل نقلة في إدارة المال العام، مع التركيز على مكافحة الفساد وتحسين الشفافية، عبر إطلاق منصة إلكترونية لمتابعة الإنفاق. كما يوضح المستشار شفيق الحسيني أن هناك محاولة لتنظيم عمل الجهات العامة بشكل أفضل، عبر تصنيفها ووضع سقوف واضحة للإنفاق.

أما على مستوى المعيشة، فقد تم إقرار زيادة في الرواتب بنسبة 50%، مع زيادات إضافية لبعض المهن، وتشير التقديرات إلى تحسن أكبر عند احتساب أثر سعر الصرف. وفي الوقت نفسه، تؤكد الحكومة أنها تسعى لتشجيع الاستثمار وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص في إعادة الإعمار، دون الدخول في منافسة معه.

وفي الحقيقة من ينظر إلى الأرقام السابقة، يبدو له المشهد للوهلة الأولى أن التعافي يدق أبواب السوريين لتعود عجلة الزمن بالنسبة للاقتصاد إلى ما قبل عام 2011. لكن للخبراء الاقتصاديين رأي آخر يعكس الأرقام بشفافية أكبر.

قراءات اقتصادية بين التفاؤل والتحفظ

هذه الصورة المتفائلة لم تمر دون نقاش مطول بين الخبراء الاقتصاديين، لذلك تنقلنا بينها لنحاول الوقوف على مواطن الانتقاد، ونحاول فهم معنى الموازنة وتقديراتها وانعكاساتها على السوريين. فبحسب الدكتور زياد عربش، لا يمكن التعامل مع هذه الأرقام وكأنها ثابتة، لأن الاقتصاد السوري ما يزال هشاً، ويمكن أن يتحسن أو يتراجع بسرعة. وهو يشير إلى أن تحقيق الإيرادات المتوقعة ليس مضموناً، خاصة في ظل ظروف غير مستقرة.

كما يلفت إلى أن ارتفاع الناتج المحلي لا يعني بالضرورة نمواً إنتاجياً حقيقياً، إذ قد يكون ناتجاً عن إدخال أنشطة كانت خارج الاقتصاد الرسمي، أو توسع في قطاعات مثل الخدمات والتداول المالي، وهو ما يجعل الصورة أقل وضوحاً مما تبدو عليه. أما بالنسبة للرواتب فإن زيادتها خطوة مهمة، لكنها قد لا تنعكس على حياة الناس إذا لم ترافق بسياسات تضبط الأسعار، لأن التضخم قد يلتهم هذه الزيادة بسرعة.

بينما يقدم الباحث عصام تيزيني نظرة أكثر تفاؤلاً، مشيراً إلى وجود مؤشرات إيجابية مثل الاعتماد على الإيرادات الحقيقية بدلاً من طباعة الأموال، وتحسن التحصيل الضريبي، واستقرار نسبي في سعر الصرف. لكنه رغم ذلك، يشدد على أن الحكم النهائي لا يزال مبكراً، وأن نجاح هذه السياسات يحتاج إلى وقت، وربما عاماً إضافياً على الأقل.

لم تسلم الموازنة العامة من تحفظات والد الرئيس الشرع عليها، فقد قدم الباحث حسين الشرع قراءة تركز على طبيعة الموازنة نفسها، موضحاً أنها في الأساس تقديرات يجب أن تكون قريبة من الواقع. ويشدد على أهمية التوازن بين الإنفاق الجاري (كالرواتب والتكاليف التشغيلية) والإنفاق الاستثماري (المشاريع التنموية)، لأن هذا التوازن هو ما يحدد فعلياً كفاءة الإنفاق العام.

كما يلفت إلى أن الإيرادات تعتمد بشكل كبير على الضرائب، ما يعني أن الموازنة في النهاية يتم تمويلها من جيب المواطن، وهو ما يستدعي دوراً واضحاً للسلطة التشريعية في إقرارها ومراقبتها. ويحذر أيضاً من الاعتماد على الدولار في عرض الأرقام، معتبراً أن ذلك قد يقود إلى “دولرة” الاقتصاد.

وبالنسبة لأرقام النمو، بدى الباحث الشرع أكثر تحفظاً، إذ يرى أن النسب المعلنة قد تكون مبالغاً فيها، وأن جزءاً منها قد يعود لزيادة الكتلة النقدية وليس للإنتاج الحقيقي، كما يشكك في إمكانية تحقيق قفزات كبيرة في الناتج المحلي خلال فترة قصيرة، لأن الاستثمارات تحتاج وقتاً حتى تظهر نتائجها.

الانتقادات والجدل حول الأرقام والآليات

لم تقتصر الانتقادات على الجانب الاقتصادي فقط، فمن يكن على دراية بعالم السياسة يتمكن من رصد موضع الانتقاد بسرعة، خاصة من ناحية الإطار الدستوري ودقة الأرقام. إذ يرى السياسي والباحث رضوان زيادة أن المشكلة تبدأ من طريقة إعلان الموازنة، معتبراً أن إقرارها يجب أن يتم عبر البرلمان، وليس من قبل السلطة التنفيذية، لأن ذلك يمثل تجاوزاً للإطار الدستوري.

كما يؤكد أن الموازنة ليست مجرد أرقام، بل تعكس أولويات الدولة، ويتساءل عن كيفية توزيع الإنفاق، وما إذا كانت هناك مخصصات واضحة لملفات أساسية مثل إعادة الإعمار أو القضايا المرتبطة بالمرحلة الانتقالية كملف المفقودين والعدالة. ويشكك أيضاً في واقعية الأرقام، خاصة في ظل تقديرات تشير إلى نمو اقتصادي محدود، معتبراً أن الحديث عن فائض مالي كبير، لا ينسجم مع واقع الفقر الواسع ووجود أعداد كبيرة من النازحين.

في حين قدم الباحث ماركو علبي نقداً تفصيلياً، يبدأ أيضاً من مسألة إقرار الموازنة، مؤكداً أنها قانون لا بد أن يمر عبر البرلمان. ثم يشير إلى تناقض واضح في الأرقام، حيث تم الإعلان عن موازنة بقيمة 10.5 مليارات دولار، بينما كانت التقديرات قبل فترة قصيرة عند حدود 5 مليارات، ما يطرح تساؤلات حول مصدر هذه الزيادة.

ويرى أن جزءاً من هذا الارتفاع قد يكون نتيجة إدخال مناطق لم تكن محسوبة سابقاً ضمن الاقتصاد الرسمي كالمحافظات الشرقية، وليس بسبب نمو حقيقي، مما يجعل الرقم الفعلي أقرب إلى 5 مليارات. كما يشدد على أن تقييم الموازنة لا يمكن أن يتم دون معرفة تفاصيلها، مثل مصادر الإيرادات، وحجم العجز أو الفائض، وآلية الإنفاق، معتبراً أن غياب هذه البيانات يحولها إلى خطاب سياسي أكثر من كونها خطة اقتصادية.

ويشير أيضاً إلى أن عام 2025 لم يشهد موازنة تقليدية، بل تم الاعتماد على القاعدة الإثنا عشرية، وهو ما يضعف أساس المقارنة عند الحديث عن الزيادة الحالية. كما ينتقد توزيع الإنفاق، معتبراً أن ارتفاع نسبة الإنفاق الجاري أي (الرواتب والتكاليف التشغيلية اليومية) مقارنة بالاستثماري قد يحد من القدرة على تنفيذ مشاريع تنموية، خاصة في ظل سياسة تقليل السيولة.

أما في ما يتعلق بالناتج المحلي، فيرى أن الأرقام المطروحة غير واقعية، لأن الوصول إلى مستويات ما قبل الأزمة خلال فترة قصيرة يتطلب معدلات نمو مرتفعة جداً، وهو أمر صعب في اقتصاد خارج من حرب طويلة. وبالنسبة للرواتب يوضح أن زيادتها لا تعني بالضرورة تحسن المعيشة، لأن العامل الحاسم هو القدرة الشرائية، التي قد تتراجع مع ارتفاع الأسعار.

باختصار، يتمنى كل السوريين أن تكون الأرقام المطروحة في الموازنة العامة واقعية وقابلة للتطبيق، خصوصاً لكونها تعود عليهم بتحسن الوضع المعيشي، لكن الانتقادات التي تشير إلى وجود مبالغات فيها تحولها إلى حلم مطارد إن صحّت. والجدير بالذكر أن الموازنة محكوم عليها بالنجاح في حال دوران عجلة الإنتاج لتكون الإيرادات ناتجة عنها.

اقرأ أيضاً: كيف سيعيد النفط رسم الاقتصاد بعد عودته إلى حضن الدولة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى