مهر العروس.. من عرف اجتماعي إلى بورصة مالية معيقة للزواج

بقلم هلا يوسف
كان وما زال مهر العروس موضع نقاش اجتماعي واسع، خصوصاً بعد أن أصبح اليوم يقدّر بالدولار وليرات الذهب والعقارات، وتحوله إلى أحد العوائق الكثيرة التي تقف أمام خطوة الزواج. وصار تريند “أميراً في بيت أبي” عنوان كل شاب لا يملك ما يطلبه أهل العروس منه، خصوصاً بعدما أصبح هذا الموضوع خطوة أساسية يتوقف عندها الطرفان، وكأن هناك أزمة ثقة وقيمة معنوية يتم ترجمتها عبر مهر مقبوض، أو مكتوب في ورقة، لكنه لا يؤسس لحياة زوجية مستقرة. وهذا ما يجعلنا نعود للماضي، لمعرفة طريقة تقديرها، واختلافها بين المحافظات، وصولاً إلى يومنا هذا الذي تحول فيه الزواج إلى عبء مادي ومعنوي على الشاب.
مهر العروس.. تعبيرٌ عن المحبة والمكانة
إذا فتحنا كتاب الماضي في هذا الموضوع، سنجد أن المهر كان عرفاً اجتماعياً مقبولاً لدى الغالبية العظمى، حيث كان البعض يرى فيه: طريقة للتعبير عن المحبة! تحدثنا أم أحمد عن مهرها بقولها: كان “المقدم 15 ألف ليرة سورية ومتلهن مأخر” وأكدت أن مهرها كان يعد مرتفعاً في ذلك الوقت، وأصرت أن تخبرنا أن أهلها لم يطلبوا هذا المبلغ، بل سجل أبو أحمد هذا المبلغ من تلقاء نفسه على الرغم من اعتراض والديها على هذا التصرف.
وبما أن الزواج كان مناسبة اجتماعية يتم فيها عرض تفاصيل التحضيرات أمام العائلات، كان المهر أحد هذه التفاصيل التي تعبر عن مكانة العائلات وعاداتها. فتقول لنا أم أحمد أنها تفاخرت بالمهر الذي سجله لها عريسها أمام صديقاتها في ذلك الوقت. حتى كان هناك نوعاً من المنافسة غير العلنية بين العائلات في هذا الموضوع، فمن يسجل لابنته مهراً عالياً، فمعنى ذلك ابنته غالية عليه.
ويعد المهر أو “صداق المرأة” هو الحق المالي أو العيني الذي يقدمه الزوج تعبيراً عن جديته ورغبته في الزواج. وغالباً ما يتم تحديده بالتراضي، ثم تسجيله في عقد الزواج، وقد يكون مالاً أو ذهباً أو حتى لباساً، كما يمكن الاتفاق على تأجيله أو تعجيله بحسب العادات السائدة.
وينقسم المهر إلى “المقدم” وهو المبلغ الذي يدفعه الزوج عند عقد الزواج لتجهيز الزوجة وتهيئة بداية الحياة الزوجية، في حين يُقصد “بالمؤخر” ما يدفع فيما بعد، غالباً عند الطلاق أو انتهاء العلاقة الزوجية. لكن هذا التقسيم لا يُطبق بنفس الطريقة في كل المناطق، إذ تختلف تفاصيله من مكان إلى آخر بحسب العادات المحلية.
عادات مختلفة حول سوريا للمهر
في بعض البيئات، مثل بعض مناطق مدينة حلب، يأخذ الموضوع شكلاً مختلفاً، إذ يتم أحياناً الاتفاق على أن يبقى المقدم غير مستلم فعلياً إلا في حال حدوث الطلاق، بحيث تحصل الزوجة عليه مع المؤخر في تلك الحالة فقط، رغم أنها قد تحصل في المقابل على ذهب عند الزواج. وبمعنى أن يرتبط تقديم المال المتفق عليه عند التسجيل في المحكمة بحالات الطلاق فقط.
أما في ريف دمشق، فلديهم عادات مختلفة للمهر، حيث يتم الاكتفاء بمبلغ رمزي كمؤخر، وهو ما يفهم اجتماعياً كنوع من التأكيد على رفض فكرة الطلاق من الأساس، وكأن تقليل قيمة المؤخر يحمل رسالة ضمنية بأن العلاقة يفترض أن تستمر دون وصول إلى الانفصال. وهنا لا ينظر إلى المهر كرقم كبير بقدر ما يُنظر إليه كرمز للعلاقة واستقرارها.
وفي مناطق أخرى مثل محافظة الحسكة، للمهر وظيفة معينة، حيث يتم تقديم “المقدم” في العادة لتجهيز احتياجات العروس الشخصية ومستلزمات المنزل، بينما يكون المؤخر رمزياً أو محدود القيمة، وغالباً ما يربط أيضاً بالذهب. وهذا يعكس طبيعة المجتمع هناك، الميالة لجعل المهر جزءاً من تجهيز الحياة اليومية وليس مجرد التزام مالي مؤجل.
ومع ذلك، يرى بعض رجال الدين أن هذا التقسيم بين مقدم ومؤخر لم يكن موجوداً بالشكل المتعارف عليه اليوم، وأن الأصل في المهر أنه وحدة واحدة، بينما جاء هذا التقسيم فيما بعد بسبب العادات الاجتماعية المتغيرة. ويشير الشيخ محمد الصبيح، عضو رابطة العلماء في بلاد الشام، إلى أن هذا التقسيم وإن كان عرفياً، إلا أنه لديه قبول اجتماعي، وهو بالأصل لا يتعارض مع الشرع ما دام يحصل بالتراضي.
وفي بعض المجتمعات، يكون المهر تعبير رمزي بكل معنى الكلمة، ويكون له بعد معنوي أكثر من المادي، ففي بعض عائلات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يتم الاكتفاء في بعض الحالات بمقدم رمزي مثل “مصحف”، في إشارة إلى أن الهدف ليس المال بقدر ما هو بناء علاقة قائمة على الاحترام والنية الصادقة. في حين يتوقع من العريس تقديم الذهب واللباس وبقية الالتزامات من تلقاء نفسه، وبحسب مقدرته المادية، وتُظهر العائلة ما يعرف بالتعفف، وكأنها تؤكد أن ابنتها ليست سلعة أو موضع للمساومة بل شريكة حياة.
كما تظهر فكرة التعفف أيضاً في بعض المناطق الأخرى، حيث تنتشر عبارات اجتماعية تعبر عن هذا المعنى بشكل مباشر، مثل العبارة التي يقولها بعض الأهالي “اللحم إلكن والعظم إلنا”، والتي تُستخدم للدلالة على أن الابنة ليست موضع مساومة مالية، وأن القيمة الحقيقية تكمن في الشراكة والمسؤولية وليس في المبالغ المدفوعة. هذه العبارات تنتشر بشكل خاص في بعض مناطق حمص وأجزاء من الريف الدمشقي، وتعكس رؤية اجتماعية تعتبر أن الحماية والارتباط أهم من التفاصيل المادية.
وعلى الرغم من وجود هذا الطابع الرمزي في بعض المناطق، إلا أن هناك مناطق أخرى تتجه إلى المبالغة في المهور كنوع من إظهار الكرم أو المكانة الاجتماعية. ففي بعض بيئات العشائر في دير الزور، ينظر إلى المهر باعتباره تعبيراً عن الشهامة، وقد يصل في بعض الحالات إلى مبالغ كبيرة جداً مقارنة ببقية المناطق، خاصة عندما تكون العروس من عائلة ذات مكانة اجتماعية بارزة مثل “ابنة شيخ العشيرة”. حتى بعض المهور بقيت محفوظة في ذاكرة الماضي بسبب الأرقام الكبيرة التي تم تسجيلها.
أما الذهب، فقد أصبح عنصراً أساسياً في معظم مناطق سوريا، لكنه لا يُعامل دائماً بالطريقة نفسها. ففي بعض المناطق لا يتم تسجيل كمية الذهب في العقد، بل يتم تركه كهدية يقدمها الزوج للعروس، بينما في مناطق أخرى يتم تحديده بدقة ضمن الاتفاق، وأي نقص فيه قد يتم النظر إليه على أنه تقليل من قيمة العروس وعائلتها، أو دليل على بخل العريس.
أما في الساحل السوري فكانت العادات القديمة توجب على والد العروس أن يقبض مهرها من العريس وهذا يعد كهدية للعروس، بينما يعاود دفع نفس المبلغ في العرس لابنته، وهذا يقال له “نقوط عرسها”، بينما في المال المتبقي من المهر قد يزوج به ابنه، طبعاً بعد موافقة العروس أن يتزوج أخوها بمهرها. وهذه العادات كانت تطبق في بعض العائلات، ومع تطور الحياة، أصبحت معظم العائلات الساحلية تضع المهر الذي يتفقون عليه مع العريس.
المهر اليوم.. سبب من أسباب عدم الإقبال على الزواج
الكلام السابق كان يطبق قبل أكثر من عقدين، عندما كان هناك نوعاً من الاستقرار المادي للشباب المقبلين على الزواج، وعندما كان باستطاعة الأهل مساعدة أبنائهم في تكاليف الزواج. أما اليوم فقد تحول الزواج إلى عبء مادي على الشباب، حتى أصبح معظمهم يفضلون البقاء دون زواج على أن يخوضوا معركة المساومة على المهر والمنزل والعرس وغيره من التحضيرات.
فبحسب المحكمة الشرعية في دمشق، تم تسجيل تراجع إضافي في معدلات الزواج بنسبة وصلت إلى نحو 25% مقارنة بما كانت عليه قبل التحرير، على الرغم من زوال بعض العوائق السابقة مثل شرط إنهاء الخدمة الإلزامية وانتهاء حالات ما كان يُعرف “بالزواج المكتوم” للأكراد. لكن هذا التغيير لم ينعكس على زيادة الزواج، بل استمر التراجع بشكل واضح.
فالمهر الذي يعد خطوة ضرورية في الزواج، أصبح يقاس بالدولار والذهب، وإذا تم قياسه بالليرة السورية، فيتم طلب تسجيل مئات الملايين. وهذا التحول الكبير بين الماضي والحاضر جاء نتيجة تراجع قيمة الليرة بشكل كبير بعد عام 2011، مما دفع الكثير من الأهالي للبحث عن بدائل أكثر استقراراً مثل الذهب والدولار لضمان مستقبل ابنتهم. لكن هذا الحل، رغم أنه يبدو منطقياً من وجهة نظرهم، إلا أنه زاد من تعقيد الزواج ورفع سقف التكاليف بالنسبة للشباب.
هذا الأمر أصبح موضوعاً للنقاش لدى خبراء الاجتماع، إذ يوضح الخبير الاجتماعي نضال البكور، المختص بالدعم النفسي والاجتماعي للاجئين السوريين في مدينة أورفة التركية، أن ارتفاع المهور أصبح أحد أهم أسباب عزوف الشباب عن الزواج. ويشير إلى أن هذا العزوف لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل قد يفتح الباب أمام العلاقات المحرمة شرعياً نتيجة استمرار الاحتياجات الطبيعية لدى الشباب في ظل غياب القدرة على الزواج.
لكن للقانون وجهة نظر أخرى، إذ يقول المحامي فواز خوجة أن القانون السوري لا يضع حداً أعلى أو أدنى للمهر، بل يترك الأمر بالكامل لاتفاق الطرفين، ويتم تسجيله في المحكمة الشرعية مهما كانت قيمته. ويشير إلى أن بعض المهور وصلت إلى أرقام كبيرة جداً وغير مسبوقة. حتى وصلت في حالات معينة إلى ما يعادل مئات آلاف الدولارات، خصوصاً إذا تم تقديرها بالذهب. وهذا ما يجعلها أقرب إلى ثروة مالية كاملة أكثر من كونها مجرد التزام في عقد زواج، الأمر الذي يزيد الفجوة بين القدرة والرغبة في الزواج.
من وجهة نظر الأهالي فإنهم يرون في مهر بناتهم ضماناً لحقوق الفتاة، خاصة في حال حدوث طلاق أو وفاة الزوج. هذا التصور يجعلهم أكثر ميلاً لرفع قيمة المهر أو ربطه بعملات مستقرة مثل الدولار أو الذهب، رغم إدراكهم في الوقت نفسه أن هذا الأمر قد يصعب الزواج على الشباب.
كما ظهرت فكرة تسجيل “ليرات ذهبية” كمهر، كحل عملي في ظل انخفاض قيمة العملة، حيث أصبح البعض يفضل تحديد المهر بالذهب بدلاً من الليرة.
وكانت المهور قبل نحو 30 أو 50 عاماً لا تتجاوز في كثير من الحالات بضعة آلاف من الليرات، بينما اليوم يتم التعامل معها بشكل مختلف تماماً، عبر ما يُعرف “بمهر المثل”، أي إعادة تقديرها وفق الظروف الاجتماعية الحالية، لتجنب الضرر الذي قد يقع على الفتاة عند الطلاق أو الوفاة.
باختصار، هناك خلل واضح في موضوع المهر في سوريا، فغياب المرونة في التعامل بين أهل العروس والعريس يفضي إلى الخلاف. وربما لحالات الخيانة والطلاق التي يعيشها المجتمع السوري دور في رفع سقف المهور من قبل أهالي الفتاة، وعدم قبول الشاب لهذه المبالغ المطلوبة. وبالتالي في الحقيقة هي أزمة ثقة بين طرفين لا يعرفان بعضهما حق المعرفة.
اقرأ أيضاً: عادات الزواج في سوريا: من الداية وحمام السوق إلى زواج الأونلاين









