مهرجان صيف حوران.. حين تعود الحياة إلى درعا من بين الركام

بقلم: ريم ريّا
في حوران ما زالت آثار الحرب ظاهرة على جدران البيوت، اختارت درعا أن تستقبل الناس بالموسيقى والفعاليات الترفيهيه والمنتجات محلية الصنع والتي تعبر عن التراث الحوراني بدلاً من أن تترك المشهد كاملاً للركام. هكذا جاء “مهرجان صيف حوران” في حي القوتلي، حاملاً أكثر من معنى يتجاوز فكرة إقامة فعالية صيفية لعدة أيام. المهرجان الذي افتتحته وزارة الثقافة ومحافظة درعا يجمع بين النشاط الثقافي والاجتماعي والتجاري، لكنه في الوقت نفسه يقدم صورة مختلفة عن المحافظة التي عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الحرب والدمار والتهجير.
فأن يقام مهرجان في منطقة ما زالت آثار القصف والدمار حاضرة فيها، يعني أن المكان نفسه بدأ يستعيد وظيفته كمساحة للناس، لا كذكرى للحرب فقط.
ماذا يقدم المهرجان لحوران؟
أهمية المهرجان بالنسبة إلى حوران تبدأ من إعادة تنشيط الحياة العامة. فالفعاليات الثقافية والاجتماعية تمنح السكان فرصة للالتقاء واستعادة جزء من النشاط الذي تراجع خلال سنوات الحرب. كما أن مشاركة أصحاب الفعاليات التجارية وطرح منتجات بأسعار مخفضة تضيف جانباً اقتصادياً إلى المهرجان، إذ يستفيد أصحاب المحال والمنتجون من حركة الزوار، بينما يجد الأهالي فرصة للتسوق ضمن أجواء مختلفة عن الحياة اليومية المعتادة.
وهذا النوع من الفعاليات يمكن أن يشكل مساحة للتعريف بالمنتجات المحلية والحرف اليدوية التي يشتهر بها أهالي درعا والأنشطة التي تتميز بها المحافظة، تحديداً في حالتحولت الفكرة من مهرجان موسمي إلى برنامج مستمر على مدار العام، إن أمكن ذلك.
الاقتصاد المحلي يستفيد من حركة الناس
قد تبدو الفعاليات الثقافية بعيدة عن الاقتصاد وأقرب إلى الترفيه، لكنها في الواقع ترتبط به بصورة مباشرة. فعندما يجتمع الناس في مكان واحد، تتحرك المطاعم والمحال والبسطات ووسائل النقل والخدمات المختلفة فيتحرك الجو العام للمحافظة ويتحقق مردود للجميع. وتزداد فرص أصحاب المشاريع الصغيرة في البيع والتعريف بمنتجاتهم، كما يمكن للفعاليات المنظمة أن تفتح المجال أمام مشاريع جديدة مرتبطة بالسياحة والثقافة والترفيه.
وفي محافظة مثل درعا، التي تحتاج إلى إعادة تحريك قطاعاتها الاقتصادية بعد سنوات الحرب، يمكن لأي نشاط يجذب السكان والزوار أن يكون جزءًا من دورة اقتصادية أوسع، شرط استمرار هذه الفعاليات وعدم بقائها مناسبات عابرة.
الثقافة تعود إلى المشهد
يحمل المهرجان أهمية خاصة من الناحية الثقافية، تحديداً عند الحديث عن مشاريع لإعادة تنشيط المشهد الثقافي في المحافظة وإحياء مهرجان بصرى الشام التاريخي. فدرعا ليست محافظة زراعية وتجارية فقط، بل تمتلك إرثاً حقيقياً تاريخياً وثقافياً وتشكل مقصداًوسياحياً يمكن أن يشكل قاعدة مهمة لاستعادة حضورها.
وتكمن قيمة هذه الفعاليات في أنها تعيد ربط السكان بأماكنهم وتراثهم، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة لرؤية محافظتهم من زاوية مختلفة عن تلك التي فرضتها سنوات الحرب. وفي حال ترافق ذلك مع إعادة تأهيل المواقع الأثرية، وتنشيط السياحة الداخلية، ودعم الفنانين والحرفيين والفعاليات الثقافية في المحافظة، فيمكن للثقافة أن تصبح أحد أبواب التعافي المحلي.
اقرأ أيضاً: موسم طرطوس السياحي 2026.. عودة الفعاليات وتنشيط الساحل
مهرجان في حي متضرر.. الرسالة الأهم
تكمن رمزية “صيف حوران” في المكان أكثر من أي شيء آخر. إقامة الفعالية في حي ما زالت آثار الدمار واضحة فيه تحمل رسالة بسيطة يفهمها سكان درعا قبل غيرهم… “المكان الذي شهد الخوف يمكن أن يشهد الفرح أيضاً”.
وهذا لا يعني أن آثار الحرب اختفت، فالجدران المهدمة والبيوت المدمرة ما زالت موجودة، والذاكرة المحلية ما زالت تحمل الكثير من القصص الثقيلة. لكن تحويل المكان إلى مساحة فرح وبهجة يلتقي فيها الناس ويبيع أصحاب المحال منتجاتهم ويشارك الأطفال والأهالي في الفعاليات يمثل بداية لاستعادة الحياة الطبيعية. فالمهرجان ما هو إلا محاولة لاستعادة المكان من ذاكرة الحرب إلى ذاكرة المدينة والبهجة.
أفادت المحافظة ووزارة الثقافة عن استمرار الفعاليات وإعادة إحياء مهرجان بصرى الشام، وهو ما يعطي “صيف حوران” أهمية أكبر من كونه مناسبة عادية،فالتحدي الحقيقي ليس في تنظيم مهرجان ناجح ليوم أو عدة أيام، وإنما في بناء برنامج ثقافي واجتماعي واقتصادي مستمر يجعل درعا حاضرة طوال العام.
ويمكن لهذا البرنامج أن يشمل المعارض والأسواق الشعبية والفعاليات الفنية والأنشطة الشبابية والمهرجانات التراثية، إلى جانب الاستثمار في المواقع الأثرية والسياحية. بهذه الطريقة يمكن أن تتحول الفعالية من حدث مؤقت إلى جزء من عملية أوسع لإعادة تنشيط المدينة والمحافظة.
حوران تحتاج إلى أكثر من الفرح
الفرح مهم، لكنه وحده لا يكفي. درعا تحتاج بالتوازي إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم المشاريع الصغيرة، وتحريك الأسواق، وتحسين الخدمات، وترميم المواقع الثقافية والأثرية، وخلق فرص عمل للشباب. لكن الفعاليات العامة تبقى جزءاً من هذه العملية لأنها تعيد الناس إلى الشوارع والمساحات العامة، وتمنح المجتمع فرصة لاستعادة الروابط التي أضعفتها سنوات النزوح والانقسام والخوف.
ولهذا فإن “مهرجان صيف حوران” يمكن النظر إليه كإشارة إلى بداية مسار، لا كنهاية الطريق. فحوران التي عرفت طويلاً بأنها أرض الزراعة والتجارة والتاريخ، تحاول اليوم أن تضيف إلى صورتها مشهداً جديداً، مدينة تعيد ترتيب حياتها، وتستعيد أسواقها وفعالياتها ومساحاتها العامة، وتبحث عن مكانها من جديد على الخريطة الثقافية والسياحية السورية.
في النهاية، قد لا يغير مهرجان واحد شكل درعا، لكنه يستطيع أن يفعل شيئاً أكثر بساطة وأهمية، ألا وهو أن يذكر أهلها بأن المدينة ليست ما تركته الحرب خلفها، بل ما يختار أهلها أن يبنوه بعدها.









