عودة مؤجلة منذ 2019: مهجرو رأس العين عالقون في دائرة الانتظار

بقلم: ديانا الصالح
مهجرو رأس العين أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما الخيمة التي لم تعد تقي من حر الصيف ولا من برد الشتاء، أو المدينة التي لاتزال العودة إليها ممتلئة بالآمال والمخاطر، فقسوة المخيمات وتردي الأوضاع الإنسانية فيها تواجهها صعوبة العودة، لترتفع الأصوات مطالبة بحقٍّ مؤجل، تلك الاحتجاجات التي تلخص معاناة نزوح طال وقته ولم ينطفئ بعد.
مهجرو رأس العين عالقون بين النزوح والعودة المؤجلة!
6 أشهر مضت على الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية وقوات قسد، لكن مهجري رأس العين ما زالوا عالقين في المخيمات، لذلك اندفعوا لتنظيم سلسلة من الوقفات الاحتجاجية أمام مبنى محافظة الحسكة، أملاً بأن يصل صوتهم ويفسر لهم أحد المسؤولين سبب تأخر عودتهم، ويضمن لهم عودتهم الآمنة إلى منازلهم بعد سنوات النزوح.
المشاركون في الاعتصامات أكدو أن مطلبهم واحد، ولا يتجاوز حقهم في العودة إلى مدينتهم واستعادة حياتهم الطبيعية، خاصة أن استمرار تأجيل هذا الملف يزيد من معاناة آلاف الأسر التي نزحت منذ عام 2019، وذلك بالتزامن مع عمليات إعادة النازحين إلى مناطق سورية أخرى ولاسيما مدينة عفرين.
نزوح بلا أمل ومعاناة تتجدد كل عام
بدأت معاناة آلاف السكان من رأس العين مع العملية العسكرية التي شهدتها المنطقة في عام 2019، والتي أجبرتهم على مغادرة منازلهم بحثاً عن الأمان، لكنهم لم يكونوا يعلمون أن البحث عن الأمان سيتحول إلى بحث عن استقرار وأمل يتجدد كل يوم بالعودة.
ففي الوقت الذي اعتقد فيه الكثيرون أن أزمة النزوح لن تستمر سوى أيام أو أسابيع، تحولت هذه الأسابيع إلى سنوات من التهجير وواقع طال أمده، وما يزال يفرض نفسه على الآلاف من العائلات حتى اليوم، وعلى الرغم من تغير المشهد وكل المتغيرات المرتبطة به، إلا أن غالبية المهجرين لم يتمكنوا من العودة إلى مناطقهم الأصلية، مع استمرار المخاطر الأمنية والأضرار التي أصابت بيوتهم والبنية التحتية.
في الوقت الذي تتفاقم فيه معاناتهم في المخيمات ومراكز الإيواء، مع تراجع الدعم الإنساني وارتفاع تكاليف المعيشة، ليصبحوا بهذه الصورة عالقين في واقع يزداد قسوة.
14 ألف عائلة على قوائم العودة
في الوقت الذي يواصل فيه مهجرو رأس العين مطالبهم بتسريع عودتهم، تؤكد لجنة مهجري رأس العين أنها قطعت شوطاً جيداً في الجوانب التنظيمية الخاصة بالملف، وأكدت المتحدثة باسم اللجنة في مدينة الحسكة زهرة سماعيل، أن اللجنة جهزت قاعدة بيانات شاملة للراغبين بالعودة، وضمنت 14 ألف عائلة من أبناء رأس العين.
وأشارت سماعيل إلى أن القوائم أرسلت إلى الحكومة السورية، بهدف تنظيم عملية إعادتهم إلى بيوتهم وضمان حقوق المسجلين، مضيفة أن اللجنة تتابع مع الجهات المعنية لاستكمال مختلف الإجراءات الإدارية والفنية اللازمة، وذلك تمهيداً لإطلاق أولى دفعات العائدين.
الوعود الكثيرة التي تلقتها اللجنة كانت تشير إلى بدء عودة الأهالي عقب استمرار ترتيبات عودة نازحي عفرين، فيما أكدت سماعيل أن ملف المخاطر الأمنية، يعتبر أحد أبرز محاور الجدل والنقاش وما يرافقه من ترتيبات تنفيذية تتعلق بآليات العودة.
عشرات الآلاف غادروا رأس العين وينتظرون العودة
تعتبر أزمة مهجري رأس العين واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدتها منطقة شمال شرقي سوريا خلال سنوات الحرب، ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للغذاء، فهناك نحو 70 ألف شخص نزحوا من رأس العين وتل أبيض في الأيام الأولى من عملية “نبع السلام” عام 2019.
وتذهب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسيف، إلى أكثر من ذلك، حيث تقدر نزوح نحو 70 ألف طفل خلال الفترة الأولى من التصعيد، وبعد مرور سنوات على موجة النزوح الأولى، لا يزال عدد كبير من أبناء رأس العين خارج مدينتهم، وسط غياب إحصائية دولية تفصيلية محدثة، تفصل بين مهجري رأس العين وبين باقي نازحي المنطقة.
عودة عفرين تضع ملف رأس العين على قائمة الانتظار
في وقت يترقب فيه مهجرو رأس العين بدء الخطوات التنفيذية لعملية إعادتهم إلى مدينتهم، يبدو أن ملف عودتهم لا يزال مرتبطاً بتطورات ملفات نزوح أخرى، أولها عودة مهجري مدينة عفرين.
فخلال الفترة الأخيرة بدأت قوافل العودة باتجاه عفرين ضمن تفاهمات بين الحكومة السورية و”قسد”، وتناولت ملفات الإدارة المحلية والخدمات وعودة السكان.
وأشارت الجهات الرسمية إلى أن استكمال مراحل عودة نازحي عفرين يسبق الانتقال إلى ملف رأس العين، حيث أكد عضو الفريق الرئاسي مصطفى عبدي خلال إشرافه على إحدى قوافل العودة إلى عفرين، أن العمل يجري على تسيير دفعات إضافية قبل البدء بإعادة مهجري رأس العين الموجودين في مدن الحسكة إلى مناطقهم.
بالتالي فإن هذا التسلسل يضع ملف رأس العين على قائمة الانتظار، لاسيما أن أولى قوافل العودة إلى المدينة ما تزال مرتبطة باستكمال الترتيبات الخاصة بعودة عفرين، رغم استمرار مطالب المهجرين بإنهاء سنوات النزوح والبدء بإجراءات عودتهم.
اتفاق 29 كانون الثاني
يدخل ملف عودة مهجري رأس العين ضمن بنود اتفاق 29 كانون الثاني الموقع بين الحكومة السورية وقوات قسد، والذي تضمن ملفات مرتبطة بعودة السكان إلى مناطقهم، وتسهيل استعادة الممتلكات والأراضي، فضلاً عن قضايا تتعلق بالإدارة والخدمات.
ومنذ لحظة الإعلان عن الاتفاق، يترقب الآلاف من المهجرين في محافظة الحسكة، بدء تنفيذ ما يتعلق بملف رأس العين وسط آمال بأن يشكل الاتفاق بوابة لإنهاء سنوات النزوح، وعلى الرغم من إحراز تقدم في بعض الملفات الأخرى، لا تزال عودة أهالي رأس العين تراوح مكانها، في ظل استمرار النقاشات حول الترتيبات اللازمة وآلية التنفيذ وموعده.
ومع تواصل مطالب المهجرين وتحركاتهم الاحتجاجية، يبقى ملف العودة مرتبطًا بانتقال البنود المعلنة من إطار التفاهمات إلى خطوات عملية، تحدد موعداً واضحاً لبدء عودة الأهالي وإنهاء حالة الانتظار، التي يعيشها آلاف الأشخاص منذ مغادرتهم منازلهم.
وبناء على ذلك، لا يمكن اختصار قضية مهجري رأس العين في أرقامٍ أو قوائم انتظار، فهي حكاية آلاف الأشخاص الذين توقفت تفاصيل حياتهم عند لحظة مغادرة منازلهم، فخلف كل عائلة سجلت على قوائم العودة، هناك منزل ينتظر أصحابه وأرض توقفت علاقتها بمن كانوا يعتمدون عليها، وتوجد ذكريات مرتبطة بمكان لم يتمكنوا من استعادة وجودهم فيه حتى الآن.
وهكذا يبقى السؤال الأهمّ بالنسبة للنازحين مفتوحاً: متى تتحول وعود العودة إلى واقع ملموس، يعيد لهم حقهم في الاختيار بين البقاء أو الرجوع إلى مدينتهم بعد سنوات من الانتظار؟
اقرأ أيضاً: شلل مستشفى رأس العين.. أزمة صحية تتفاقم بين الأسباب والواقع والحلول









