من ITB إلى SYRIX: هل تتحول السياحة والطيران إلى صادرات خدمات؟

الكاتب: أحمد علي
لا تُصدِّر البلدان دائماً ما تزرعه أو تصنعه، وأحياناً تُصدِّر «تجربة» كاملة: مقعد طائرة، ليلة فندق، خدمة نقل، مؤتمر أعمال، أو حتى محطة ترانزيت تعبرها البضائع. في الحالة السورية، تتقدم فكرة تحويل السياحة والطيران إلى «اقتصاد خدمات» ليس بوصفها ترفاً، بل كمدخل واقعي لجلب عملة صعبة وتحريك سلاسل توريد للمنتج المحلي. وكما يبدو فإن الفرصة تُقرأ اليوم على خطين متوازيين: منصات دولية مثل ITB في برلين حيث تُصاغ الصورة الذهنية عن الوجهات، ومنصات إقليمية مثل SYRIX التي تراهن على ربط الصناعات السورية بمشترين في المنطقة.
وبين الخطين سؤال جوهري: هل يمكن أن تتحول الخدمات نفسها إلى «صادرات» تشغّل مطارات وفنادق ومرافئ، وتفتح في الوقت ذاته أبواباً لتسويق المنتج السوري؟
صادرات خدمات تبني الثقة
المفهوم هنا ليس نظرياً، فــ «صادرات خدمات» تعني أن البلد يبيع خدماته لغير المقيمين: سائح يدفع بعملة أجنبية، شركة تعقد مؤتمراً، تاجر يمر عبر مطار دمشق أو مرفأ طرطوس، أو شحن جوي يحمل منتجات عالية القيمة. وهذه العوائد عادة أسرع من الاستثمار الصناعي الثقيل، لكنها أكثر حساسية للأمن والسمعة والقدرة على الدفع.
تتحدث الحكومة السورية عن إعادة وصل البلاد بالعالم، ومع خطوات أميركية لتخفيف القيود ثم إعلان إلغاء «قانون قيصر» وفق وزارة الخارجية الأميركية، يزداد هامش الحركة أمام شركات الطيران والسياحة وشركات الدفع. لكن هذا الهامش لا يتحول تلقائياً إلى صادرات خدمات؛ يحتاج إلى قواعد واضحة للامتثال المالي، وإجراءات تأشيرة، ومعايير سلامة، وإدارة شفافة للمرافق.
ITB برلين يختبر الصورة والمنتج
ITB برلين يُقدَّم كأكبر معرض مهني للسياحة، وفي نسخة 2026 يمتد بين 3 و5 مارس وفق الموقع الرسمي ومصادر مدينة برلين. المشاركة في هذا النوع من المنصات لا تعني بيع «رحلات» فقط، بل اختبار سردية البلد: هل يستطيع أن يقدّم منتجاً سياحياً قابلاً للتسعير والتأمين والحجز؟ وهل يملك شركاء دوليين يقبلون المخاطرة بسمعتهم؟
في الداخل، أعلنت وزارة السياحة عن تنظيم «المعرض السوري للسفر» في دمشق بين 14 و16 أبريل، بهدف إبراز المقومات الثقافية وفرص الاستثمار الفندقي، بحسب ما نقلته مصادر صحافية محلية عن بيان الوزارة. هنا يظهر دور القطاع الخاص: من دون شركات قادرة على تقديم باقات، وخدمات نقل آمنة، ونظام شكاوى ومراقبة جودة، لن تتحول المنصات الدولية إلى عقود فعلية.
SYRIX وجسر التوريد الإقليمي
على الضفة الأخرى، يقدم SYRIX نفسه كمنصة لصناعات سورية تُعرض في المملكة العربية السعودية، مع وعود بربط العارضين بمشترين وشراكات توريد طويلة الأمد. وهنا تتقاطع السياحة والطيران مع التجارة بطريقة عملية: كل عقد توريد يحتاج شحناً سريعاً أو على الأقل مساراً لوجستياً موثوقاً، وكل وفد أعمال يحتاج رحلات وفنادق وتأشيرات.
ويعزز تطوير المرافئ هذا التقاطع، فاتفاق DP World لتطوير ميناء طرطوس، إلى جانب ترتيبات لتحديث مرافق في اللاذقية، يُقدَّم كاستثمار في البنية اللوجستية التي تسمح بتحويل «زيارة العمل» إلى مسار تجاري منتظم. لكن النجاح يتوقف على تفاصيل أبعد من الأرصفة: زمن التخليص، شفافية الرسوم، وربط المرفأ بمستودعات وشاحنات وخطوط عبور.
الطيران كناقل تجارة سريع
وفي الطيران، فالمؤشر الأهم هو عودة التشغيل المنتظم، فقد تحدثت وكالة الأنباء الرسمية السورية عن عودة شركات عربية ودولية إلى دمشق وحلب، وزيادة واضحة في حركة العبور عبر الأجواء السورية. كما أعلنت flynas عن شراكة مع هيئة الطيران المدني السورية لإطلاق «flynas Syria»، مع تأكيد من الرئيس التنفيذي بندر المهنا على أن الهدف هو تعزيز الربط الإقليمي والدولي. إذا توسع الربط، يصبح الشحن الجوي ممكناً لقطاعات لا تتحمل بطء البحر: أدوية، قطع تبديل، منتجات غذائية عالية القيمة، أو عينات صناعية تُستخدم لفتح الأسواق.
لكن الطيران أيضاً مرآة السياسة، فالحرب الإقليمية وإغلاق هرمز وما يرافقه من ارتفاع تأمين وحساسية للمجال الجوي يذكر أن صادرات خدمات الطيران ترتبط بالاستقرار، لا بالطلب فقط.
وجهات نظر سياسية مختلفة
في دمشق، يطرح الرئيس أحمد الشرع وحكومته فكرة «إعادة الاندماج» كشرط لتحريك الاقتصاد، ويشير مؤيدو هذا النهج إلى أن تخفيف القيود الغربية والانفتاح العربي يمنح السياحة والطيران فرصة لتصبح صادرات خدمات سريعة العائد.
في المقابل، يرى بعض آخر أن أي توسع في الاقتصاد الخدمي يجب أن يسبقه اتفاق داخلي على إدارة الموارد واللامركزية، حتى لا تُدار المرافق كاحتكار مركزي يفاقم الفجوات. ويضيف فريق ثالث من خبراء الاقتصاد أن تحويل السياحة والطيران إلى صادرات خدمات دون إصلاح مؤسساتي قد يعيد إنتاج اقتصاد هش يعتمد على تدفقات قصيرة الأجل، ما يستدعي حوكمة شديدة، وبيئة تعاقدية واضحة، ومعايير سلامة وإحصاء شفافة.
ختاماً، التحول من «قطاع يبحث عن زوار» إلى «اقتصاد يصدّر خدمات» ممكن نظرياً، لكنه مشروط بثلاث ركائز: سمعة أمنية وقانونية تسمح بالتأمين والحجز والدفع، وبنية نقل ولوجستيات تجعل الرحلة التجارية قابلة للتكرار، وقدرة تسويق تُترجم المشاركة في ITB وSYRIX إلى عقود وشحنات. عندها فقط يمكن أن تصبح السياحة والطيران صادرات خدمات تفتح الأسواق للمنتج السوري، لا مجرد نشاط موسمي يتأثر بأي موجة توتر.
اقرأ أيضاً: أجمل مناطق السياحة الجبلية في سوريا









