سياسة

من يعيد تنظيم «داعش» في سوريا إلى الواجهة؟

منذ ظهوره على الأرض السورية، استفاد تنظيم «داعش» من فراغات الحرب وتنافس القوى، وتحوّل من مشروع “دولة” إلى شبكة خلايا تحاول أن تثبت أنها ما تزال قادرة على الإيذاء. السؤال اليوم ليس هل ما يزال موجوداً، بل كيف يُعاد دفعه إلى صدارة المشهد السوري، ومن أين تأتيه القدرة على التمويل والحركة؟

تنظيم داعش في سوريا اليوم

بلغ التنظيم ذروة التوسع بإعلان “الخلافة” عام 2014، ثم خسر مناطق سيطرته وصولاً إلى سقوط آخر جيب جغرافي له عام 2019، لكنه لم يختف، بل غيّر الشكل: خلايا أصغر، وقيادة أكثر حذراً، وعنف يعتمد على الكر والفر. وفي مرحلة الصعود استفاد من تدفق المقاتلين الأجانب، إذ تذكر مذكرة لوزارة الخزانة الأمريكية أن أكثر من 42 ألف مقاتل أجنبي من 120 دولة سافروا إلى العراق وسوريا بين 2011 و2016.

خريطة النفوذ ومناطق الانتشار

لا يتحرك تنظيم داعش في سوريا اليوم كقوة تمسك مدناً، بل كشبكة خلايا. تقارير فريق الرصد التابع لمجلس الأمن تضع “البادية السورية” في المركز كملاذ رئيسي، وتشير إلى وجود يقارب 300 مقاتل في البادية. وفي تقرير لاحق، يحذر الفريق من أن التنظيم أعاد تنظيم صفوفه سريعاً، وأن البادية بقيت ملاذه الأول، مع توسع خفي نحو مناطق مأهولة قرب دمشق وريف حلب وحمص وجنوب البلاد عبر خلايا متنقلة وشبكات تهريب لتسهيل الحركة.

والنتيجة أن التنظيم لا يحتاج إلى خط جبهة ثابت، بل إلى مساحة فوضى تكفي لضربة ثم اختفاء.

الوزن العسكري بالأرقام الحالية

الأمم المتحدة قدّرت أن قوة داعش المجمعة في العراق وسوريا تقع بين 1500 و3000 مقاتل، مع وجود معظمهم، وبينهم قادة، داخل سوريا. وفي تقرير آخر أكد الفريق أنه يحافظ على ما يصل إلى 3000 مقاتل عبر العراق وسوريا. وعلى مستوى النشاط، يذكر التقرير الأممي نفسه أن التنظيم نفّذ أكثر من 400 عملية داخل سوريا خلال عام 2024.

تتضخم الخطورة بسبب ملف السجون والمخيمات. تقرير المفتش العام الأمريكي لعملية “العزم الصلب” يذكر أن نحو 9000 من معتقلي داعش محتجزون لدى مرافق تديرها قوات سوريا الديمقراطية. وتشير وثيقة لليونيسف إلى أن 27,491 شخصاً، بينهم 17,059 طفلاً، كانوا ما يزالون في مخيم الهول حتى 31 تموز 2025.

وفي لحظات “العودة إلى العناوين”، تتكرر العمليات الكبرى: التقارير تحدثت عن 61 مداهمة و71 اعتقالاً في عمليات استباقية سورية خلال 8 تشرين الثاني 2025، كما نقلت تقارير عن ضرب أكثر من 70 هدفاً في سوريا بعد كمين قرب تدمر في كانون الأول 2025، ثم تناولت تقارير أخرى ضربات بريطانية فرنسية مشتركة ضد منشأة مرتبطة بداعش في 3 كانون الثاني 2026.

وهذه الوقائع تقول إن الوزن العسكري محدود، لكن وزن الإرباك ما يزال مرتفعاً.

اقتصاد الظل وتمويل التنظيم

التمويل اليوم لا يشبه تمويل سنوات السيطرة. وفق مذكرة FinCEN، تقلصت الموارد بعد خسارة الأراضي، وتُقدّر الأموال التنظيمية المتبقية بنحو 10 إلى 20 مليون دولار، أغلبها نقد وسيولة. ويضيف المصدر أن داعش يعتمد حالياً على خليط من ابتزاز محلي و”ضرائب” غير رسمية، وخطف مقابل فدية، وتمويل جماعي وتبرعات بحسب المنطقة. وفي سوريا تحديداً، يذكر تقرير أممي أن خلايا التنظيم استهدفت شاحنات الوقود في دير الزور لابتزاز تجار النفط وجمع المال.

استناداً لذلك، يمكن القول إن تنظيم داعش في سوريا اليوم يعيش على اقتصاد الفوضى والفساد، لا على ممول ثابت.

من يؤثر دون سيطرة

ما نستطيع توثيقه هو “تأثير بلا تحكم”: الأمم المتحدة تربط بين الانقسامات وتراجع ضغط مكافحة الإرهاب وبين فتح مساحة للتخطيط والعمليات. أي صراع جانبي يسحب قوات محلية عن مطاردة الخلايا أو حماية السجون يخلق نافذة للتنظيم. كما أشار المركز الدولي لمكافحة الإرهاب إلى أن التصعيد ضد “قسد” قد يسحب مقاتليها من ملاحقة داعش وحراسة المعتقلين، بما يزيد مخاطر الفوضى أو محاولات الهروب.

كما أن ملف الاحتجاز ليس رقماً فقط، بل عامل قرار سياسي واقتصادي. تقرير المفتش العام الأمريكي يشير إلى أن خفض بعض خدمات الصحة والتعليم والحماية في مخيم الهول بسبب إنهاء برامج مساعدة، مع بقاء الاستجابة الإنسانية دون تمويل كافٍ، يرفع التوتر داخل المخيم ويزيد قابلية الاستغلال من شبكات التنظيم.

وفي المقابل، يذكر التقرير استمرار عمليات إعادة بعض المقيمين، إذ أُعيد أكثر من 2,622 عراقياً من مخيمي الهول والروج خلال الربع الممتد من 1 نيسان إلى 30 حزيران 2025، ومع تغير السلطة في دمشق بدأت عودة سوريين تُنسَّق مع الحكومة السورية الجديدة ووكالات الأمم المتحدة، لكن بطء إعادة الجنسيات الأخرى يترك عشرات الآلاف في بيئة قابلة للتطرف.

أما اتهامات دول بعينها كممول مباشر لداعش، فغالباً لا تسندها أدلة مالية علنية؛ في المقابل، تقارير التمويل تركز على الابتزاز والتبرعات المتفرقة لا على دعم حكومي منظم. وفي تقدير المصلحة فقط، قد تفيد عودة داعش من يريد تبرير وجوده العسكري أو تشديد قبضته الأمنية، لكن الاستفادة من الخطر لا تساوي التحكم به.

اقرأ أيضاً: ضربة بريطانية-فرنسية قرب تدمر: هل تتغير خريطة مكافحة «داعش» داخل سوريا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى