أعمال واستثمار

كم شركة من الـ10,521 بدأت العمل وكم وظيفة أنشأت؟

الكاتب: أحمد علي

سجّلت وزارة الاقتصاد والصناعة 10,521 حالة تأسيس وإصدار سجل تجاري خلال النصف الأول من 2026، لكن هذا الرقم لا يجيب عن السؤال الذي يهم سوق العمل. لم تنشر الوزارة عدد الكيانات التي فتحت أبوابها فعلاً، ولا عدد العاملين الذين تقاضوا أول راتب منها، ولا قيمة رؤوس الأموال التي تحولت إلى إنفاق وإنتاج. المتاح يثبت اتساع حركة التسجيل، بينما تبقى مرحلة التشغيل خارج الجدول المنشور.

يحتاج الرقم أيضاً إلى تصحيح في طريقة عرضه. الحالات المسجلة ليست 10,521 شركة، بل 7,619 سجلاً تجارياً فردياً و2,902 شركة. أي إن أكثر من سبعة تسجيلات من كل عشرة تخص أعمالاً فردية، بينما تمثل الشركات 27.6% من الإجمالي. هذا التمييز يغير قراءة الموجة الجديدة، لأن المتجر الفردي أو النشاط العائلي يختلف في قدرته على التمويل والتوظيف والاستمرار عن شركة محدودة المسؤولية أو مساهمة.

الشركات الجديدة وما تقوله السجلات

تصدرت الشركات محدودة المسؤولية الأشكال المؤسسية الجديدة بعدد 2,087 شركة، وشكلت نحو 72% من الشركات المسجلة. وجاءت الشركات التضامنية بعدها بعدد 713 شركة، ثم 56 شركة توصية و46 شركة مساهمة. يظهر هذا التوزيع أن حركة التأسيس تميل إلى هياكل صغيرة أو متوسطة يملكها عدد محدود من الشركاء، بينما بقي حضور الشركات المساهمة، القادرة نظرياً على جمع رؤوس أموال أوسع، عند مستوى محدود.

تبدو وتيرة التسجيل مرتفعة عند مقارنتها بالأرقام السنوية المنشورة. بلغ إجمالي السجلات والشركات الجديدة 8,675 حالة خلال عام 2024 كله، ثم ارتفع إلى 18,023 في 2025. ما تحقق خلال الأشهر الستة الأولى من 2026 تجاوز حصيلة 2024 بنحو 21%، ووصل إلى 58.4% من إجمالي 2025. غير أن الوزارة لم تنشر أرقام النصف الأول من العامين السابقين، لذلك لا يمكن حساب نمو سنوي دقيق للفترة المماثلة أو معرفة مقدار ما يعود إلى تسارع حقيقي خلال 2026.

عزت الوزارة الارتفاع إلى تحسن بيئة الاستثمار وتفعيل النافذة الواحدة وتبسيط الإجراءات والانفتاح الاقتصادي. وأطلقت في 7 تموز خدمة تأسيس الشركات إلكترونياً، بما يسمح بإدخال الوثائق ومتابعة الطلب عبر البوابة. تساعد هذه الإجراءات على تقليل الزمن والكلفة الإدارية، لكنها تقيس سهولة الدخول إلى السجل أكثر مما تقيس نجاح المشروع بعد الدخول.

قد يمثل جزء من الزيادة ولادة أعمال جديدة فعلاً، وقد يمثل جزء آخر انتقال نشاط قائم من الاقتصاد غير المنظم إلى السجل الرسمي، أو إعادة تسجيل منشأة توقفت، أو تأسيس كيان احتياطي قبل توافر التمويل والموقع. لا تتضمن البيانات تاريخ بدء المبيعات، أو فتح ملف ضريبي نشط، أو اشتراك صاحب العمل في التأمينات، أو إصدار أول فاتورة وأول راتب. لذلك لا يمكن توزيع الرقم بين هذه الحالات اعتماداً على إعلان التأسيس وحده.

تظهر أهمية هذا الفصل عند النظر إلى عبارة «بدأت العمل». الشركة قد تحصل على قرار تأسيس وسجل تجاري، ثم تحتاج إلى مقر وموافقة قطاعية وحساب مصرفي وتجهيزات وعمال. وقد تبدأ نشاطاً خدمياً خلال أيام، بينما يحتاج المشروع الصناعي إلى أشهر قبل تركيب الآلات وتجربة الإنتاج. جمع هذه الحالات في رقم واحد مناسب لقياس العمل الإداري، لكنه لا يقدم صورة متماسكة عن النشاط الاقتصادي الناتج.

الفجوة بين الترخيص والتشغيل

تملك وزارة الاقتصاد نموذجاً سابقاً يوضح إمكان الفصل بين المراحل. في تقرير النصف الأول من 2025 أحصت 936 مشروعاً صناعياً مرخصاً، وقدرت أنها يمكن أن توفر 7,670 فرصة عمل، لكنها سجلت في الفترة نفسها دخول 80 مشروعاً صناعياً إلى الإنتاج وتأمينها 471 وظيفة. كما سجلت 296 مشروعاً حرفياً مرخصاً مع قدرة متوقعة على توفير 1,270 فرصة، مقابل 24 مشروعاً منفذاً أمّنت 50 وظيفة.

لا يجوز تحويل هذه الأرقام إلى نسبة تنفيذ مباشرة، لأن المشروعات التي دخلت الإنتاج في 2025 قد تكون حصلت على تراخيصها في فترة سابقة، ولأن المشروعات المرخصة حديثاً تحتاج زمناً قبل التشغيل. القيمة التي يقدمها التقرير أنه فصل بوضوح بين المشروع المرخص والمشروع المنفذ، وبين الوظائف المتوقعة والوظائف التي تحققت. هذا الفصل غائب عن بيانات الشركات والسجلات المنشورة لعام 2026.

نشرت الوزارة مؤشراً صناعياً أحدث في تموز 2026. بلغ عدد طلبات الاستثمار الصناعي خلال النصف الأول 1,430 طلباً، بينها 996 طلباً لإقامة منشآت جديدة، و317 لتحديث خطوط الإنتاج و117 للتوسعة، مع توقع توفير أكثر من 15 ألف فرصة عمل إذا نُفذت المشروعات. تصدرت حلب الطلبات بعدد 668، ثم ريف دمشق بـ318 وإدلب بـ168، واستحوذت المحافظات الثلاث على 80.7% من الإجمالي.

توضح هذه البيانات اتجاه الاستثمار المحتمل، لكنها لا تقول إن 15 ألف شخص عُيّنوا أو بدأوا تقاضي الأجور. الصياغة الرسمية تتحدث عن فرص متوقعة، والطلبات تشمل إنشاءات جديدة وتوسعات وتحديثاً لخطوط قائمة. كما لا يوجد ربط منشور بين طلبات الاستثمار الصناعي وبين 2,902 شركة جديدة، فقد يقدم الطلب كيان تأسس قبل 2026، وقد تسجل شركة جديدة لنشاط تجاري أو خدمي بعيد عن الصناعة.

يوجد مؤشر آخر يبين صعوبة الانتقال إلى الإنتاج. قالت الوزارة في كانون الأول 2025 إن أكثر من 1,600 منشأة صناعية عادت إلى العمل بعد التحرير، لكن نحو 300 منها فقط دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي آنذاك. الفرق بين العودة الإدارية أو الفنية وبين الإنتاج يبين أن تشغيل المنشأة يعتمد على الكهرباء والمواد الأولية والتمويل والسوق، ولا تحسمه ورقة التسجيل.

يستفيد من زيادة التأسيس المحامون والمحاسبون ودوائر السجل والمصارف ومؤجرو المكاتب منذ المراحل الأولى. أما الباحث عن عمل فلا يظهر أثر الرقم عليه إلا عندما يبدأ المشروع التوظيف ويدفع الأجر بانتظام. وقد يخلق النشاط الفردي وظيفة لصاحبه وحده، بينما توظف شركة صغيرة عاملين أو ثلاثة، وقد تسجل شركة أكبر عشرات العمال. غياب حجم المنشأة والقطاع والموقع يجعل أي تقدير إجمالي للوظائف مجرد افتراض.

كيف يُقاس أول راتب؟

يمكن الوصول إلى إجابة أدق من خلال ربط قواعد بيانات موجودة لدى جهات مختلفة. تملك مديرية الشركات تاريخ التأسيس والشكل القانوني، وتملك السجلات الضريبية مؤشراً على بدء النشاط المالي، بينما تستطيع مؤسسة التأمينات الاجتماعية تحديد تاريخ تسجيل أول عامل وعدد المشتركين لدى المنشأة. وتوضح بيانات الكهرباء والتراخيص القطاعية وشهادات الإنتاج ما إذا كان الموقع دخل التشغيل، ثم تكشف الإقرارات اللاحقة مقدار الاستمرار بعد ستة أشهر أو سنة.

لم تنشر الجهات المعنية حتى الآن لوحة تجمع هذه المؤشرات على مستوى دفعة النصف الأول من 2026. كما لم تعلن مؤسسة التأمينات مقدار الزيادة في أصحاب العمل أو العمال الناتجة عن الشركات الجديدة. المؤسسة دعت في شباط جميع أصحاب العمل إلى تسجيل العاملين وتحديث بياناتهم، وحذرت من المساءلة عند عدم التسجيل. هذه الدعوة تؤكد أن السجل التأميني هو الأداة الأقرب لقياس الوظيفة النظامية، لكنها تكشف أيضاً أن بعض العمال قد يبقون خارج البيانات حتى بعد بدء النشاط.

بلغ عدد العمال المشترك عنهم في القطاع الخاص والتعاوني والمشترك أكثر من 800 ألف وفق رقم أعلنته التأمينات في أيلول 2025. الرقم يعطي حجماً عاماً للعمالة المشمولة بالحماية، لكنه لا يحدد عدد الوظائف الجديدة ولا يربطها بعمر الشركة. كما أن ارتفاع عدد المشتركين مستقبلاً قد ينتج عن توظيف جديد أو تسجيل عمال قدامى كانوا يعملون من دون تأمين، وهما تطوران إيجابيان لكنهما مختلفان اقتصادياً.

تحتاج النشرة المطلوبة إلى تتبع كل دفعة تأسيس من دون كشف بيانات الشركات الفردية. بعد ثلاثة أشهر من التسجيل يمكن نشر عدد الكيانات التي فعّلت ملفاتها الضريبية أو حصلت على ترخيص مزاولة، وبعد ستة أشهر يمكن بيان عدد الشركات التي سجلت عاملاً واحداً على الأقل في التأمينات، ثم نشر مجموع العمال حسب القطاع والمحافظة والشكل القانوني. وبعد سنة ينبغي إضافة عدد الكيانات المستمرة والمتوقفة أو التي لم تبدأ أصلاً.

هذا النوع من الإفصاح سيبين أيضاً أين تتعثر المشروعات. إذا حصلت الشركة على السجل ولم تفتح ملفاً ضريبياً، فقد تكون المشكلة في التمويل أو القرار الاستثماري. وإذا بدأت المبيعات ولم تسجل عمالاً، تظهر فجوة الامتثال والحماية الاجتماعية. وإذا وظفت ثم أغلقت خلال أشهر، يصبح السؤال متعلقاً بالكلفة والطلب والطاقة والقدرة على البقاء. البيانات الحالية تجمع هذه النتائج المختلفة تحت حالة واحدة هي التأسيس.

تملك الحكومة مصلحة مباشرة في نشر المسار الكامل. قياس عدد الطلبات المنجزة يختبر كفاءة الدائرة الحكومية، بينما قياس التشغيل والوظائف يختبر السياسة الاقتصادية نفسها. كما يسمح بفهم القطاعات التي تحول التسجيل سريعاً إلى دخل، والقطاعات التي تحتاج أرضاً أو تمويلاً أو كهرباء، ويوجه الحوافز نحو المشروعات التي تثبت قدرتها على الإنتاج والتوظيف بدلاً من الاكتفاء بعدد الأوراق الصادرة.

المتاح حتى الآن يثبت تسجيل 2,902 شركة و7,619 نشاطاً فردياً خلال ستة أشهر، ولا يثبت كم منها بدأ العمل أو كم وظيفة أنشأ. تقدير 15 ألف فرصة في الاستثمار الصناعي يصف نتيجة محتملة إذا نُفذت الطلبات، وليس رواتب دُفعت. الإجابة عن سؤال العنوان تحتاج ربط السجل التجاري بالتأمينات والضرائب والتراخيص والإنتاج، ثم نشر النتائج دورياً. إلى أن يحدث ذلك، يبقى رقم 10,521 مؤشراً على الرغبة في الدخول إلى السوق، لا حصيلة نهائية لما أضافه السوق من شركات عاملة ووظائف.

اقرأ أيضاً: إطلاق خدمة تأسيس الشركات عبر البوابة الإلكترونية للتجارة الداخلية

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى