من هو جمهور السياسة من السوريين في 2025؟

الكاتب: أحمد علي
بينما يحاول السوريون النهوض من رماد سنوات الصراع الطويلة، يجدر السؤال: ما موقع السياسة بين السوريين؟ وهل لا يزال للسياسة جمهور بين أبناء سوريا اليوم؟ لطالما اعتبرت السياسة في نظر عامة الناس مجالاً معقداً أو حكراً على نخب معينة، وأحياناً كلمة مخيفة ارتبطت بالصراع أو الخيبة. لكن سوريا اليوم تقف على أعتاب مرحلة جديدة، حيث يتحتم على شعب أنهكته الحرب أن يعيد تقييم علاقته بالسياسة ومفهومه عنها. فقد مرّت عقود غابت فيها الحياة السياسية الحقيقة عن المشهد السوري، وتربى جيل كامل على هامش صمت سياسي مفروض أو اختيار العزوف. أما الآن، فإن أسئلة مصيرية تلوح في الأفق: ماذا تعني السياسة حقاً للسوريين اليوم؟ كيف يقيمونها؟ وهل باتت المشاركة في الشأن العام ضرورة لا غنى عنها لكل فرد سوري يتطلع إلى مستقبل أفضل؟
جمهور السياسة من السوريين في 2025
قبل أن نحدد من هم جمهور السياسة السوري اليوم، لا بد أن نتساءل أولاً: ما هي السياسة بالمعنى الحديث؟ ببساطة، السياسة هي مجموعة القرارات والأفعال التي تتخذها الحكومات أو الجماعات لتنظيم شؤون الدولة والمجتمع. بمعنى آخر، السياسة هي فن إدارة حياة الناس وتحقيق مصالحهم المشتركة في المجتمع، وهي بذلك ليست ممارسة سلطوية ضمن المجتمع والدولة، بل أيضاً هي ممارسة وفعل شعبي ضمن المجتمع. قد يبدو هذا الكلام مجرد تعريف أكاديمي، لكن في الجوهر يعني أن السياسة تمس حياة كل مواطن؛ فهي ليست لعبة كبار الساسة فحسب، بل هي كل ما يقرر كيف نعيش يومنا ونرسم مستقبلنا.
أصبحت السياسة في العصر الحديث مرادفاً لتسيير شؤون المجتمع عبر المؤسسات والقوانين. ومع تطور الدولة الحديثة، تحول العمل السياسي إلى نشاط مؤسسي له قواعده؛ ابتداءً من الدستور الذي يحدد شكل الحكم، مروراً بالانتخابات التي تُمكّن الناس من اختيار ممثليهم، وصولاً إلى حرية الصحافة والمجتمع المدني التي تضمن مراقبة الأداء السياسي.. إلخ هكذا غدت السياسة إطاراً يتفق عليه المجتمع لتنظيم الاختلافات وحل المشاكل بطرق سلمية ومنظمة، بدل أن تكون صراعاً بدائياً على البقاء. وهذا الفهم هو ما يجعلنا ندرك أهمية السؤال عن جمهور السياسة السوري: لأن إدراك ماهية السياسة هو الخطوة الأولى لمشاركة أوسع فيها.
لكن من هم السوريون المعنيون بالسياسة اليوم؟ في الحقيقة، السياسة تؤثر في كل فرد في المجتمع بغض النظر عن تعليمه أو خلفيته. لم تعد السياسة حكراً على طبقة المثقفين أو من يحملون لقب “سياسي”؛ فالمشاركة السياسية ممكنة ومتاحة للجميع، سواء من خلال التصويت في الانتخابات، أو الانخراط في النقاشات العامة، أو حتى الانضمام إلى الأحزاب أو الحركات والتجمعات التي تحمل طابعاً سياسياً. كل مواطن له الحق في أن يكون له صوت ودور في صنع القرارات التي تمس حياته اليومية ومستقبل بلده. بناءً على هذا المفهوم الشامل، يمكن القول إن جمهور السياسة يشمل كل سوري مهتم بشؤون بلده ومستعد للمساهمة في رسم ملامح الغد.
كيف ينخرط الشعب في السياسة؟
في البلدان المتطورة مؤسساتياً، نجد المواطن يمارس السياسة بصورة روتينية: يذهب إلى صندوق الاقتراع في يوم الانتخابات، يدلي بصوته ليختار من يمثله، ويشارك في الاستفتاءات على القضايا المفصلية. لكنه لا يتوقف عند هذا الحد؛ فالمواطن الفاعل قد ينضم إلى حزب سياسي أو حركة مدنية، يشارك في المظاهرات السلمية دعماً لإصلاح ما، أو يكتب رأيه عبر الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي مؤثراً في النقاش العام. هذه كلها آليات يمارس بها الناس السياسة ويصنعون بها التغيير.
المشاركة في النقاشات العامة، التطوع في مبادرات مجتمعية، وحتى قرارات استهلاكية معينة (كشراء منتجات شركة ما لموقف أخلاقي) يمكن أن تحمل دلالات سياسية. أي أن السياسة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية أكثر مما نظن.
أما في البلدان غير المتطورة أو التي تعاني من نظم حكم مستبدة، فقد لا تتوفر نفس القنوات الرسمية للمشاركة السياسية. ورغم ذلك، يجد الشعب طرقاً أخرى لرفع صوته. وقد تكون ساحات التظاهر بديلاً عن صناديق الاقتراع عندما تُسد الأبواب أمام التعبير الحر. شهدنا عبر التاريخ الحديث أمثلة لا تحصى لشعوب خرجت إلى الشوارع تطالب بالتغيير حين عجزت عن تحقيقه عبر المؤسسات.
وإن انسدت كل السبل المدنية، قد يلجأ بعض الناس – في أسوأ الأحوال – إلى التمرد وحمل السلاح دفاعاً عن حقهم في تقرير مصيرهم. ولعل التجربة السورية نفسها مثال مرير على ذلك: فحين حُظرت السياسة لعقود تحت حكم الحزب الواحد، لم يكن مستغرباً أن يتحول الاحتقان المكبوت إلى انفجار في الشوارع عام 2011. وكما قال المنظّر العسكري كلاوزفيتز يوماً، “الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى”؛ أي أن غياب الحوار السياسي يفتح الباب أمام عنف بديل يملأ الفراغ.
في سياق سوريا تحديداً، نجد أن من لم يجد مكاناً في مجال السياسة الرسمي ربما مضى إلى ميادين أخرى يعبر فيها عن تطلعاته. البعض اختار طريق النشاط المدني والإعلام البديل ليوصل صوته، وآخرون انخرطوا في الصراع المسلح ظناً بأنه السبيل الوحيد للتغيير حين انعدم أفق الإصلاح السياسي.
وبين هذا وذاك، دفع الشعب ثمناً باهظاً. الدرس المستفاد هنا أن انخراط الشعب بالسياسة – عبر القنوات السلمية والمؤسسات – خير ألف مرة من عزوفه عنها وتركه الساحة خالية، لأنه في الفراغ السياسي تظهر أسوأ البدائل. الشعب الواعي هو الذي “يعمل سياسة” كل يوم: يراقب، يحاسب، يساهم، ويغيّر بالأساليب السلمية المتاحة.
لماذا يرفض كثيرون الانخراط في السياسة؟
على الرغم من أهمية المشاركة السياسية، نشهد حول العالم ظاهرة عزوف جماهيري عن السياسة، خاصة في الديمقراطيات الراسخة. كثير من الناس باتوا يشعرون أن السياسة “لا تطعم الخبز”، وأن الإنشغال بلقمة العيش أهم من تضييع الوقت في جدالات الانتخابات والبرلمانات. ولعل الأرقام العالمية تدق ناقوس الخطر: فقد انخفض متوسط الإقبال العالمي على التصويت إلى نحو 55.5% فقط من الناخبين المؤهلين بحلول عام 2023، بعد أن كان 65.2% في عام 2008. أي أن ما يقرب من نصف من يحق لهم التصويت حول العالم باتوا يعزفون عن صناديق الاقتراع. هذه النسبة المتدنية للمشاركة الانتخابية غالباً ما تُعزى إلى الشعور بالإحباط واللامبالاة وانعدام الجدوى. فكثيرون فقدوا الثقة بأن صوتهم سيحدث فرقاً، أو سئموا الوعود الجوفاء التي لا تغيّر واقعهم المعيشي.
هناك عدة عوامل وراء رفض الناس الانخراط في السياسة. اقتصادياً، قد يرى المواطن أن أوضاعه لم تتحسن عبر الحكومات المتعاقبة، فيستنتج أن السياسة لعبة لا تخصه. اجتماعياً وثقافياً، ربما تنتشر قناعة بأن “جميع السياسيين فاسدون” أو أن صوت الفرد لا وزن له. في بعض البلدان، الخوف أيضاً يلعب دوراً؛ إذ يخشى البعض التعبير عن آرائهم السياسية تجنباً للملاحقة أو الخلاف مع الآخرين. وعلينا ألا نغفل جانب التربية والتعليم، فحين لا يتم تثقيف الناشئة على أهمية المشاركة المدنية، يكبر جيل لا يشعر بالانتماء للعمل العام.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه الصورة القاتمة ليست قدراً محتوماً. فهناك أمثلة إيجابية حيث شهدت دول ارتفاعاً في مشاركة الشباب عندما شعروا أن قضاياهم مطروحة بجدية. وفي أماكن أخرى، أدى ظهور وجوه سياسية جديدة نظيفة الكف إلى إعادة بعض الثقة لدى الناخبين.
أي أن عزوف الناس عن السياسة قابل للمعالجة عبر بناء الثقة وتقديم أداء حكومي يلبي حاجات المواطن ويمس حياته اليومية. فالناس تريد أن ترى الخبز على الطاولة قبل أن تصدق وعود الخطابات الرنانة. أي إن إقناع الجمهور بالعودة إلى السياسة يتطلب إقناعه أولاً بأن السياسة قادرة على تحسين ظروفه وحل مشاكله الحقيقية.
وفي الحالة السورية، هذا التحدي قائم بوضوح: نصف قرن من الشعارات الكبرى لم يمنع طوابير الخبز ولا أزمات الوقود عن المواطن، مما ولّد إحباطاً مزمناً. لكن هل يمكن قلب هذه المعادلة اليوم؟
اليوم.. فرصة السوريين لممارسة السياسة وتشكيل المستقبل
رغم كل ما سبق، تحمل هذه الأيام بارقة أمل وفرصة تاريخية أمام السوريين للعودة بقوة إلى ساحات العمل السياسي. لقد كانت سوريا لعقود طويلة دولة الحزب الواحد والرأي الواحد، حيث هيمنت الأجهزة الأمنية على كل مفاصل الحياة ومنعت أي تعبير سياسي مستقل. عانى السوريون من غياب السياسة الحقيقية، فكل شيء كان محدداً سلفاً، من المناهج المدرسية إلى من يشغل أبسط الوظائف، بتوجيه من السلطة. تحكمت الدولة الأمنية بكل شيء طوال عقود – من ضرورة موافقة المخابرات على تعيين أي موظف، إلى منع الآلاف من السفر لأسباب سياسية، وحجز الأموال والممتلكات، واعتقال المعارضين وتركهم في الأقبية بلا محاكمة. وفي ظل ذلك الواقع الخانق، انصرف الجمهور عن السياسة قسراً، وتعمقت فجوة بين الشعب والشأن العام.
أما اليوم، فالوضع مختلف. صحيح أن الطريق ما زال طويلاً نحو تعافي سوريا سياسياً، لكن مجرد انكسار حاجز الخوف وارتفاع الأصوات المتنوعة يعتبر تطوراً مهماً. هناك سوريون كثر يتحدثون في السياسة الآن: في الداخل يتابع الناس الأخبار ويناقشون مستقبل بلدهم رغم صعوبة الظروف، وفي الخارج نشأت تجمعات ومنظمات تمثل طيفاً واسعاً من الآراء. لم تعد الساحة حكراً على جهة واحدة كما كانت. هذه الانفتاحة – ولو كانت محدودة وبطيئة – تمثل فرصة ينبغي استثمارها. إنها الفرصة المناسبة للسوريين حتى يشتغلوا سياسة بمعناها الأصيل: أن يشارك كل مواطن في تقرير مصير وطنه وبناء مستقبله، وألا يترك القرار حكراً بيد أحد.
ولذلك، إن جمهور السياسة من السوريين هو كل سوري وسورية يؤمن بأن لصوته قيمة وأن بوسعه الإسهام في التغيير. قد يكون هذا الجمهور شاباً جامعياً يحلم بوطن ديمقراطي، أو رب أسرة أنهكه الهم المعيشي لكنه أدرك أن الحل في المشاركة وليس في الصمت.
هو أيضاً المغترب الذي يصوّت في انتخابات الخارج ويقدم خبرته لوطنه، وهو الناشط المدني الذي ينظم حملة توعية حول الدستور والحقوق. باختصار، جمهور السياسة اليوم هو عموم السوريين إذا اختاروا ذلك. والتحدي الكبير هو تحويل هذا الجمهور الكامن إلى قوة فعلية تساهم في صنع القرار، عبر المشاركة في الانتخابات الحرة مستقبلاً، وبناء الأحزاب والمنظمات، والاستمرار في رفع الصوت للمطالبة بالتغيير والعدالة.
لا شك أن الطريق محفوف بالصعوبات؛ فهناك من لا يزال يحاول كتم الأنفاس ومصادرة القرار. لكن التجربة المريرة علّمت السوريين أن إهمال السياسة ليس خياراً آمناً على الإطلاق. الثمن الفادح الذي دفعوه خلال الحرب كان جزء منه نتيجة عقود من الإقصاء السياسي وإنعدام المشاركة الشعبية في الرقابة والحكم.
واليوم، لم يعد مقبولاً العودة إلى الوراء. على كل فرد يشعر بالانتماء لهذا الوطن أن يكون جزءاً من جمهوره السياسي. فهذا الجمهور الواعي الفاعل هو الضمانة بأن لا يصادر أحد قراره مرة أخرى، وهو حجر الأساس في بناء سوريا جديدة يسودها صوت المواطن وحكم القانون.
والتفاؤل هنا ليس ترفاً، بل هو إيمان عميق بقدرة السوريين على النهوض والمشاركة وتغيير واقعهم بأيديهم. هكذا فقط تتحقق الشعارات الجميلة على الأرض واقعاً معاشاً، وهكذا فقط نجيب عن السؤال: من هو جمهور السياسة من السوريين في 2025؟ الجواب: هو جميع السوريين إذا شاءوا ذلك. والأمل معقود أن يشاؤوا، وأن يكتبوا بهذه المشاركة فصلاً مشرقاً لوطنهم يستحقه بعد طول المعاناة.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الأحزاب والمرحلة الجديدة في سوريا









