أعمال واستثمار

من مكاتب الدور إلى شركات الاحتكار.. كيف تحولت أزمة قطاع الشحن إلى صراع وجودي؟

بقلم: علي مصلح

يعيش قطاع النقل البري في سوريا حالة من الغليان، في أعقاب قرار حكومي مثير للجدل. فمن جهة، تسعى الحكومة لإعادة هيكلة القطاع عبر فرض إجراءات جديدة، تبدو في ظاهرها خطوة نحو الكفاءة والشفافية. ومن جهة أخرى، يقف سائقي الشاحنات في وجه هذا القرار، معتبرين أنه ليس مجرد تعديل إداري، بل تهديداً وجودياً يفتح الباب أمام احتكارات جديدة قد تلتهمهم وتُقصيهم عن مصدر رزقهم.

يتناول هذا المقال تفاصيل هذه المعضلة، محاولاً الغوص في دوافع كل طرف، ويطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن أن تكون الهيكلة الحكومية بوابة نحو العدالة، أم أنها ستُفاقم الأزمة وتُحول فساداً مألوفاً إلى فوضى استغلالية أشد قسوة؟

تنظيم عمليات الشحن بين مخاوف الاحتكار ومساعي الهيكلة الحكومية

يعكس إضراب سائقي الشاحنات في محافظات سورية رئيسية تحولاً جذرياً في سياسات قطاع النقل البري، ويكشف عن صدام واضح بين رؤية وزارة النقل الجديدة ومصالح السائقين المستقلين. فمن خلال فرض الانضمام إلى شركات متضامنة تضم خمسة شاحنات على الأقل كشرط أساسي لمزاولة المهنة، وفق ما قضى به التعميم الصادر عن وزارة النقل بتاريخ 11 أيلول من عام 2025، تسعى الحكومة ظاهرياً إلى تنظيم القطاع وإخضاعه لمعايير إدارية ورسمية محددة.

إلا أن هذه الخطوة، من وجهة نظر السائقين المحتجين، لا تمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل هي بمثابة بوابة لسيطرة شركات كبرى على السوق، مما يهدد بتهميش آلاف السائقين الذين يعملون بشكل فردي ويحولهم من مستقلين إلى مجرد عاملين لدى هذه الكيانات الجديدة، وذلك وفق ما أفاد به سائقو الشاحنات المحتجين خلال تصريحات إعلامية.

ويتعمق هذا التوتر مع لجوء السائقين إلى قطع طرق دولية حيوية ولجوء الدولة إلى تهديدهم بشكل مباشر من خلال محاولة قمع حراكهم عن طريق إرسال عناصر أمنية لفض هذه الاحتجاجات، مما ينذر بأن القرارات الأخيرة قد لا تؤدي فقط إلى احتكار اقتصادي، بل قد تشعل أيضاً مواجهة اجتماعية أوسع نطاقاً إذا لم تتم معالجة مخاوف سائقي الشاحنات.

التمسك بالفساد المألوف هرباً من فوضى الاستغلال

يكشف الاستياء العميق في صفوف سائقي الشاحنات عن معضلة معقدة تتجاوز مجرد رفض قرار حكومي جديد. فمن خلال من صرحوا به لوسائل الإعلام، يتضح أنهم لا يدافعون عن نظام مكاتب الدور السابق لكونه مثالياً، بل يعترفون صراحة بأنه كان قد تحول إلى أداة بيد السماسرة. ومع ذلك، فإن مطالبتهم بإبقائه تكشف عن حقيقة مرة، الفساد الذي أفرزته البيئة الجديدة بعد القرار أصبح أكثر قسوة واستغلالاً.

فالانتقال من رسم محدد ومعروف في المكتب، حتى وإن كان خاضعاً للوساطات، إلى دفع مبالغ مضاعفة بالعملة الصعبة لشبكات سماسرة غير رسمية، حوّل معاناتهم من فساد شبه منظم إلى فوضى استغلالية كاملة، فبحسب تصريحات إعلامية لأحد سائقي الشاحنات، قال إنه اضطر مؤخراً لدفع ثلاثين دولاراً للحصول على حمولة من المرفأ، مع أن سعر التذكرة في مكتب الدور خمسة وخمسون ألف ليرة.

وعليه، فإن إضرابهم لا يمثل حنيناً إلى الماضي الفاسد، بقدر ما هو رفض قاطع لواقع حالي يرونه أسوأ، وتمسك بآخر قشة يمكن أن توفر حداً أدنى من العدالة المفقودة وتنظيماً للعمل، حتى وإن كان معيباً.

القرارات الجديدة تحول الأزمة من فساد إلى تهديد وجودي

تتجاوز مشكلة سائقي الشاحنات المحتجين قضية الفساد والسمسرة، لتصل إلى نقد جوهر الإجراءات الجديدة ذاتها، واصفين إياها بأنها أداة للإقصاء الاقتصادي الممنهج. فشرط امتلاك خمس شاحنات لتأسيس شركة لا يُنظر إليه كعقبة تنظيمية فقط، بل كجدار فاصل يهدف إلى استبعاد صغار المالكين من السوق بشكل نهائي، مما يحول الأزمة من مشكلة تتعلق بتوزيع الأحمال والعمولات إلى تهديد مباشر لمصدر رزق شريحة واسعة منهم، وذلك وفق ما صرح به أحد السائقين.

كما إن رفض السائقين للتنظيم بشكله الحالي ليس رفضاً لمبدأ النظام، بل هو رفض لقرارات غير مدروسة يُعتقد أنها تضاعف المعاناة وتفتح أبواباً جديدة للفساد بدلاً من إغلاقها. وبذلك، تتبلور مطالبهم في حل وسطي متوازن بين عدم العودة إلى الفوضى القديمة، واتخاذ إجراءات تنظيمية جديدة تضمن لهم حقوقهم. فكان احتجاجهم بمثابة دعوة إلى إصلاح وتطوير الهياكل القائمة كمكاتب الدور مع معالجة جذور الفساد فيها، مما يعكس وعياً بأن الحل لا يكمن في هدم البناء المتهالك، بل في ترميمه وضبطه.

الرد الحكومي: الحداثة الرقمية في مواجهة حقوق السائقين

يأتي رد وزارة النقل على احتجاجات السائقين ليضع الأزمة في إطار جديد، حيث كشف مدير الاتصال الحكومي في وزارة النقل، حسين العبد الله، خلال تصريحات إعلامية، عن أن الوزارة تعمل على إطلاق منصة رقمية وإدخال القطاع في إطار قانوني منظم. الأمر الذي يُشير إلى أن الوزارة تقدم حلاً ذا طابع تقني وإداري يهدف ظاهرياً إلى تحقيق الشفافية ومنع الاحتكار، وهي نفس الأهداف التي يتهم السائقون القرار الجديد بتقويضها.

ومع ذلك، فإن هذا الرد الرسمي الذي تزامن مع دعوة وزير النقل السوري، بدر يعرب، إلى عقد اجتماع طارئ مع أصحاب المصلحة للاستماع إلى مطالبهم عن قرب، يتجنب بوضوح الخوض في جوهر الأزمة المتمثل في شرط الشركات الخمسية الإقصائي. حيث إن الفجوة بين وعود الوزارة بحماية حقوق أصحاب الشاحنات وبين الواقع الذي يصفه السائقون بالتهديد لمصدر رزقهم، تكشف عن انفصال بين الرؤية الحكومية للمصلحة العامة وبين الأثر الفعلي للسياسات على الأرض. وهكذا، يبدو أن الدعوة للاجتماع هي محاولة لاحتواء الغضب أكثر من كونها مراجعة لأسس القرار، مما يجعل الأزمة تدور حول ما إذا كانت الحداثة التي تنشدها الوزارة ستشمل الجميع أم أنها ستأتي على حساب تهميش الفاعلين الصغار في هذا القطاع الحيوي.

اقرأ أيضاً: قفزة في صادرات المجوهرات وحركة الشحن: كيف تستعيد التجارة بين سوريا وتركيا حيويتها؟

في الختام، يبدو أن التحدي الأكبر اليوم يكمن في الفجوة الواسعة بين الإطار القانوني والواقع الميداني، حيث يشتكي السائقون من تقويض تدريجي للأنظمة التي تم تأسيس مكاتب الدور عليها، والتي كان من المفترض أن تحقق لهم الإنصاف. وما يطالبون به ليس أكثر من تطبيق القوانين القائمة، وعدم السماح لأحد بتجاوزها، الأمر الذي يلقي الضوء على إشكالية تطبيق القوانين ومدى فاعلية المؤسسات المسؤولة في حماية النظام من التجاوزات التي تفرغه من محتواه الأساسي.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى