سياسة

من قاعدة عسكرية إلى مطار مدني.. مطار اللاذقية يستعيد بوابته إلى العالم

بقلم: ريم ريّا

من مطار مدني كان يفترض أن يربط اللاذقية بالعالم، إلى منشأة ارتبط اسمها لسنوات بالوجود العسكري الروسي، ثم إلى مرفق تستعيد الدولة السورية إدارته وتبدأ بإعادة تأهيله من جديد، يمر مطار اللاذقية الدولي اليوم بواحدة من أكثر مراحل تاريخه حساسية.

القصة لا تتعلق بمدرج وطائرات فقط، بل بمرفق تغير دوره خلال سنوات الحرب، قبل أن تبدأ في 2026 مرحلة جديدة عنوانها استعادة الوظيفة المدنية للمطار وإعادته بشكل تدريجي إلى خدمة المحافظة وأهلها.

من مطار مدني إلى واقع عسكري فرضته الحرب

مع التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، برزت منطقة “حميميم” المحاذية لمطار اللاذقية، كقاعدة جوية روسية رئيسية. وقد جرى تحديث مرافقها ومدارجها لاستيعاب الطائرات العسكرية وتسهيل العمليات الجوية الروسية داخل سوريا، ونتيجةً لذلك، ارتبط اسم “مطار اللاذقية” والمنطقة المحيطة به بشكل قوي بهذا الوجود العسكري. وخلال تلك الفترة، تراجع الدور المدني للمطار أمام الواقع العسكري والأمني ​​الاستثنائي الذي هيمن على المنطقة، حيث أصبحت حميميم المركز الرئيسي للنشاط الجوي الروسي في سوريا.

عاش المطار سنوات من توقف العمليات المدنية، على مدى تلك السنوات، لم يؤدِ المطار الدور المدني المتوقع من منشأة دولية تخدم محافظة ساحلية رئيسيةن إذ أدى الوجود العسكري الروسي، وما رافقه من تدابير أمنية ولوجستية إلى تأجيل استئناف العمليات المدنية الكاملة إلى أجل غير مسمى. وتشير المصادر التي واكبت مرحلة التدخل الروسي إلى أن قاعدة حميميم تحولت إلى مركز للعمليات الجوية الروسية، مع دمج مرافقها ضمن البنية التحتية الأوسع للطيران المحيطة بمطار اللاذقية.

غير أن هذا الوضع بدأ يتغير في أعقاب التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا بعد التحرير عام 2024، وتوجت باتفاق سوري-روسي جديد أعاد رسم مستقبل المنشآت الساحلية سواء في اللاذقية أو طرطوس.

اقرأ أيضاً: هل أعاد الاجتماع الروسي السوري ترتيب أوراق موسكو ودمشق؟!

آب 2026.. عودة الإدارة السورية

في 9 آب 2026، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عن توليها إدارة مطار اللاذقية الدولي. وجاءت هذه الخطوة في إطار اتفاقيات بين سوريا وروسيا تتعلق بإعادة تنظيم الوجود الروسي وإدارة المنشآت المدنية والعسكرية على الساحل. وبموجب الاتفاق، يجري نقل إدارة المنشآت المدنية، بما في ذلك “مطار حميميم” إلى الجانب السوري، في حين يتم تحويل المنشآت العسكرية الروسية إلى مراكز مشتركة للتدريب وبناء القدرات.

وقد تطلبت عملية التسليم والاستلام إجراء تعديلات فنية وتشغيلية، وعليه، لم يكن الإعلان مؤشراً على استئناف فوري للرحلات الجوية، بل كان بداية لمسار يشمل تقييم البنية التحتية والأنظمة والمعدات والمتطلبات الأمنية.

أما الآن فقد من مرحلة التسليم إلى إعادة التأهيل. في 13 آب، التقى وفد من الطيران المدني السوري بنظرائه الروس لوضع اللمسات الأخيرة على إجراءات تسليم مطار اللاذقية. وتضمنت الزيارة الميدانية تقييماً للبنية التحتية والمعدات والأنظمة، بالإضافة إلى المتطلبات الفنية والتشغيلية اللازمة لاستئناف العمليات. وتواصلت أنشطة المتابعة طوال شهر أيلول الجاري، وتوجت بزيارة وزير الخارجية السوري للمطار في 18 أيلول، حيث جرت مناقشة تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة بالمرافق. وفي 27 أيلول، اتخذت خطوة ملموسة بالإعلان عن بدء أعمال إعادة التأهيل الفني لمباني المطار ومرافقه ومعداته، مما يمهد الطريق للوصول إلى مستوى الجاهزية المطلوب واستئناف العمليات.

مطار اللاذقية يستعيد وظيفته الأصلية

لا تعني عملية إعادة التأهيل استئناف الرحلات الجوية بشكل فوري، فقد أكدت السلطات أن موعد إعادة الافتتاح لن يعلن إلا بعد اكتمال الأعمال والتحقق من استيفاء متطلبات السلامة والجاهزية الفنية والتشغيلية.

مع ذلك، فإن أهمية هذه الخطوة تتجاوز مجرد تحديد موعد لأول رحلة، فحسب الرؤية المعلنة، سيعاد دمج المطار في شبكة النقل الجوي السورية ليؤدي دوره في خدمة سكان المحافظة، وربط المنطقة بأجزاء أخرى من سوريا وبوجهات إقليمية ودولية. وبالنسبة للاذقية، تمثل عودة المرافق للعمل المدني استعادةً لبوابة جوية طالما هيمن عليها واقع عسكري بعيد كل البعد عن غرضها الأصلي.

وأخيراً، من قاعدة “حميميم” إلى مطار يخدم اللاذقية. بعد سنوات ارتبطت فيها المنطقة بالطائرات العسكرية والوجود الروسي، تبدو الصورة مختلفة في عام 2026، إذ تتولى الجهات السورية إدارة المرافق المدنية، وتجري أعمال التجديد في الموقع، مع وجود خطة لاستئناف عمليات المطار فور استيفاء متطلبات السلامة والتشغيل.

حكاية مطار اللاذقية لا تقتصر على مجرد تجديد مبنى أو مدرج، إنما تتعلق بتحول منشأة، طالما طبعها واقع عسكري استثنائي، لتعود إلى خدمة أهلها وأداء دورها المدني. وهكذا، يستعيد المطار بشكل تدريجي هويته الأصلية.. بوابة جوية تخدم اللاذقية وسكانها، وتربط المدينة بالعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى