ثقافة وتراث

من كنوز الخابور إلى حفر اللصوص.. كيف تواجه آثار الحسكة خطر الزوال؟

بقلم: ديانا الصالح

في قلب الجزيرة السورية، حيث يلتقي نهر الخابور بتاريخ يمتد لآلاف السنين، تقف آثار محافظة الحسكة شاهداً على حضارات ازدهرت واندثرت، أما اليوم فتواجه هذه المواقع تحدياً جديداً يتجاوز التاريخ: عمليات نهب وتخريب مستمرة جعلت الحاجة إلى حماية المواقع الأثرية في الحسكة ضرورة ملحة.

ومع الحملة الأمنية الأخيرة التي أطلقتها قوات الأمن الداخلي في الريف الجنوبي، تبرزت أهمية وضع استراتيجية متكاملة تجمع بين الحماية الفورية ووضع الحلول طويلة الأمد لتعزيز الرقابة والاستفادة من الخيارات التقنية الحديثة في هذا الموضوع للمحافظة على إرث تاريخي لأجيال مقبلة.

حملة أمنية لحماية المواقع الأثرية

أطلقت قوات الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، حملة أمنية تهدف إلى حماية المواقع الأثرية والتلال الواقعة في ريف المحافظة الجنوبي، والتي تعرضت خلال الفترة الماضية لعمليات نهب وتخريب واستغلال غير مشروع في استخراج الآثار، وذكرت مديرية إعلام الحسكة أن الجهات المعنية كانت قد فتحت تحقيقاً حول التجاوزات المسجلة.

ورافق ذلك مداهمة تل عربان الأثري في منطقة عجاجة بريف الحسكة الجنوبي بهدف ضبط المتورطين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم إلى جانب تعزيز حماية المواقع الأثرية في المنطقة.

الرقابة التقليدية لم تعد كافية

تعتمد حماية المواقع الأثرية في كثير من الأحيان على وضع نقاط مراقبة ثابتة أو وجود حراس للأماكن الأثرية، إلا أن هذا النوع من لحماية يواجهه صعوبات كبيرة من الحسكة وذلك نظراً للمساحة الواسعة للمحافظة، وتنوع أماكن المواقع الأثرية وتواجدها في أماكن متباعدة، فالبعض منها يقع ضمن مناطق زراعية فيما يقع البعض الآخر في مناطق صحراوية ومنها ما هو قريب من التجمعات السكنية الصغيرة.

هذه العوامل مجتمعة تجعل الحراسة والرقابة المستمرة على مدار الساعة أمراً صعب التحقيق ويفتح الباب أمام الحاجة إلى تطوير أساليب حماية المواقع الأثرية لتكون أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة السريعة للتحركات المنظمة التي تتعرض لها المواقع الأثرية.

التكنولوجيا خط دفاعي جديد

من الضروري أن تكون التقنيات الحديثة والتكنولوجيا جزءاً أساسياً ضمن جهود حماية الموقع الأثرية والتراث، وهي مستخدمة في عدد من الدول حول العالم، فمنظمة اليونسكو وبالتعاون مع برنامج “يونوسات” التابع للأمم المتحدة اعتمدت مراراً على صور الأقمار الصناعية لرصد ومتابعة أعمال الحفر غير القانونية والتغييرات التي طرأت على المواقع الأثرية حتى في الأماكن التي كان من الصعب الوصول إليها بشكل ميداني.

وقد ساهمت هذه التقنية في تحديد المواقع الأكثر عرضة للخطر ووضع الخطط السريعة للاستجابة الفورية والحفاظ على هذه المواقع، ويمكن الاستفادة من هذه التجارب من خلال إدخال وسائل مراقبة متطورة مثل “الدرون” وتنفيذ جولات مراقبة بشكل دوري.

بالتالي يمكن متابعة أي تغييرات تطرأ على الأسطح الخاصة بالمواقع الأثرية أو مراقبة أي حفريات جديدة، وكشف أي عملية تنقيب غير قانونية سواء داخل المواقع الأثرية أو بالقرب منها.

فهذه العملية تساهم في إنشاء قاعدة بيانات رقمية تتضمن خرائط تفصيلية وصور حديثة للمواقع التي سُجِّلت، وبهذا الشكل تكون المقارنة واكتشاف العمليات بشكل مبكر.

دور المجتمع المحلي في حماية المواقع الأثرية

تعتبر اليونسكو أن الشعوب الأصلية هم أفضل حراس على وجه الأرض إلا أنهم يمثلون 5% فقط من سكان العالم ويحمون أكثر من ربع مساحة أراضيهم، فيما كان هناك تجربة ناجحة نظمتها اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان “كومباكت” جرى فيها إشراك المجتمعات المحلية في مراقبة المواقع والإبلاغ عن التعديات وبالتالي المشاركة في برامج الحماية.

فالمجتمعات المحلية تعتبر خط الدفاع الأول عن المواقع الأثرية، ومن الممكن تحويل السكان الذين يقطنون بالقرب من هذه المواقع بعملية الحماية من خلال برامج توعية تعرفهم بأهمية هذه المواقع التاريخية للبلاد وتسلط الضوء على الفرص المستقبلية للسياحة التي تتيحها هذه المواقع، كما يمكن إنشاء خط ساخن للتواصل المباشر والسريع يسمح للمواطنين بالإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة أو عمليات حفر غير قانونية.

الضرر الذي لا يقاس بالماديات

تتجاوز عمليات السرقة فقدان القطع الأثرية الهامة إلى مشكلة لا تقل أهمية وهي الحفر العشوائي، وما يسببه من انهيارات في التربة والتأثير على الأراضي الزراعية المحيطة.

أما تراثياً فيفقد الباحثون أي فرصة لتوثيق التاريخ والحضارات التي كانت قائمة بين الشعوب في هذه المنطقة، خاصة أن القطع التي تُهرّب غالباً تُنقل بطريقة غير شرعية وهي غير موثقة فيكون من الصعب استردادها.

وفي هذا السياق، ذكر الباحث في علم الآثار سالم العيسى أن محافظة الحسكة وحدها تضم أكثر من 1250 موقعاً أثرياً مسجلاً، لكن هناك المئات من المواقع غير المسجلة، وهي تعتبر واحدة من أغنى المناطق في الشرق الأوسط بالإرث الحضاري المتراكم عبر آلاف السنين.

وحذر العيسى من أن فقدان السياق الطبقي لهذه المواقع يعني فقدان القدرة على إعادة بناء التاريخ العلمي للمنطقة حتى في حال استعادة القطع المنهوبة لاحقاً.

دور القوانين في حماية المواقع الأثرية

على الرغم من أهمية الموضوع ورغم كثرة الدعوات إلى تشديد العقوبات لحماية المواقع الأثرية، إلا أننا اليوم في العام 2026 لكن قانونياً فالزمن متوقف عند أحدث مرسوم تشريعي يُجرّم التنقيب غير القانوني والذي يعود إلى عام 1963! وكأن الزمن توقف عند لحظة إصدار المرسوم فنصف قرن من التحولات والتغييرات لم تدفع إلى أي تحديثات سوى بعض التعديلات المحدودة التي لم تغير الجوهر.

المرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 ينظم ملف الآثار في سوريا ويمنح الدولة الحق الحصري في أعمال التنقيب ويجرّم أي عمليات حفر دون ترخيص رسمي حتى لو تم الحفر في أرض خاصة بالمنقّب، ويفرض المرسوم عقوبات تصل إلى السجن 15 عاماً وغرامة بين 100 ألف إلى 500 ألف ليرة أي أن الغرامة لا تتجاوز 45 دولار أمريكي وهي بالتأكيد قيمة متواضعة بالنظر إلى القيمة التاريخية والسوقية للقطع الاثرية.

وبناء على ذلك، ورغم إطلاق حملة أمنية جديدة يبقى التحدي الأكبر مرتبطاً باستمرار الحماية الفعلية على الأرض بعيداً عن التدخلات المؤقتة والفورية، فحماية الآثار تعتبر مهمة تتطلب التنسيق مع الجهات الأمنية والاستفادة من برامج المنظمات الدولية والتعاون الدولي، فيمكن أن تتحول الحسكة بهذا الشكل من منطقة أثرية منهوبة إلى نموذج لحماية التراث والآثار.

اقرأ أيضاً: الجزيرة السورية… حين تتحول “جنة الآثاريين” إلى ساحة نهب مفتوح

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى