سياسة

من قائد في قسد إلى معاون وزير الدفاع.. سيبان حمو ومسار الدمج في الدولة السورية

بقلم: ريم ريّا

شهد شهر آذار من العام الحالي 2026، تطوراً لافتاً يندرج في سياق التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها سوريا، تمثل في إعلان وزارة الدفاع السورية تعيين القيادي الكردي البارز في قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية.

هذا التعيين أتى في لحظات سياسية فارقة وحساسة ترتبط بشكل مباشر بمسار التفاهمات الي بدأت تتبلور بين الحكومة السورية والقوى الكردية في شمال شرق البلاد. فالاتفاق الذي وُقع في 29 كانون الثاني 2026، لم يكن مجرد وقف لإطلاق النار أو تفاهم أمني مؤقت، بل بدايةً لمسار أوسع الهدف منه إعادة دمج المؤسسات الإدارية والعسكرية التابعة “للإدارة الذاتية” ضمن بنية الدولة السورية.

ضمن هذا السياق، يكتسب تعيين “سيبان حمو” دلالة تتجاوز البعد الإداري، فانتقال جزء من القيادات العسكرية في قسد من مواقع المواجهة إلى مواقع المشاركة داخل المؤسسة العسكرية الرسمية لا يمكن أن يكون مجرد خبر عاجل عابر ويطوى. لذلك في هذا المقال سنوسع النقاش ونأخذه أبعد من التعريف بسيبان حمو، ونعرض آخر تطورات اتفاق الدمج، وصولاً إلى قراءة دلالات هذا التعيين وما قد يعنيه لمستقبل الدولة السورية بأكملها.

سيبان حمو من عفرين إلى وزارة الدفاع السورية ضمن مسار الدمج

يعتبر سيبان حمو من أبرز القيادات العسكرية في قسد، ولمع اسمه خلال سنوات الحرب في البلاد منذ عام 2011. حمو من أبناء منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي، والتي تعتبر من أبرز المناطق ذات الغالبية الكردية في البلاد. برز اسم حمو بشكل خاص منذ السنوات الأولى للصراع عندما شارك في تأسيس وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) التي تحولت لاحقاً إلى العمود الفقري العسكري لقسد.

لعب حمو دوراً هاماً في تنظيم هذه القوات وبنائها عسكرياً، إذ شاركت الوحدات التي قادها في عدد من المعارك الأساسية ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في شمال وشرق سوريا، وصولاً إلى القضاء على آخر معاقل التنظيم في البلاد عام 2019 بعد معارك طويلة امتدت عبر المحافظات الشرقية، الرقة ودير الزور والحسكة.

لم يكن دور سيبان حمو مقتصراً على الجانب العسكري فقط، بل  كان من إحدى الشخصيات التي كان لها دور سياسي تفاوضي في ظل العلاقة المعقدة بين قسد في شمال شرق البلاد والدولة السورية في دمشق. ومع تصاعد التوترات العسكرية في شمال شرق البلاد خلال الشهر الأول كانون الثاني من العام الحالي 2026، برز اسم حمو من بين الشخصيات الكردية التي شاركت في المفاوضات مع الحكومة السورية.

أمس الثلاثاء  10 آذار، أعلنت وزارة الدفاع السورية بشكل رسمي تعيين سيبان حمو، معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، في خطوة اعتبرت جزءاً من تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها بين دمشق وقسد، ليصبح من أبرز القادة الأكراد الذين انتقلوا من قيادة التشكيلات العسكرية شبه المستقلة إلى العمل ضمن المؤسسة العسكرية للدولة السورية.

اقرأ أيضاً: أين وصل اتفاق دمشق وقسد الآن وهل من خلافات؟!

تنفيذ اتفاق الدمج على الأرض.. عودة النازحين وإعادة تنظيم المؤسسات

نقطة التحول في مسار العلاقات بين دمشق وقسد بدأت منذ اتفاق 29 كانون الثاني 2026، الذي شكل علامة فارقة بدأت تظهر نتائجها تباعاً. الاتفاق المذكور جاء بعد أشهر من التوتر الأمني والعسكري في مناطق سيطرة قسد في المحافظات الشرقية، سبقه توتر في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب.

بموجب هذا الاتفاق تم التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الطرفين، فضلاً عن إطلاق عملية دمج القوات العسكرية والمؤسسات المدنية التابعة لقسد بشكل تدريجي ضمن هياكل الدولة السورية. نص الاتفاق على عدة بنود رئيسية، من بينها السماح للأكراد بترشيح شخصيات لتولي مناصب عسكرية وإدارية ضمن الدولة. ما أدى لاحقاً إلى إصدار مرسوم رئاسي في شباط 2026، يقضي بتعيين السياسي نور الدين أحمد عيسى، وهو من مدينة القامشلي، محافظاً لمحافظة الحسكة. وتضمن الاتفاق ترتيبات عسكرية مباشرة، من بينها دمج ثلاثة ألوية من قسد في الجيش السوري في المناطق ذات الغالبية الكردية في الحسكة، فضلاً عن تشكيل لواء رابع في مدينة عين العرب “كوباني”.

أما إدارياً، تضمن الاتفاق تسليم الدولة السورية عدداً من المؤسسات الخدمية والمدنية في شمال شرق سوريا، بما فيها قطاعات الطاقة، النفط، التعليم، الصحة، الكهرباء والنفط. وهو ما بدأت به الحكومة السورية تدريجياً عبر إرسال وفود رسمية إلى المنطقة.

ففي 2 آذار الجاري، زار وفد من الحكومة السورية حقول الرميلان النفطية في الحسكة، برفقة الشركة السورية للنفط، لتقييم جاهزية الحقول ودمجها ضمن وزارة الطاقة. كذلك نص الاتفاق أيضاً على تسلم الحكومة السورية المعابر الحدودية والمنافذ الإدارية في محافظة الحسكة، حيث عقد رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي اجتماعاً في دمشق مع المبعوث الرئاسي المكلف متابعة تنفيذ الاتفاق العميد زياد العايش لبحث آلية تسلم هذه المعابر وتنظيمها وفق القوانين الحكومية.

أمنياً، دخلت قوات الأمن السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي في خطوة هدفت إلى إعادة بسط سلطة الدولة على المؤسسات الحكومية والإدارية في المنطقة.

وفي 8 آذار، عقد محافظ حلب عزام الغريب اجتماعاً مع المبعوث الرئاسي لمتابعة الاتفاق العميد زياد العايش بحضور قائد الأمن الداخلي في حلب محمد عبد الغني وعدد من قادة الفرق العسكرية، وذلك لبحث آليات تنظيم عودة النازحين إلى مناطقهم في ناحية الشيوخ وعين العرب “كوباني”، وعفرين في ريف حلب.  أما أول أمس الاثنين 9 آذار، فقد انطلقت أول قافلة رسمية لعودة النازحين من محافظة الحسكة إلى منطقة عفرين تحت إشراف وفد حكومي، حيث ضمت القافلة نحو 400 عائلة كانت قد نزحت من المنطقة خلال سنوات النزاع. أمس الثلاثاء 10 آذار، وكان في استقبالهم مسؤول منطقة عفرين  وصلت أيضاً 400 عائلة أخرى من أهالي عفرين خيرو العلي الداود.

كما رصد خطوات لوجستية واقتصادية مهمة تمخضت عن اتفاق الدمج، أبرزها إعادة فتح الطريق الدولية الحسكة – حلب المارة بمدينة تل تمر شمال شرقي الحسكة أمام حركة التجارة والمدنيين، وهو طريق حيوي يربط شمال شرق سوريا بمناطق الشمال الغربي.

كذلك، هناك مباحثات لإعادة تنظيم عمل المؤسسات الحكومية في الحسكة، وإعادة هيكلة الخدمات والنظر في المعاشات التقاعدية، وتم إعادة دمج الموظفين المفصولين في المؤسسات الرسمية لأسباب سياسية. ومن جانبها الحكومة السورية بدأت بدمج البنية الاقتصادية في المنطقة ضمن النظام المركزي للدولة، لا سيما في ملف النفط.

هل تعيين حمو يعني نهاية الخلاف؟ أم هناك مستجدات أخرى؟

تعيين حمو يحمل دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز البعد الإداري فقط. فمن جهة يعكس التعيين تقدماً ملموساً في تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني 2026 بين قسد والحكومة السورية، ويعطي إشارة على انتقال العلاقة بين الطرفين من مرحلة المواجهة العسكرية المحدودة والتوتر السياسي إلى مرحلة المشاركة والتعاون المؤسسي داخل الدولة السورية.

من جهة أخرى، تعيين أحد القيادات الكردية البارزة في منصب هام ضمن الدولة السورية، يشير إلى قبول متبادل بين قيادات الإدارة الذاتية ودمشق بإعادة تنظيم العلاقة بينهما ضمن إطار الدولة المركزية، بعد سنوات من التجربة المنفردة سواء العسكرية أو السياسية لقسد.

لكن هذه الخطوات لا تعني بالضرورة إنهاء كل الخلافات بشكل كامل. فمشروع الحكم الذاتي الكردي والذي نشأ خلال سنوات سنوات الصراع في سوريا كان هدفه توسيع دائرة الصلاحيات للمناطق الكردية، والذي تلقى ضربة كبيرة في توقيع الاتفاق حسب ما أشار مراقبون. ويمكن قراءة الاتفاق على أنه تسوية سياسية واقعية للطرفين، فدمشق تسعى لاستعادة كامل أراضي سوريا وبسط سيادتها ودمج المناطق الخارجة عنها ضمن مؤسسات الدولة، بينما قسد الآن باتت تسعى للحفاظ على حضورها السياسي والعسكري داخل هذه المؤسسات بعد خسارة نفوذها بشكل كامل.

وفقاً لهذه المعطيات، يمكن اعتبار تعيين حمو خطوة رمزية وعملية في الوقت ذاته. فمشاركة قسد بالدولة السورية عسكرياً تعتبر خطوة جديدة في العلاقة بينها وبين دمشق، لكن في الوقت نفسه يبقى الباب مفتوحاً أمام التحديات الأمنية والسياسية التي يمكن أن تظهر مع استمرار تنفيذ بنود الاتفاق على الأرض خلال الأيام والأشهر المقبلة، ويبقى السؤال بعد هذه الخطوات والتعيينات، هل انتهى فعلاً مشروع الحكم الذاتي الكردي؟…. الإجابة ستحملها الأيام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى