من فكر الثورة إلى مؤسسات الدولة…حوار شيق مع الدكتور نوار نجمة

تشهد سوريا اليوم مرحلة فارقة تتطلب الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة، بما يعنيه ذلك من بناء مؤسسات، وترسيخ العدالة، وتوسيع المشاركة السياسية. في هذا السياق يطرح الدكتور نوار نجمة عضو اللجنة العليا للانتخابات رؤى حول تحديات المرحلة الانتقالية، ودور مجلس الشعب القادم، وأهمية تجاوز منطق المنتصر والمهزوم لصالح عقد اجتماعي جديد يفتح الطريق نحو دولة أكثر عدلاً واستقراراً، وذلك في حوار شيق على موقعنا “سوريا اليوم 24” ضمن برنامج كاجوال مع المضيف عروة درويش.
أكد الدكتور نوار نجمة خلال الحوار على ضرورة الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة، لأن التأخر في ذلك سيكلف السوريين الكثير، ضارباً مثالاً بالثورة الفرنسية، مشيراً إلى ضرورة وجود النية لدى رأس الهرم في السلطة لتبني هذه الفكرة، بالإضافة إلى وجود قادة الرأي العام الذين يساهمون في تشكيل وعي الجماهير السياسية والاجتماعية، معتبراً أن الشعب السوري حُرم منذ عقود من ممارسة مختلف الحريات، ومنها السياسية.
كما أكد أن عملية الانتقال هذه تحتاج إلى تحقيق العدالة، والتخلص من فكرة المنتصر والمهزوم، بالإضافة إلى بناء مؤسسات الدولة، وبالتالي الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية التي تشكل هدف المرحلة الانتقالية الحالية.
وبالنسبة لزمن هذا التحول التدريجي لبناء الدولة، أوضح نجمة أن البطء في عملية التحول أمر طبيعي بالنسبة لحسابات الأمم، حيث كان كثيرون يعتقدون أنه بعد سبعة أو ثمانية أشهر من سقوط النظام ستكون الدماء لا تزال في الشوارع. وبالرغم من سقوط النظام في الثامن من تشرين الأول، إلا أن فكره لم يسقط، ففكرة الحريات السياسية لم تكن موجودة لدى المجتمع السوري وجاء النظام لقمعها. بل إن التاريخ السوري، منذ عهد العثمانيين وصولاً إلى فترة الانقلابات العسكرية ومجيء حزب البعث، لم يمنح السوريين إلا هامشاً بسيطاً جداً من الحريات السياسية.
أما محاولات إيجاد حريات سياسية خلال الأشهر السابقة، فأكد نجمة أنها كانت تنجح في أماكن وتفشل في أخرى. وأسباب نجاحها تعود إلى الأفراد القائمين عليها، بينما تعود أسباب فشلها إلى وجود متضررين منها، سواء كانوا أفراداً أو دولاً أو مؤسسات. وبالتالي، تتشكل الآن أحزاب وتيارات سياسية متعددة، سواء أُقِر نظام الأحزاب أم لم يُقَر. كما أن ممارسة العمل السياسي شملت المجتمع المدني وحتى الديني، لكن هذا العمل غير مؤطر، ولا يمكن وصفه بأنه أحزاب قادرة على ممارسة الديمقراطية بالشكل المعروف.
ومع ظهور الكفاءات يتشكل العمل السياسي الفردي، وهو أمر طبيعي في هذه المرحلة. وبالتالي، تجتمع هذه الكفاءات وتلتقي لتتشكل الرؤى وتتبلور الأفكار. وفي هذه النقطة ركّز نجمة على نمط الأفكار التي ستشكل هذه الرؤى: هل هي مبنية على أفكار قديمة أم حديثة؟
وفي مجمل حديثه عن مجلس الشعب القادم، أكد نجمة أن هذا المجلس عليه أعباء تشريعية كبيرة، وسيكون برلماناً حقيقياً لا مجرد ورشة عمل. وبالنظر إلى البرلمانات الأخرى في الدول، فإن العمل التشريعي هو أحد مهامها، إلا أن الظروف الحالية تفرض أن يكون القسم الأكبر من عمل مجلس الشعب تشريعياً. وبغض النظر عن الإعلان الدستوري، فإن هذا المجلس سيراقب ويقيّم عمل الحكومة، وبالتالي سيشكل ضغطاً عليها.
كما نوه نجمة بأن البرلمان القادم سيحل العديد من القضايا العالقة، وأهمها الحوار الوطني الذي عُقدت حوله لقاءات في مختلف المحافظات. وبالتالي، قد تكون قبة البرلمان ملتقى حقيقياً للحوار الوطني الجامع والمشاركة السياسية.
وأشار إلى أن خيار الانتخابات المباشرة للبرلمان غير ممكن أبداً في هذا التوقيت، وبالتالي كان هناك إجراءان:
الأول: أن يُعيَّن مجلس الشعب كاملاً من قبل رئيس الجمهورية كما جاء في مؤتمر النصر، وهذا ما جرى العمل به في جميع ثورات العالم.
الثاني: الذهاب إلى آلية تجمع بين التعيين والانتخاب، وبالنسبة للثلث الذي سيعيّنه رئيس الجمهورية، فسيُستخدم لسد الثغرات التي قد يتركها الثلثان الآخران، وخصوصاً في تمثيل المرأة والمكوّنات.
أما بخصوص عملية الانتخاب، فأكد نجمة أن الانتخابات التي ستجري لن تكون على مستوى الشعب، وإنما ستكون نخبوية، أي سيتم اختيار 7000 شخص يُعتقد أنهم من النخبة، ليختاروا من بينهم أعضاء ليمثلوا مجلس الشعب. وأشار إلى أن هذه الطريقة معمول بها في العديد من دول العالم، مثل مجلس الشيوخ الفرنسي المختلف عن البرلمان الفرنسي، حتى لو لم تكن مطبقة بالطريقة نفسها تماماً. وقد لا تكون هذه الطريقة مثالية، لكنها الواقعية المتناسبة مع المرحلة الحالية.
وعن فكرة استبعاد كل من دعا للتقسيم أو كان مناصراً للنظام، أشار نجمة إلى أن المعايير التي ستحدد ذلك هي الأدلة الدامغة، مثل مقابلة تلفزيونية أو مؤتمر صحفي داعٍ للتقسيم، أو حمل السلاح لتثبيت التقسيم. واعتقد نجمة أن هذه المرحلة يجب أن تتسم بالنزاهة الكبيرة، مشيراً إلى أن الصعوبة تكمن الآن في تحويل العمل النظري إلى تطبيق عملي.
اللامركزية من وجهة نظر الدكتور نوار نجمة
أكد الدكتور نوار نجمة أن أي دولة تريد بناء دولة حديثة لا بد لها من اتباع اللامركزية. أما الفيدرالية، فهي تكون في الدول غير المتجانسة، بينما سوريا، منذ التاريخ القديم، دولة واحدة موحدة، وقد فشلت كل محاولات تقسيمها. بالإضافة إلى أنها تشكل نواة “سوريا الكبرى”، وبالتالي تُلغى فكرة الفيدرالية.
أما اللامركزية، فستكون الحل المناسب لسوريا إذا طُبقت بمعناها الصحيح، أي أن تُترك للدولة المركزية القضايا الحساسة مثل الموازنة، الجيش، والسياسات الخارجية، في حين تستطيع المحافظات والمناطق إدارة شؤونها بنفسها. وهذا هو التوجه الحكومي الحالي. أما الطرح الذي يقدمه البعض عن اللامركزية فقد يؤدي إلى التقسيم لاحقاً، مثل مفاهيم الحكم الذاتي والأقاليم.
تدويل المشكلات السورية
يرى الدكتور نوار نجمة أنه عندما تفشل الدول في حل مشاكلها وتصبح هشة، يجد الأجنبي طريقاً للدخول إليها. وخلال الثورة السورية أصبحت سوريا مسرحاً للصراعات الدولية. وبعد انتصار الثورة، ترى العديد من الدول أن سوريا قادرة على تحقيق المصالحة الوطنية والعودة بقوة إلى الساحة الإقليمية، إلا أن هناك منصات وحسابات تضخم المزاج السلبي، وهو ما يخالف الواقع الحالي. وأكد أن أي تدخل خارجي لن يصب في مصلحة السوريين، حتى لو تقاطعت المصالح في مرحلة ما.
الساحل والسويداء وشمال شرق سوريا
ابتعد الدكتور نوار نجمة عن توصيف ضعف الأداء الحكومي في الساحل والسويداء بالأخطاء الفردية، وسمّاه “سوء أداء”، مبرراً بأن الحكومة لا تزال في بداية عهدها. إلا أن ما يميزها هو انفتاحها على الخيارات الأخرى والاعتراف بالخطأ، لذلك سيكون للمشاكل مع المكونات السورية حل وطني جامع.
وأشار نجمة إلى أن الحكومة السورية تلجأ دائماً للحوار مع مختلف الأطراف السورية، وفي بعض الأحيان تلجأ للحل الأمني الذي يتخلله سوء أداء على حد قوله، لكن المشكلة تكمن في سقوط الدماء، والحل هنا هو العدالة.
اقرأ أيضاً: الفدرالية واللامركزية في سوريا: بين هواجس التقسيم وآفاق الوحدة!
الإقصاء والمشاركة
قال الدكتور نجمة: “هناك نوعان من المتخوفين بالنسبة للإقصاء والمشاركة: الأول هو النوع الطبيعي، المتخوف من الحكومة الحالية بسبب نشأتها الإسلامية، والتي نجح النظام في خلق بروباغندا حولها. وأنا شخصياً أستبعد وجود حكم إسلامي متطرف في سوريا، بحكم البيئة الثقافية والاجتماعية، بالإضافة إلى أن الأشهر الماضية لم توحِ بسلوك الحكومة نحو هذا الاتجاه. أما النوع الثاني فهو المتخوف الرافض لفكرة انتصار الثورة والموقف السلبي تجاهها”.
وفي هذا الخصوص، نوه نجمة بأن الحكومة الحالية جاءت نتيجة انتصار ثورة مسلحة على النظام بالتعاون مع الجهود الدولية، مؤكداً أن عقلية الثائر تختلف عن عقلية السياسي، وللانتقال من هذه العقلية لا بد من وجود استحقاق يتمثل بمجلس الشعب الجاري تشكيله حالياً.
وأضاف أن الحكومة السورية اتجهت نحو حكومة تكنوقراط لأنها القادرة على قيادة المرحلة، وبالتالي لن تكون في هذه الحالة ممثلة مباشرة للشعب، إلا أن الشعب سيستطيع لمس المشاركة السياسية عبر مجلس الشعب، ثم عبر الإدارة المحلية وصولاً إلى الأحزاب.
ويرى نجمة أن العمل السياسي لا يُحجَّم بمنصب أو سلطة، بل يمكن ممارسته خارج السلطة أيضاً، مؤكداً أن الباب مفتوح أمام الجميع في هذا المجال، وسنشهد نتائجه قريباً من خلال الأحزاب والمنتديات والإعلام. كما أشار إلى فكرة عدم التطفل على العمل السياسي، بمعنى أن يأتي بعد نجاحات معينة للأشخاص في مجالاتهم، مثل طبيب ناجح أو محامٍ بارز.
الخصخصة ورؤيته للاقتصاد
أكد نجمة أن العدالة الاجتماعية مسألة مقدسة بالنسبة للدول. وبرأيه، أفضل نظام اقتصادي هو “الاشتراكي الديمقراطي”، وهو مزيج بين الاشتراكي والليبرالي، بحيث تسمح الحكومة للشركات بالعمل الاقتصادي الحر على أرضها، وفي المقابل تكفل حقوق مواطنيها المستضعفين من خلال الضرائب التي تُصرف على التعليم المجاني والتكافل الاجتماعي، أي تحقيق التوزيع العادل للدخل القومي. وبالتالي، فإن المؤتمرات التي تُقام على أساس مصالح فئوية أو طائفية تكون بعيدة عن الهدف المطلوب وهو العدالة الاجتماعية والمواطنة.
وفي حال لم تحقق الدولة حقوق مواطنيها كافة، برأي الدكتور نجمة، سيضعف انتماؤهم للوطن، وسيلجؤون إلى رجال الدين أو فئات أصغر من الوطن لتحقيق مصالحهم.
الفقر وتطور الرواتب
يرى الدكتور نوار نجمة أنه مع انخفاض سعر الصرف، انخفضت معظم المواد بنسبة 30%، بالإضافة إلى انخفاض في نسبة الفساد عبر تقليص الرشوة والمحسوبية. كما شهد الدخل تحسناً رغم الانخفاض في السيولة وضعف الاقتصاد الرقمي، إلا أن نجم اعتبر أن هذا التحسن غير كافٍ.
وأشار إلى خطورة الوضع الاقتصادي المتردي للسوريين، موضحاً أن هذا ما يفسر توجه الحكومة نحو الاستثمارات. لكنه في الوقت نفسه أبدى تخوفه من وجود أصحاب مصالح اقتصادية في مراكز صنع القرار، مشدداً على ضرورة وجود خبراء اقتصاديين ينظرون إلى الأمور من منظور حقوق العامل وراتبه.
وبالنسبة لقدرة المواطن السوري على تحمل الضغوط الاقتصادية، أوضح نجمة أنها تتعلق بمدى وجود ضغوط أخرى عليه. فإذا ترافقت هذه مع انفلات أمني وضغوط اجتماعية، فقد تؤدي إلى انفجار جديد. وأكد أن الشعب السوري قادر على تحمل هذه الضغوط، لكن بشرط أن يلمس تقدماً حقيقياً.
في ختام هذا المقال، يتضح أن ما طرحه الدكتور نوار نجمة يعكس عمق التحديات التي تواجه سوريا في مرحلتها الراهنة، حيث أمام السوريون مسؤولية تاريخية تتطلب منهم تجاوز عقلية الصراع والانتقال إلى عقلية الدولة. وبينما يشكل مجلس الشعب القادم واللامركزية والعدالة الاجتماعية محاور رئيسية في هذه العملية، يبقى الوعي الجمعي والقدرة على ترجمة الأفكار النظرية إلى واقع ملموس هما الشرط الأساس للعبور نحو سوريا جديدة، أكثر ديمقراطية وعدلاً وازدهاراً.
اقرأ أيضاً: اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب تحت المجهر: ما لها وما عليها!









