من صالات الهواة إلى منصات التتويج الآسيوية.. كيف أعاد محمد الصوفي البلياردو السورية؟

بقلم: ريم ريّا
لم تكن الميدالية الفضية التي فاز بها اللاعب السوري محمد الصوفي في بطولة آسيا للبلياردو (عشر كرات) إنجازاً فردياً فحسب، بل أعادت أيضاً تسليط الضوء على رياضة عريقة في سوريا، رياضة عانت من الركود لسنوات طويلة بسبب نقص الدعم، وارتفاع تكاليف المعدات، وتراجع المنافسات. واليوم، مع هذا الإنجاز التاريخي، يطرح السؤال مجدداً، هل يستطيع البلياردو السوري استعادة مجده السابق وإنجاب جيل جديد من الأبطال؟
البلياردو.. رياضة دخلت سوريا منذ عقود
عرفت سوريا لعبة البلياردو منذ النصف الثاني من القرن الماضي، وانتشرت تدريجياً عبر النوادي الاجتماعية والمنشآت الرياضية، قبل أن تصبح رياضة منظمة تحت رعاية الاتحاد العام للرياضة. على مر السنين، توسعت اللعبة لتشمل عدة أنواع، أبرزها البلياردو (ثماني كرات، تسع كرات، وعشر كرات) والسنوكر، بينما لم تحظَ البولينج والترامبولين بشعبية كبيرة على المستوى التنافسي.
شهدت لعبة البلياردو خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة إقبالاً متزايداً، حيث استضافت سوريا بطولات عربية وآسيوية ودولية. وقد ساهم ذلك في تخريج العديد من اللاعبين والحكام والمدربين الذين مثّلوا البلاد في المنافسات الدولية.
شعبية واسعة… لكن منافسة محدودة
على الرغم من أن البلياردو من أكثر الألعاب شعبية في المقاهي والمنتجعات والنوادي الخاصة، إلا أن هذه الشعبية لم تترجم إلى منافسات رسمية. يمارس آلاف الأشخاص اللعبة كهواية، بينما يبقى عدد اللاعبين المسجلين رسمياً محدوداً. ويعود ذلك إلى ضعف برامج اكتشاف المواهب وقلة المنافسات المحلية، بالإضافة إلى أن العديد من الأندية تعطي الأولوية للدخل من طاولات البلياردو على حساب تنمية اللاعبين كمشروع رياضي.
يرى الخبراء أن وجود قاعدة جماهيرية واسعة يتيح فرصة حقيقية لتوسيع نطاق المشاركة، شريطة ربط صالات البلياردو التجارية بالأندية والاتحادات الرياضية من خلال برامج اكتشاف المواهب وتنظيم المنافسات.
اقرأ أيضاً: الدوري السوري لكرة السلة.. الأجانب يرفعون السقف فهل ترتفع البنية؟
لعبة تعتمد على الذكاء أكثر من القوة
قد تبدو البلياردو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها من أكثر الرياضات التي تعتمد على الدقة والتركيز والحسابات الفنية. يجب على اللاعبين قراءة زوايا الطاولة، وحساب مسار الكرات، وتقدير قوة واتجاه التسديدة، إلى جانب التحلي بدرجة عالية من الهدوء والقدرة على اتخاذ القرارات تحت الضغط. وهذا ما يجعلها شبيهة بالشطرنج، ولكن باستخدام عصي وكرات البلياردو. تتطلب اللعبة أيضاً تدريباً مستمراً للحفاظ على الثبات الذهني والدقة الفنية، وهو ما يفسر سبب تفوق بعض اللاعبين في سنواتهم الأخيرة مقارنةً برياضات أخرى.
خلال السنوات القليلة الماضية، واجهت رياضة البلياردو السورية العديد من التحديات، بما في ذلك انخفاض عدد البطولات، وهجرة العديد من اللاعبين والمدربين، وارتفاع أسعار الطاولات وعصي البلياردو والكرات الأصلية، بالإضافة إلى صعوبة استيراد المعدات الرياضية. بالإضافة إلى ذلك، أدى محدودية الموارد المالية للأندية والاتحادات إلى تقليص برامج التدريب والدورات التدريبية للحكام والمدربين، مما أثر سلباً على تطور اللعبة على المستوى المحلي. ورغم استمرار بعض الأندية في دعم الرياضة مالياً، إلا أن النشاط لا يزال دون مستوى تطلعات اللاعبين، لا سيما في ظل محدودية فرص المشاركة الدولية.
محمد الصوفي… إنجاز يدشن فصلاً جديداً
وسط هذه التحديات، حقق نجم المنتخب السوري محمد الصوفي إنجازاً غير مسبوق بفوزه بالميدالية الفضية في بطولة آسيا للبلياردو (عشر كرات)، ليصبح أول لاعب سوري يصل إلى نهائي البطولة الآسيوية ويصعد إلى منصة التتويج في هذه الفئة. يمثل هذا الإنجاز علامة فارقة في تاريخ البلياردو السوري، إذ يؤكد قدرة اللاعبين السوريين على منافسة نخبة القارة، رغم الفروقات الكبيرة في الموارد والمعدات. كما يعزز هذا الإنجاز معنويات الرياضة، ويعيدها إلى دائرة الضوء الإعلامي والرياضي، ويفتح الباب أمام استقطاب مواهب جديدة.
هل هذا الإنجاز فرصة لإحياء اللعبة؟
يرى المراقبون أن نجاح الصوفي قد يشكل نقطة انطلاق لتطوير هذه الرياضة، إذا ما اقترن بزيادة في المسابقات المحلية، وتدريب الكوادر الفنية، ودعم الأندية، وتوفير المعدات الحديثة، والاستفادة من شعبية اللعبة الواسعة بين الشباب لاكتشاف اللاعبين الموهوبين. وقد قامت العديد من الدول بتطوير أبطالها في الأندية التجارية قبل دخولهم المسابقات الرسمية، وهو نموذج يمكن لسوريا الاستفادة منه في المستقبل.
لا تقتصر أهمية الميدالية الفضية التي فاز بها محمد الصوفي على كونها أول ميدالية آسيوية في تاريخ البلياردو في سوريا، بل تتعداها إلى إحياء ذكرى رياضة تتمتع بشعبية واسعة وإمكانات نمو عالية.









