أعمال واستثمار

من شتورا إلى دمشق.. كيف تدخل الصين بوابة الإعمار السوري؟

بقلم: ريم ريّا

تتسارع التحركات الدولية حول ملف إعادة إعمار سوريا منذ تقريب العام، وعلى إثرها برز الإعلان الصيني الأخير عن نية مجموعة GCI المشاركة في مشاريع الإعمار كإشارة لافتة إلى تحوّل تدريجي في مقاربة بكين تجاه الساحة السورية. هذا التحرك، الذي تزامن مع إعادة تنشيط العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وبكين وافتتاح مركز لوجستي للمجموعة في لبنان، لا يمكن قراءته كخطوة استثمارية منفصلة، بل كجزء من مسار اقتصادي – سياسي أوسع تسعى من خلاله الصين إلى ترسيخ حضورها الهادئ في مرحلة ما بعد الحرب.

بين حسابات إعادة الإعمار السورية، ومصالح الصين الاستراتيجية، يطرح دخول مجموعة GCI أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا التوجه وحدوده، وما يمكن أن يحمله لسوريا في ظل مشهد إقليمي ودولي شديد التعقيد.

الصين على خط إعادة إعمار سوريا.. بين الاقتصاد والسياسة

في لحظة إقليمية دقيقة، تتقاطع فيها إعادة رسم التوازنات الدولية مع حاجة سوريا الملّحة لإعادة الإعمار، أعلنت مجموعة GCI الصينية عن نيتها الانخراط بشكل مباشر في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا. هذه الخطوة تحمل أبعاداً اقتصادية تتجاوز الاستثمار المباشر، لتلامس سياقاً سياسياً وجيو – اقتصادياً أوسع يرتبط بطبيعة وشكل الحضور الصيني المتدرج في الشرق الأوسط.

مجموعة GCI الصينية ليست شركة واحدة، بل تكتل اقتصادي يضم 25 شركة صينية متخصصة تعمل في مجالات متعددة، تشمل البنية التحتية، خطوط الإنتاج الصناعي، التطوير الذاتي، الذكاء الاصطناعي، إدارة الأسواق التجارية، والتكنولوجيا المتقدمة. التنوع الحاصل، يمنح المجموعة قدرة على التعامل مع مشاريع إعادة الإعمار بوصفها منظومة متكاملة، لا مجرد عقود إنشاء أو تمويل عابر.

اقرأ أيضاً: العلاقات السورية الصينية منذ “بدء التكوين” حتى هذا الحين!

لماذا لبنان؟ ولماذا شتورا بالتحديد؟

مع إعلان المجموعة افتتاح مركز لوجستي وإداري وإقليمي لها في منطقة شتورا في البقاع اللبناني، تمهيداً لإدارة عملياتها المرتبطة بسوريا والمنطقة. لننظر بتمعن في اختيار شتورا.. إنه ليس تفصيلاً جغرافياً فقط، بل قراراً محسوباً يستند إلى قربها من العاصمة السورية دمشق، التي تبعد عنها نحو 50 كيلو متراً فقط. ما يجعل من منطقة شتورا نقطة ارتكاز عملية لإدارة المشاريع، ونقل المعدات، وتنسيق الفرق الفنية واللوجستية.

تصريح الرئيس التنفيذي للمجموعة ورئيس مركز لشرق الأوسط للدراسات والتنمية “وائل ياسين“، يؤكد ما تقدمنا به، إذ  أوضح أن اختيار لبنان كمركز إقليمي في الشرق الأوسط وأفريقيا نابع حسب تعبيره من “الإيمان بدوره المحوري، وبقدرته على النهوض من أزماته متى توفرت له الفرص والإمكانات“.

لكن هذا الخطاب، وبالرغم من طابعه الإيجابي، لا ينفصل عن واقع أن لبنان يشكل منصة وسيطة ومرنة بين سوريا والأسوق الإقليمية، في ظل التعقيدات السياسية والقانونية التي ما زالت تحيط الملف السوري.

فلسفة العمل الصينية.. والنية تجاه سوريا

أهم ميزات خطاب مجموعة GCI الصينية، حسب تصريحات إدارتها، هو رفضها لمنطق المساعدات أو السياسات الريعية. المجموعة، أعلنت صراحةً أنها تسعى إلى نقل المجتمعات من موقع الاستهلاك إلى موقع الإنتاج، عبر مشاريع تنموية مستدامة تستهدف معالجة البطالة والفقر من خلال خلق بنى اقتصادية فاعلة.

هذا التوجه، انعكاس لطبيعة الشركات المنضوية ضمن المجموعة، والتي لا تقتصر على البناء، بل تمتد إلى إدارة المدن الذكية، أنظمة النقل الذكي، تطوير الخدمات الرقمية وتحسين البنية التحتية الرقمية، تحليل البيانات الكبرى، والذكاء الاصطناعي. يشير هذا التوجه، إلى رؤية لإعادة الإعمار ليس بشكلها التقليدي محض كتل إسمنتية ومجرد ترميم لما تهدم، بل بوصفها تحديثاً هيكلياً للاقتصاد.

حسب ما أعلنته المجموعة، فإن جميع الشركات الصينية والبالغ عددها 25 المنضوية ضمنها ستكون معنية، وبدرجات متفاوتة فيما بينها، بالمشاركة في عملية إعادة إعمار سوريا خلال المرحلة المقبلة، ويشمل ذلك مشاريع عديدة في:

  • القطاعات الصناعية والإنتاجية.
  • التكنولوجيا والإدارة الذكية للأسواق.
  • البنية التحتية الأساسية.
  • التطوير الزراعي.
  • المناطق الصناعية المتكاملة.

زيارة الشيباني إلى بكين.. نقطة تحول سياسي واقتصادي

في الحقيقة إن توجه المجموعة، يتكامل مع مسار أوسع تشهده العلاقات السورية – الصينية، لاسيما بعد التحرك الدبلوماسي السوري الأخير تجاه بكين.

في 17 تشرين الثاني الماضي، شكلت زيارة وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” إلى لعاصمة الصينية بكين، محطة مفصلية في إعادة تنشيط العلاقات الثنائية. الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل تخللتها مباحثات رسمية مع نظيره الصيني “وانغ يي“، تناولت إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي بمعزل عن خلفيات الصراع السوري، إضافةً إلى توسيع مجالات التعاون الاستثماري والاقتصادي.

بدورها وزارة الخارجية الصينية، أعلنت أن المحادثات ركزت على إعادة الإعمار، البنى التحتية، الاستثمار، ورفع مستوى التبادل التجاري، مع تأكيد بكين دعمها لدمشق في حفظ سيادتها ووحدة أراضيها، في ختام الزيارة صدر بيان مشترك، شدد فيه على:

  • احترام سيادة ووحدة أراضي البلدين.
  • رفض التدخل في الشؤون الداخلية.
  • تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والتنمية وإعادة الإعمار.
  • التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

بدورها دمشق، جدد التزامه بمبدأ الصين الواحدة ودعمها لمبادرة “الحزام والطريق”، مقابل تأكيد بكين الواضح أن الجولان أرض سورية محتلة، فضلاً عن دعم الصين، للمسار التنموي الوطني في البلاد.

مجلس الأعمال السوري – الصيني.. أبرز التفاهمات

في سياق موازٍ للعمل السياسي، ينشط مجلس الأعمال السوري – الصيني، إذ قام المجلس مطلع العام الجاري، بتوقيع مذكرة تفاهم مع مجموعة Suzhou Land Group الصينية، الرائدة في إدارة المدن الصناعية الذكية، بهدف نقل التجارب الدولية المتقدمة إلى سوريا وتعزيز التعاون الصناعي.

كذلك، وقعت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية في أيار الماضي مذكرة تفاهم استراتيجية مع شركة Fidi Contracting الصينية، تمنحها حق استثمار:

  • 850 ألف متر مربع في المنطقة الحرة بحسياء – حمص
  • 300 ألف متر مربع في المنطقة الحرة بعدرا – ريف دمشق

تصل مدة العقد إلى 20 عاماً، من أجل تنفيذ مناطق صناعية متكاملة ومشاريع تجارية وخدمية، في خطوة تهدف إلى خلق فرص عمل، نقل التكنولوجيا، ورفع حجم التبادل التجاري.

في ظل ما تقدمنا به من عرض للمعطيات، يبرز أمامنا سؤال هام: هل التوجه الصيني نحو سوريا حقيقي؟

عند النظر إلى المعطيات المتراكمة أمامنا، فإنها تشير إلى أن التوجه الصيني ليس خطوةً ظرفية، بل مساراً لحضور اقتصادي محسوب ينسجم مع السياسة الخارجية الصينية القائمة على “الحضور الهادئ”، أي الانخراط الاقتصادي طويل الأمد، لكن بأقل تكلفه سياسية ممكنة.

فالصين كما هو واضح، لا تسعى لملء فراغ سياسي مباشر، بل لخلق شبكة مصالح تجعل من وجودها ضرورة اقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب. في المقابل، ترى دمشق في هذا التوجه فرصةً لتوسيع هامش خياراتها الدولية، وعدم الارتهان لمسار واحد لإعادة الإعمار، خصوصاً وسط بيئة دولية متغيرة ومتنافسة فيما بينها، تحديداً بين القوى الكبرى.

بالمحصلة، لا نستطيع قراءة إعلان المجموعة الصينية نيتها إعادة الإعمار في سوريا بمعزل عن التحولات الدبلوماسية – السياسية الأخيرة، ولا عن استراتيجية بكين في الشرق الأوسط. صحيح أن المسار ما زال في بدايته، وتحكمه الحسابات الاقتصادية وتقيده التعقيدات السياسية، لكنه في ذات الوقت يشير إلى نقله نوعية للصين في المنطقة، وسوريا من ضمن حساباتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى