سياسة

من دمشق إلى الخليج بالقطار.. هل تعود سوريا عقدة ترانزيت إقليمية؟

الكاتب: أحمد علي

في 27 آب 2026 وقعت سوريا والسعودية في دمشق مذكرتي تفاهم للتعاون في السكك الحديدية والطرق. الاتفاق تناول المعايير الفنية والإشارات والرقمنة والسلامة وبناء القدرات وتوطين الصناعات، وقال وزير النقل السوري يعرب بدر إن الطرفين يحتاجان إلى ستة أشهر لتحديد البرنامج التنفيذي، وإن المذكرتين ساريتان خمس سنوات. هذه خطوة أكثر تقدماً من تصريح سياسي عابر، لكنها ليست عقد إنشاء ولا تمويلاً ولا موعداً لوصول أول قطار من دمشق إلى الخليج.

المشروع الذي يلوح خلف التفاهم أوسع من علاقة ثنائية، فالحديث يدور عن ممر يصل الشبكة السعودية بالأردن وسوريا ثم تركيا وأوروبا، مع إمكان ضم بقية دول الخليج لاحقاً. موقع سوريا يجعل هذا الخط منطقياً على الخريطة، لكن الجغرافيا لا تمنح صفة «عقدة ترانزيت» وحدها. العقدة هي مكان تتصل فيه الموانئ والسكك والطرق والمرافئ الجافة والجمارك في خدمة منتظمة يمكن للتاجر الوثوق بوقتها وكلفتها. وإذا بقيت الوصلات متقطعة والمعايير مختلفة والحدود بطيئة، سيمر الخط في الخيال أكثر مما يمر في السوق.

ما الذي وُقّع وما الذي لم يُوقّع؟

نص التعاون السككي يركز على رفع كفاءة التشغيل وتكامل الشبكات وفق معايير حديثة، وتطوير المواصفات وأنظمة الإشارات والاتصالات وإدارة الحركة، والبحث والتطوير والسلامة والتدريب والتوطين والحوكمة. هذه العناصر ضرورية لأن الممر العابر للحدود يفشل إذا اشترت كل دولة نظاماً لا يتحدث مع الآخر. كما أن مشاركة السعودية تمنح سوريا خبرة في تشغيل شبكة حديثة وفي ربط النقل بأهداف لوجستية وصناعية أوسع.

لكن المذكرة لا تحدد في صيغتها المعلنة مسار الخط، أو قياس السكة، أو كلفة المشروع الكاملة، أو مصدر التمويل، أو نسب الملكية، أو جدول المناقصات والبناء. فترة الأشهر الستة هي لذلك أول اختبار، فهل تتحول العناوين العامة إلى مسح هندسي ودراسة طلب ونموذج تمويل ومراحل واضحة؟ إذا انتهت الفترة بمذكرة جديدة من دون برنامج منشور، يبقى الاتفاق إطاراً دبلوماسياً لا مشروع نقل.

الممر المقترح والفجوة البالغة 400 كيلومتر

قال وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو في 14 حزيران إن أنقرة والرياض تستهدفان ربط السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا خلال ثلاث أو أربع سنوات. ووفق عرضه، يصل القطار السعودي إلى مناطق قريبة من الحدود الأردنية، كما تصل الشبكة التركية إلى جنوب شرقي تركيا، بينما تبقى فجوة تقارب 400 كيلومتر في سوريا والأردن. وأضاف أن استثماراً بنحو 100 مليون دولار سيعيد بناء الربط من الحدود التركية إلى حلب بما يصل المسار إلى دمشق، فيما لا تزال الخطة المالية الكاملة قيد الإعداد.

من الجانب السوري، طُرح خط حديث من دمشق إلى الحدود الأردنية، يستكمله الأردن نحو الحدود السعودية عند القريات، بكلفة تتجاوز مئات ملايين الدولارات. والفرق بين الرقمين مهم، مبلغ 100 مليون دولار يتعلق بجزء شمالي محدد، ولا يمثل كلفة الممر من الخليج إلى تركيا. كما أن هدف ثلاث أو أربع سنوات طموح يحتاج إلى تصميم متزامن وتمويل سريع وأعمال في أكثر من دولة؛ وأي تأخر في حلقة واحدة يجعل الأجزاء الأخرى أصولاً معطلة.

الخط الحجازي القديم لا يكفي للممر الجديد

يربط الخط الحجازي تاريخياً دمشق بعمان والمدينة، لكنه شُيد بقياس ضيق يبلغ 1050 ميليمتراً. أما الشبكات الحديثة عالية الحمولة فتستخدم غالباً القياس القياسي البالغ 1435 ميليمتراً. لهذا يمكن أن يكون إصلاح الخط القديم مفيداً لخدمة محلية أو سياحية أو محدودة، لكنه لا يحل تلقائياً مشكلة قطار شحن حديث يعبر من شبكة إلى أخرى. عند اختلاف القياس يلزم نقل الحاويات أو تبديل العربات، ما يضيف وقتاً وكلفة ويفقد الممر ميزته.

المشكلة لا تتوقف عند عرض السكة. يجب توحيد حمولة المحور، وطول القطار، وأنظمة الكبح والإشارة والاتصالات، ومعايير السلامة، وإجراءات اعتماد القاطرات والسائقين، والبيانات الجمركية. وقد أحسنت المذكرة السورية–السعودية وضع «التوافق والتكامل» في صلبها، لكن القرار الاستراتيجي يبقى: هل يُرمم القديم كحل انتقالي، أم يبنى خط قياسي جديد يواكب شبكات السعودية وتركيا؟ الجمع بين المسارين ممكن إذا لم يُقدَّم الترميم بوصفه بديلاً رخيصاً عن الاستثمار المطلوب.

لماذا تملك سوريا فرصة حقيقية؟

تمتد سوريا بين الحدود التركية والأردنية والعراقية وساحل المتوسط. وإذا رُبط مرفآ اللاذقية وطرطوس بالمرافئ الجافة في عدرا وحسياء وحلب، يصبح البلد قادراً على تقديم أكثر من ممر شمال–جنوب منفذ بحري، ووصلة إلى العراق، ومراكز تجميع وتوزيع وصيانة. وقبل عام 2011 كان الممر البري بين تركيا والأردن يشهد مرور 100 إلى 115 ألف شاحنة سنوياً بالاتجاهين، كما شُغل في 2009 قطار شحن من طرطوس إلى أم قصر العراقي عبر بغداد. أي إن فكرة العبور ليست اختراعاً جديداً، بل محاولة لاستعادة وظيفة تعطلت.

السكك مناسبة للحاويات والسلع السائبة والمسافات الطويلة عندما تكون الحمولة منتظمة، ويمكنها خفض استهلاك الوقود والازدحام مقارنة بالشاحنات. كما تمنح المنتجات السورية، من الخضار والفاكهة إلى الصناعات، طريقاً إلى الخليج، وتمنح الواردات السعودية والخليجية طريقاً إلى تركيا وأوروبا أو المتوسط. لكن القيمة الأعلى لا تأتي من رسم العبور فقط؛ تأتي من التخزين والتعبئة والتبريد والتأمين والإصلاح والخدمات الرقمية والمناطق اللوجستية التي تبقي جزءاً من سلسلة القيمة داخل سوريا.

هل يستطيع القطار منافسة البحر والطرق الأخرى؟

ليس كل خط على الخريطة اقتصادياً. على الممر أن ينافس الشحن البحري عبر البحر الأحمر وقناة السويس، والمسارات البرية والسككية عبر العراق، والطيران للشحنات الأعلى قيمة. البحر غالباً أرخص للكميات الكبيرة، بينما يمكن للقطار أن يكسب في السرعة والموثوقية للشحنات المتوسطة والحاويات والغذاء، خصوصاً عندما تتعطل الممرات البحرية. لكن هذه الميزة تختفي إذا أمضت الشحنة يوماً عند كل حدود أو دفعت رسوماً غير متوقعة.

تحتاج دراسة الجدوى إلى إجابات عن حجم الحمولة السنوية واتجاهها، فهل توجد بضائع كافية في الاتجاهين، أم يعود القطار فارغاً؟ ما كلفة الطن–كيلومتر؟ وما زمن الرحلة من الباب إلى الباب لا من محطة إلى محطة؟ وما سعر التأمين في بيئة ما بعد الحرب؟ كما ينبغي الفصل بين قطار الركاب الذي يحمل جاذبية رمزية أو سياحية وقطار الشحن الذي يبرر الاستثمار. يمكن مشاركة البنية، لكن نماذج الإيراد والتشغيل مختلفة.

أربع دول تعني حوكمة واحدة للممر

توجد الآن تفاهمات متقاطعة، مذكرة تركية–سورية–أردنية وُقعت في نيسان، وتعاون سعودي–تركي أُعلن في حزيران، ومذكرتان سوريتان–سعوديتان في آب. هذا الزخم مفيد، لكنه قد ينتج دراسات متوازية ومعايير متضاربة إذا لم يُجمع في برنامج واحد. الممر يحتاج هيئة تنسيق رباعية أو اتفاقاً متعدد الأطراف يحدد المسار والمعايير والتمويل والرسوم وحقوق التشغيل وتسوية النزاعات وتبادل البيانات.

الأمن شرط تشغيل لا شعار. أجزاء من الشبكة السورية تعرضت للتدمير والسرقة، وتحتاج المسارات إلى مسح للألغام ومخلفات الحرب وحماية المنشآت، بينما تحتاج الحدود إلى جمارك رقمية وفحص مسبق للشحنة وضمانات للعبور. كما يجب أن تكون قواعد منح العقود والمشتريات شفافة، وألا يتحول المشروع إلى مناطق نفوذ مغلقة. المستثمر لا يمول قضباناً فقط؛ يمول التزام أربع حكومات بتشغيلها بالطريقة نفسها لعقود.

خريطة تنفيذ واقعية

في الأشهر الستة الأولى يمكن إنجاز جرد الأصول والمسح الهندسي ودراسة الطلب واختيار القياس والمسار وتقدير الكلفة البيئية والمالية. وبالتوازي، ينبغي تفعيل الترانزيت الطرقي وتبسيط التأشيرات والجمارك، لأن الشاحنات تختبر السوق وتبني الحمولة قبل اكتمال السكة. وفي مرحلة تالية يمكن إصلاح الوصلات ذات العائد المبكر، ربط المرافئ بالمرافئ الجافة، وتأهيل الخط شمال دمشق نحو حلب والحدود، وتجهيز المراكز اللوجستية.

أما الخط الحديث جنوب دمشق عبر الأردن فيحتاج إلى تمويل متعدد السنوات وتعاقدات واضحة. تحدث الوزير السوري سابقاً عن عمل مع البنك الدولي لدعم فني وتمويل تقديري بين 65 و200 مليون دولار على شكل منح، لكن ذلك لا يغطي بالضرورة المشروع الإقليمي كله ولا ينبغي تسجيله كتمويل مضمون قبل إقراره. يمكن المزج بين المنح للأعمال العامة والسلامة، وتمويل سيادي للخط، وشراكات خاصة للمحطات والخدمات، بشرط ألا تُحمّل رسوم مرتفعة تقتل تنافسية الممر.

متى تصبح سوريا عقدة ترانزيت فعلاً؟

النجاح لا يُقاس بطول القضبان وحده. المؤشرات الحاسمة هي عدد القطارات والحمولات، وزمن الانتظار عند الحدود، والتكلفة لكل طن، ودقة المواعيد، ونسبة البضائع التي تنتقل بين المرفأ والسكة والطريق من دون تأخير، وحجم الاستثمار الخاص في التخزين والتبريد والصيانة. كما يجب قياس حصة المنتج السوري من القطارات؛ فالممر الذي يعبر البلد من دون أن يربط مصانعه ومزارعه ليس عقدة تنمية كاملة.

هناك أيضاً معيار الاستمرارية. العقدة الإقليمية تعني أن شركة شحن تستطيع حجز رحلة أسبوعية أو يومية طوال العام وفق تعرفة منشورة ونظام تتبع وتأمين، لا قطاراً احتفالياً واحداً. إذا تحقق هذا الانتظام وربطت الشبكة الموانئ والمدن الصناعية والحدود، تستعيد سوريا موقعاً فقدته. وإذا بقيت المذكرات بلا حمولة وجدول تشغيل، ستكون الجغرافيا فرصة غير مستثمرة.

تمتلك سوريا المقومات الجغرافية لتعود ممراً بين الخليج وتركيا وأوروبا، وقد منح توقيع 27 آب الفكرة إطاراً سورياً–سعودياً واضحاً. لكن الطريق إلى القطار لا يزال يمر عبر برنامج تنفيذي وتمويل وخط حديث ومعايير موحدة وفجوة بنية تحتية تقارب 400 كيلومتر. لذلك ستعود حركة الشاحنات أسرع، بينما تحتاج السكة إلى سنوات من العمل المتزامن.

صفة «عقدة ترانزيت» لا تمنحها خريطة ولا سكة منفردة؛ تمنحها شبكة موثوقة تربط المرافئ والمرافئ الجافة والمصانع بالحدود، وتخفض الزمن والكلفة وتبقي قيمة اقتصادية داخل البلد. إذا تحولت المذكرات خلال ستة أشهر إلى مسار ممول ومؤشرات تشغيل، يكون القطار مشروعاً إقليمياً. وإلا يبقى وعداً جذاباً يسير أسرع من القضبان.

اقرأ أيضاً: الشرع يتصل بالرياض وأبو ظبي: أين تقف سوريا في معادلة أمن الخليج؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى