من جبل السيدة إلى مغارة الضوايات.. مشتى الحلو مقصد ديني وسياحي

تزخر سوريا بالكثير من المواقع السياحية التي تجمع بين سحر الطبيعة وعبق التاريخ، فهذه الأرض العريقة التي تمتد جذورها عبر آلاف السنين، منها انبثقت مدن وبلدات أصبحت اليوم وجهات يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم. ومن بين تلك الوجهات تتألق مشتى الحلو، التي يليق اسمها بجمالها، إذ تمتاز بطبيعة خلابة تمتزج فيها ملامح الجبل مع انسياب النهر والنبع، لتكوّن لوحة إلهية تنطق بروعة الخالق، وتنعكس على طيبة أهلها وكرمهم. وفي هذا المقال، سنأخذ القارئ في جولة شيقة للتعرف على بلدة مشتى الحلو، واستكشاف معالمها السياحية والدينية التي جعلت منها درةً بين مصايف سوريا.
الموقع واللغة السريانية المتجذرة بمشتى الحلو
تعد بلدة مشتى الحلو من أجمل المصايف السورية، وتتبع إدارياً لمحافظة طرطوس. تتميز بموقعها الجغرافي الفريد بين الجبال، إذ ترتفع عن سطح البحر نحو 600 متر، ويتدرج ارتفاعها بانسيابٍ لطيف يعطيها الطقس المعتدل والمناظر الطبيعية الخلابة، وتحيط بها المرتفعات والجبال الخضراء من كل الجهات.
تقع البلدة على سفوح جبال اللاذقية، وتجاورها العديد من المعالم التاريخية المهمة، فمن الشمال يحدها حصن سليمان على بعد نحو 15 كم، ومن الجنوب قلعة الحصن التي تبعد حوالي 25 كم، أما من الغرب فيقع برج صافيتا على بعد 20 كم، ومن الشرق قلعة مصياف التي تبعد عنها أيضاً قرابة 25 كم. وهذا الموقع المميز جعل منها نقطة وصل بين التاريخ والطبيعة، ومقصد مفضل للسياح على مدار العام.
أما عن أصل اسم مشتى الحلو، فيوضح المهندس نبيل حنا، رئيس مجلس البلدة، أن الاسم مشتق من اللغة السريانية، فالكلمة “أوشتي” تعني “الأرض كثيرة الينابيع”، بينما تعني كلمة “مشتو” “النبع العذب”، وكلا المعنيين يشيران إلى غزارة ينابيعها وصفاء مياهها. وقد كانت تعرف قديماً باسم مشتى الروم، ثم اختصر الاسم لاحقاً إلى المشتى.
ويرجع سبب إضافة كلمة “الحلو” إلى واقعة طريفة من تاريخ البلدة، إذ كان فيها في الماضي مختاران: الأول من عائلة الحلو ويدعى ديب إبراهيم الأسبر، وكان على خاتمه الرسمي نقش “مشتى الحلو”، والثاني هو توفيق سليمان الخوري، وكان على خاتمه اسم “المشتى”. وبعد وفاة المختار الثاني، اكتفت البلدة بالمختار الأول، فغلب اسمه على البلدة، واستمر استخدام التسمية الحالية “مشتى الحلو” حتى يومنا هذا.
طبيعة خلابة ومناطق سياحية تسرق قلوب الزوار
تتميز بلدة مشتى الحلو بطبيعة خلّابة تنبض بالحياة والجمال، إذ تُحيط بها الجبال البركانية والمرتفعات الخضراء من كل الجهات، والينابيع الكثيرة التي عبر عنها أصل تسميتها، ومن هذه الينابيع: نبع العين العتيقة، نبع الجرفة، نبع الأقرع، نبع بشور، نبع البغلي، نبع الساحلي، نبع العروس، نبع العطشان، وأخيراً نبع مار إلياس.
وتجاور البلدة العديد من القلاع التاريخية المهمة التي تضفي عليها طابعاً أثرياً مميزاً، مثل حصن سليمان، وقلعة الحصن، وبرج صافيتا، وقلعة مصياف، مما يجعلها وجهة مثالية للسياحة والاستجمام على مدار العام.
كما يجاور مشتى الحلو جبلان بركانيان هما جبل السيدة وجبل المشتى، ولكل منهما مكانته الخاصة في ذاكرة الأهالي وتقاليدهم. فيقول السيد فرج الله طنوس، الموظف في مؤسسة المياه في البلدة: “اعتدنا نحن أهالي المشتى، قبل يوم من بدء الصوم الكبير، أن نحمل سلالاً من الطعام ونصعد في مسيرة سنوية إلى جبل المشتى، حيث نقضي الليلة هناك بين الطعام والأنس والتسامر.” أما جبل السيدة، فيغدو في الخامس عشر من آب من كل عام مقصداً للمصطافين من مختلف أنحاء البلاد، إذ يحتفلون فيه بعيد السيدة العذراء في أجواء روحانية مميزة.
وعند التوجه شمالاً من البلدة، تظهر إحدى أشهر معالمها الطبيعية، وهي مغارة الضوايات، التي تُعد من أروع الكهوف في سوريا. وقد اكتُشفت عام 1914م، واستُكشفت حتى عمق 400 متر دون أن تُعرف نهايتها بعد. سُميت “الضوايات” لوجود سبع فتحات صغيرة في سقفها تُضيء قاعتها الأولى بأشعة الشمس. ويُقدر عمرها الجيولوجي بحوالي 20 مليون سنة، إذ يعود تكوينها إلى العصر الجيولوجي الرابع، وتتشابه في طابعها مع مغارتي جعيتا وقاديشا في لبنان، وهي اليوم من أبرز المعالم السياحية في المنطقة.
ولا يمكن الحديث عن مشتى الحلو دون ذكر شجرتها الشهيرة “دلبة المشتى”، التي تُعد رمزاً للبلدة ومفخرةً لأهلها. يروي السيد علي العمر، أحد أبناء البلدة العاملين في مجال السياحة، قائلاً: “تُقدّر شجرة الدلبة بنحو 500 عام، وقد تبين ذلك من قطر الجذع الكبير الذي سقط مؤخراً. يبلغ محيطها حوالي 6 أمتار، وارتفاعها نحو 25 متراً.” وقد أصبح لهذه الشجرة حضور مميز في حياة السكان، إذ سُمّيت الساحة التي تتوسطها باسم “ساحة الدلبة”، وأُطلق اسمها كذلك على مقهى الدلبة ونبع الدلبة ووادي الدلبة وحتى على جوقة الدلبة الزجلية، في تعبيرٍ جميل عن عمق ارتباط الأهالي بتراثهم وطبيعتهم.
أما مناخها المعتدل جعلها وجهة مثالية للاستجمام في كل الفصول. فصيفها لطيف منعش، بينما يتحوّل شتاؤها إلى لوحة بيضاء حين تتساقط الثلوج على مبانيها الحديثة ومنتزهاتها الجميلة، مما يضفي عليها طابعاً أوروبياّ فريداً.
مهرجانات ثقافية ومرافق سياحية
تتمتع البلدة بمقومات سياحية متكاملة، جعلتها مقصداً للزوار من مختلف أنحاء سوريا والعالم العربي، وحتى من الدول الأجنبية. فإلى جانب مناخها النقي وطبيعتها الخلابة، تنتشر فيها المنتجعات الراقية والفنادق والمطاعم والمقاهي والاستراحات، التي توفر للزائر كل سبل الراحة والمتعة. كما تحيط بها مجموعة من المواقع الأثرية والطبيعية، إلى جانب المغاور والكهوف التي تشكل عامل جذب إضافي لعشاق المغامرة والطبيعة.
ويُقام في مشتى الحلو مهرجان سياحي فلكلوري سنوي في شهر أيلول (9) من كل عام، يحمل اسم “مهرجان مشتى الحلو”، ويتضمن عروضاً فنية ومسابقات وحفلات متنوعة تُبرز الطابع الثقافي والتراثي للمنطقة. كما يُقام في منتصف شهر آب (8) مهرجان السيدة، وهو احتفال تراثي وديني يعود إلى عشرات السنين، يجمع الأهالي والزوار في أجواء مليئة بالبهجة والروحانية. وتحتضن البلدة أيضاً فعاليات موسيقية وثقافية مختلفة ضمن مهرجان الموسيقى، ما يجعلها مركزاً حيوياً للأنشطة السياحية والفنية في الساحل السوري.
أما من حيث المنشآت السياحية، فتضم البلدة عدداً من المنتجعات والفنادق المميزة، من أبرزها:
- منتجع مشتى الحلو
- فندق مونتانا
- فندق بانوراما
- فندق الكرم
- فندق البرادايس
وفي عام 2023، شهدت البلدة نقلة نوعية مع إعادة تأهيل منتجع مشتى الحلو السياحي المصنف بفئة أربع نجوم، والمقام على مساحة تبلغ 25,000 متر مربع. يضم المنتجع 66 شاليهاً و30 غرفة و8 أجنحة، إلى جانب مطاعم ومسابح وملاعب ومرافق خدمية متكاملة. كما وفر المشروع نحو 150 فرصة عمل عند افتتاحه، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 300 فرصة عمل خلال ذروة الموسم السياحي، ما يعكس الدور الحيوي للقطاع السياحي في دعم الاقتصاد المحلي وتنشيط الحركة السياحية في المنطقة.
وفي الختام، تبقى مشتى الحلو واحدة من أجمل الأماكن التي يمكن زيارتها في سوريا، فكل من قصدها تحدث عن سحر طبيعتها وتنوع معالمها التي تأسر الأنظار. وما يزيدها جمالاً هو طيبة أهلها وكرمهم الذين يستقبلون زوارهم بابتسامة صادقة ودفء لا ينسى. إن زيارة مشتى الحلو تجربة بسيطة في ظاهرها، لكنها تترك في القلب ذكرى جميلة وصوراً لا تمحى من الذاكرة.
اقرأ أيضاً: قلعة شميميس.. لؤلوة الطبيعة الشاهدة على الذاكرة التاريخية للمنطقة









