من بيان المحافظة إلى احتجاج المزة: ما رأي الأهالي بحلول المرسوم 66؟

الكاتب: أحمد علي
لم يكن بيان محافظة دمشق الأخير نهاية القصة. بالنسبة إلى كثير من أهالي المزة وكفرسوسة، بدا البيان أقرب إلى محاولة لترتيب ملف طال انتظاره، لا إلى حل يطوي أثره. فالناس لا تقيس الإنصاف بعبارة رسمية، بل بما يعود إليها من بيت، أو بدل إيجار، أو حق واضح في أرض خرجت من يدها ثم عادت إليها على شكل أسهم ومواعيد.
هنا يبدأ سؤال المرسوم 66 من مكان مختلف. ليس من خرائط الأبراج ولا من واجهات ماروتا، بل من صاحب البيت الذي انتظر أكثر من عقد، ومن العائلة التي دفعت كلفة الإيجار من دخل متآكل، ومن المالك الذي سمع أن التظلمات دُرست، لكنه يريد أن يعرف كيف ستُرد الحقوق ومن يضمن ذلك.
المرسوم 66 بعد بيان المحافظة
أعلنت محافظة دمشق، في الخامس من أيار 2026، إجراءات قالت إنها تهدف إلى معالجة آثار تطبيق المرسوم 66 في منطقتي ماروتا سيتي وباسيليا سيتي. وفق البيان، درست المحافظة 1606 طلبات تظلم، وأنجزت حل 1122 منها، فيما بقيت الطلبات الأخرى قيد الدراسة. كما أعلنت رفع بدل الإيجار إلى 35 ضعفاً، وإعادة حق السكن البديل والتعويضات لأكثر من 1000 عائلة كانت مستبعدة سابقاً، وزيادة المساحات الطابقية بنسبة 13.9%، وخفض تكاليف التنفيذ من 11.5% إلى 5%، وإلغاء بيع المقسم V192 بالمزاد العلني.
هذه أرقام لا يمكن تجاهلها. لكنها لا تكفي وحدها لتغيير شعور الأهالي. فالمشكلة، كما يراها كثير من المتضررين، لم تعد في بند واحد من بنود المرسوم، بل في مسار طويل بدأ منذ عام 2012، وترك خلفه عائلات تنتظر السكن البديل، وحقوقاً تحولت إلى إجراءات معقدة، وذاكرة مكانية لم تعد تجد لنفسها مكاناً في المشروع الجديد.
المحافظة تصف المرسوم بأنه تنظيمي لا استملاكي، وتقول إن الملكيات لا تُنزع بل تتحول إلى أسهم تنظيمية، مع سكن بديل للمستحقين. هذا هو التصور القانوني الرسمي. لكن الأهالي ينظرون إلى المسألة من زاوية أبسط وأقسى. إذا بقي الحق على الورق ولم يتحول إلى مسكن أو تعويض عادل، فكيف يشعر صاحبه بأن الملكية بقيت فعلاً في يده؟
من هنا جاءت الفجوة بين البيان الرسمي ورد الفعل الشعبي. المحافظة تتحدث عن تصحيح. الأهالي يسألون عن مقدار التصحيح، وعن صدقيته، وعن سبب بقائه دون ما يقول ممثلوهم إنه جرى الاتفاق عليه سابقاً.
ما الذي يقوله الأهالي؟
لا يرفض الأهالي كل إجراء جديد. هذا غير دقيق. أي رفع في بدل الإيجار، وأي إعادة لحق عائلة كانت مستبعدة، وأي تعديل في السكن البديل، يمكن أن يكون خطوة إلى الأمام. لكن الاعتراض الأساسي أن هذه الخطوات، في رأي ممثلين عن المالكين والمتضررين، لا تصل إلى مستوى الضرر ولا إلى مستوى الوعود التي قُدمت لهم أثناء النقاشات.
تظهر هذه النقطة بوضوح في ملف بدل الإيجار. أعلنت المحافظة رفعه إلى 35 ضعفاً، ليصبح إجمالي المبلغ السنوي 56.274 مليار ليرة سورية قديمة، مع صرف ستة أشهر فوراً وتسديد المتأخرات. لكن المهندس إبراهيم شيخ الشباب، ممثل لجنة المزة لمتابعة المرسوم 66، قال في تصريحات رصدتها «سوريا اليوم 24» إن الاتفاق السابق كان على 50 ضعفاً لا 35. والفارق هنا ليس حساباً مالياً فقط. إنه سؤال عن الثقة بالتفاوض نفسه.
إذا كان الأهالي قد دخلوا في حوار مع المحافظة على أساس رقم، ثم صدر القرار برقم أقل، فالمشكلة تتجاوز قيمة البدل. تصبح المسألة مرتبطة بطريقة صناعة القرار، وبموقع أصحاب الحق داخل هذا القرار. هل هم شركاء في الحل، أم مستمعون إلى نسخة جاهزة منه؟
لهذا رفضت لجنة مالكي ماروتا وباسيليا قرارات المحافظة، واعتبرتها تراجعاً عن تفاهمات سابقة. وذكرت اللجنة، بحسب ما نُقل عنها، مطالب تتصل بتخصيص مساحات شاقولية للمالكين، ومنح جزيرتين مخصصتين للمدارس لصالحهم، وإلغاء حصة المحافظة في السكن البديل البالغة 15%، وتنازل المؤسسة العامة للإسكان عن حصتها البالغة 5%. قد تكون هذه المطالب محل نقاش تفصيلي، لكنها تعبر عن شعور واضح بأن الحل يجب أن يضع أصحاب الأرض في المركز، لا في الهامش.
السكن البديل ليس بنداً فنياً
السكن البديل هو قلب الملف. لا يعيش الناس في سهم تنظيمي، ولا يحفظون كرامتهم في جدول مساحات. فالبيت هو المعنى العملي لأي تعويض. وإذا تأخر أكثر من عقد، فإن كل حديث جديد عن التسليم يحتاج إلى ضمان أقوى من الوعد.
تقول المحافظة إنها ستنفذ 54 برجاً للسكن البديل خلال ثلاث سنوات، مع تقسيط يمتد على عشر سنوات. كما أعلنت استبدال مقاسم السكن البديل غير المتعاقد عليها بمقاسم مخصصة للمحافظة في باسيليا، بحيث يكون جميع السكن البديل ضمن المنطقة العقارية المزة جنوب المتحلق الجنوبي، بدلاً من توزيعه في مناطق أخرى مثل القدم ونهر عيشة. هذه نقطة مهمة لأنها تقر، ولو بصورة غير مباشرة، بأن نقل الأهالي بعيداً عن بيئتهم القديمة قد يضيف ضرراً جديداً إلى الضرر الأصلي.
لكن السؤال لا ينتهي عند الموقع. ثلاث سنوات مدة تنفيذية مقبولة في لغة المشاريع، لكنها طويلة جداً لمن ينتظر منذ 2012. والتقسيط لعشر سنوات قد يكون تسهيلاً في الأوراق، لكنه يصبح عبئاً إذا كان المستحق لا يملك دخلاً يكفي لدفع الأقساط. من فقد بيته أو دخله أو استقراره لا يجوز أن يدخل إلى بيته البديل كمدين جديد.
لذلك يصر الأهالي على أن يكون السكن البديل حقاً مضموناً، لا تسوية مالية مفتوحة، ولا عبئاً مؤجلاً. إذا كان المشروع قد قام على أرضهم وبيوتهم، فمن الطبيعي أن يكون السكن قبل الاستثمار، والحق قبل استكمال الواجهة.
احتجاج المزة ليس اعتراضاً عابراً
احتجاج المزة جاء من تراكم طويل. لم يظهر لأن بياناً واحداً لم يعجب الأهالي، بل لأن الثقة تآكلت عبر سنوات من الانتظار. خلال الأشهر الماضية، جدد المتضررون مطالبهم، وانتقدوا تطبيق المرسوم، وطالبوا برفع الظلم عنهم. وفي تشرين الأول 2025، نقلت وسائل إعلام عن محافظ دمشق قوله إن إلغاء أو تعديل المرسوم ليس من صلاحيات المحافظة، بل يحتاج إلى مرسوم رئاسي ومسار قانوني واضح، وإن تنفيذ المرسوم مجمد في باسيليا وغيرها إلى حين مناقشة التشريعات والقوانين تحت قبة مجلس الشعب.
هذا التصريح كان مهماً لأنه أقر بوجود حدود لصلاحيات المحافظة. لكنه لم ينهِ المشكلة. فمن وجهة نظر الأهالي، معرفة الجهة التي لا تملك الحل لا تكفي. المطلوب معرفة الجهة التي تملك الحل، والوقت الذي ستتحرك فيه، وما إذا كان الحل سيعالج جوهر الضرر أم سيحاول تحسين شروطه فقط.. وربما لهذا السبب، وجه بعض المتظاهرين كلامه إلى رئيس البلاد أحمد الشرع طالباً منه النظر في المسألة والإنصاف.
بعد بيان أيار، جاء الرفض من أكثر من اتجاه. لجنة المالكين رأت أن القرارات لم تلتزم بما جرى التفاهم عليه. ورابطة إسقاط المرسوم 66 اعتبرت أن البيان يكرس المشكلة، لأن المحافظة نفسها طرف في تنفيذ المرسوم وليست جهة محايدة. قد تختلف اللغة بين من يطالب بإسقاط المرسوم ومن يطالب بتعديل شروط التعويض، لكن المشترك واضح. ما صدر لا يكفي، وما يُطلب هو حق أكثر وضوحاً وضماناً.
العدالة قبل استكمال المشروع
تقول المحافظة إنها تحاول التوازن بين حقوق المالكين واستمرارية المشروع ومصالح المالكين الجدد والمقاولين والشركات. هذا توصيف واقعي لتعقيد الملف. فماروتا وباسيليا لم تعودا أرضاً خاوية من الالتزامات. هناك مقاسم بيعت، وعقود وقعت، وشركات دخلت، ومشترون جدد رتبوا حساباتهم على استمرار المشروع.
لكن هذا التعقيد لا ينبغي أن يبدل ترتيب العدالة. أصل الأرض له أصحاب. وأصل الضرر وقع على من أُخرجوا من بيوتهم أو تحولت ملكياتهم إلى أسهم. كل طرف دخل لاحقاً إلى المشروع دخل على ملف قائم، لا على صفحة بيضاء. لذلك لا يصح أن تتحول حماية المستثمر أو المقاول إلى سقف أعلى من حماية المالك الأصلي والمستحق للسكن البديل.
التطوير العمراني لا يكسب شرعيته من شكل الأبراج. يكسبها من الطريقة التي عومل بها الناس قبل البناء وأثناءه وبعده. إذا بقي صاحب الحق خارج القرار، فإن كل تقدم في البنى التحتية سيبقى ناقصاً في نظره. المدينة الجديدة لن تبدو جديدة لمن يشعر أنه دفع ثمنها من بيته القديم.
هذا لا يعني رفض التنظيم ولا إنكار حاجة دمشق إلى بنية أفضل وطرقات وخدمات ومساحات منظمة. بل يعني أن التنظيم يجب أن يبدأ من الناس، لا من إزاحتهم. لا معنى لمدينة حديثة إذا كانت العدالة فيها مؤجلة.
أين تتشكل فجوة الثقة؟
فجوة الثقة لا تأتي من نقطة واحدة. تأتي من سنوات. صدر المرسوم عام 2012. تعاقبت التصريحات. تأخر السكن البديل. تغيرت الأسعار. تضخمت كلفة الإيجار. خرج بعض أصحاب الحقوق من البلاد. حُرم آخرون بسبب قيود أمنية أو نقص في الأوراق. ثم جاءت لجان، وورشات، ووعود، وبيانات، من دون أن يشعر الأهالي بأن النهاية صارت قريبة.
لهذا لا يكفي أن تقول المحافظة إن التظلمات تُدرس. يحتاج المتضرر إلى معرفة دقيقة. ما نوع التظلمات التي حُلت؟ كم عائلة استعادت حق السكن؟ ما سبب رفض الطلبات الأخرى؟ ما مصير الطلبات العالقة؟ هل توجد جهة مستقلة للمراجعة؟ وهل يمكن نشر محاضر الاجتماعات التي جرت مع لجان الأهالي؟
الشفافية هنا ليست مطلباً تجميلياً. هي شرط لتخفيف التوتر. عندما يخرج البيان عاماً، يملأ الناس فراغه بالشك. وعندما تغيب التفاصيل، يصبح كل رقم قابلاً للتأويل. وقد يكون بعض ما أعلنته المحافظة إيجابياً فعلاً، لكنه يفقد جزءاً من أثره إذا لم يرَ الأهالي طريقاً واضحاً للوصول إليه. الناس لا تطلب أن تُدار الدولة بالهتاف. تطلب أن لا تُدار حقوقها بالغموض.
ما الذي يمكن أن يكون حلاً؟
الحل لا يبدأ من جملة كبيرة عن إنصاف المتضررين. يبدأ من إجراءات محددة. تثبيت ما جرى الاتفاق عليه مع لجان الأهالي بمحاضر معلنة. إعادة النقاش في بدل الإيجار إذا كان هناك تعهد سابق برفعه إلى 50 ضعفاً. نشر برنامج زمني ملزم للسكن البديل، يحدد الأبراج والمواقع ونسب الإنجاز ومواعيد التسليم. تعليق أي تصرف نهائي بالمقاسم محل الخلاف إلى حين حسم حقوق أصحابها. فتح آلية اعتراض سهلة ومجانية أو منخفضة الكلفة، لا ترهق من أُنهك أصلاً.
يحتاج الحل أيضاً إلى مراجعة أوسع لحالات الاستبعاد السابقة. إذا كانت المحافظة أعادت حق السكن البديل والتعويضات لأكثر من 1000 عائلة، فهذا يعني أن هناك خللاً واسعاً سابقاً جرى تصحيحه جزئياً. ومن الطبيعي أن يسأل الناس هل فُتحت كل الملفات المشابهة؟ وهل هناك من بقي خارج القوائم بسبب ظروف أمنية أو إدارية لم تعد قائمة؟
الأهم أن يكون الأهالي طرفاً فعلياً في المتابعة. لا يكفي حضورهم في اجتماع ثم غيابهم عند إصدار القرار. ممثلو المتضررين يجب أن يكونوا داخل آلية واضحة، لا في موقع من يتلقى البيان بعد صدوره. وإذا كانت المحافظة تريد استئناف الثقة، فعليها أن تقبل بأن الثقة تُبنى بالمشاركة لا بالإبلاغ.
اقرأ أيضاً: تشكيل لجنة عليا لمراجعة إجراءات تنفيذ المرسوم 66









