ثقافة وتراث

من الهيكل اللاتيني إلى المسجد.. تحولات مسجد القبة “الضحى” في اللاذقية

بقلم: ريم ريّا

يقف جامع الضحى في قلب حيّ الصليبة القديم بمدينة اللاذقية بوصفه شاهداً على تعاقب الحضارات وتحوّل المعاني الدينية والعمرانية عبر قرون طويلة مرّت على هذه المدينة الساحلية. هذا الجامع الصغير بمساحته، العميق بدلالاته، لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل محطة تاريخية انتقلت من الوثنية إلى المسيحية ثم إلى الإسلام، حاملاً في حجارته وأقواسه ذاكرة مدينة كاملة. من موقعه القريب من أعمدة باخوس وحديقة أبي تمام، وعلى الطريق المؤدي إلى البحر وسور المرفأ، يختصر جامع الضحى سيرة اللاذقية القديمة بكل ما فيها من تحوّل واستمرار.

موقع المسجد وتحولاته وتاريخ ترميمه

مسجد الضحى (القبة) يقع في حي الصليبة القديم في مدينة للاذقية، بين أبنية غلب عليها البناء المعماري القديم، فالحجارة والأزقة والجدران العالية تحيط بالمسجد القديم. ويقع إلى الغرب من أعمدة باخوس مقابل جامع ياسين القديم والذي أعيد ترميمه عام 2011، وقريباً من حديقة أبي تمام المشهورة في المدينة. ووجود القبة على البناء جعل الناس يطلقون عليه اسم مسجد القبة قديماً.

يقع المسجد ضمن منطقة تعد الأقدم على الإطلاق في المدينة وتشملها حدود المدينة القديمة التي وضعتها لجنة حماية المدينة القديمة في مجلس المحافظة.

 

اقرأ أيضاً: حين يلتقي التاريخ بالروح .. دير مار يعقوب “مار موسى الحبشي” في سوريا

الضحى

التغيرات التي طرأت على المسجد عبر السنوات

طرأت على هذا البناء تغيرات كثيرة في الفترات اللاحقة، ذهبت بملامحه الأصلية، ونلاحظ ذلك من نوعية الحجارة التي تختلف في أحجامها وشكلها. للمسجد مدخل من الشارع الفرعي الشرقي يؤدي إلى فسحة سماوية توصل بدورها إلى المدخل الرئيسي للمسجد، ومنه إلى بهو مستطيل مسقوف بقبة حجرية تتوسط البهو، ومئذنة المسجد اثني عشرية متوسطة الارتفاع، وواجهاته بسيطة حيث نلاحظ وجود آثار قنطرتين في الشرقية منها والغربية، كما توجد نافذتان على شكل صليب تؤكد أن المبنى كان كنسية في وقت من الأوقات، أما اليوم فتحول إلى مسجد بعد أن تم ترميمه سنة 2005.

بعد أن كان هذا الصرح عبارة عن هيكل (مصلى) لاتيني صغير حرره صلاح الدين الأيوبي عند تحرير اللاذقية من سيطرة الصليبين، ليتحول إلى مسجد القبة في الفترة نفسها مع جامع الأمشاطي الذي كان كنيسة لاتينية 584 هجري / 1188 ميلادي. وعند النظر إلى الجدار الشرقي والغربي للجامع من الخارج نلاحظ عقد للهيكل في أعلى قوسه إشارة الصليب.

الضحى 2

رمزية المسجد بالنسبة لأهالي اللاذقية

يمثل جامع الضحى “القبة” لأهالي اللاذقية أكثر من كونه بناءً دينياً، بل إنه رمز للاستمرارية التاريخية والهوية المتراكمة للمدينة نظراً لما تعاقب عليها من قرون وحضارات.

وجود المسجد في أقدم أحيائها، واحتفاظه بعناصر معمارية تكشف ماضيه كهيكل وكنيسة، جعله تجسيداً حيّاً لفكرة التعايش والتحول دون انقطاع. بالنسبة لأبناء حي الصليبة وعموم اللاذقية، يعكس الجامع قدرة المدينة على استيعاب التحولات الكبرى مع الحفاظ على روح المكان، كما يمنح شعوراً بأن التاريخ ليس طبقات منفصلة، بل قصة واحدة مكتوبة بالحجر ومحفوظة في الذاكرة.

لذلك بقي جامع الضحى جزءاً من الوعي الجمعي للمدينة، فلا يقاس المسجد بحجمه أو بمساحته بل بما يحمله من معنى وما يختزله من تحولات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى