من النشرات السعرية في عهد النظام السابق إلى السوق الحر: تحديات ضبط الأسعار

بقلم هلا يوسف
شهدت الأسواق السورية تحولات كبيرة في السنوات الأخيرة، مع تراجع دور الدولة المركزي في تسعير المواد الأساسية واعتماد نماذج أكثر حرية للسوق. بدءاً من النشرات السعرية الرسمية التي كانت تصدرها وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، مروراً بانسحاب الوزارة من إصدار النشرات الأسبوعية، وصولاً إلى تبني نموذج السوق الحر بعد التحرير وسقوط النظام السابق، حيث كانت هذه التغييرات محاولة لموازنة حرية السوق مع حماية المستهلك في بيئة اقتصادية معقدة تتأثر بتقلبات سعر الصرف وارتفاع التكاليف. لكن في المقابل ظهرت تساؤلات عديدة من بينها: هل يمكن لحرية السوق وحدها أن تضمن حماية المستهلك؟ وهل الرقابة الحالية كافية لضبط الأسعار وتحقيق توازن بين مصالح التجار والمواطنين؟
النشرة السعرية.. بين الشكلية والواقع
فرضت سنوات الحرب على النظام السابق اتباع نموذجٍ معينٍ في إدارة السوق الذي ترافق مع عقوبات وحصار وقلة في الاستيراد. فقد بدأت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك تصدر نشرات أسعار رسمية للسلع الأساسية مثل السكر والزيوت والأرز، تحدد فيها الحد الأعلى لسعر البيع للمستهلك، مع إمكانية البيع بسعر أقل، وحذرت من العقوبات على المخالفين وفق القانون رقم 14 لعام 2015. بدأت أولى هذه النشرات في 3 ديسمبر 2019، بهدف ضبط الأسواق وتوفير مرجع للمستهلك، مع التأكيد على أن المواد غير الممولة من المصرف المركزي ستسعر بالتعاون مع غرف التجارة وباستخدام نظام الفواتير، على أن تراقب الأسعار دوريات التموين والمكاتب التنفيذية ومجالس المحافظات – التي كانت بدورها تأخذ أتاوات من المحال التجارية على أن يغضو البصر عن المخالفات. كما حاولت الحكومة ضمان استمرار تمويل المواد الأساسية بالتوازي مع توزيع سلل استهلاكية بسعر ثابت عبر المؤسسة السورية للتجارة، لضمان توفرها للمواطنين.
لكن هل كانت هذه الإجراءات فعلاً كافية لضبط الأسعار؟ الواقع أظهر أن الالتزام بالنشرات كان ضعيفاً، إذ كانت تقلبات سعر الصرف مقابل الدولار واختلاف العرض والطلب تجعل النشرات غالباً متأخرة عن السوق الحقيقي، عدا عن الأتاوات والرشوة التي ذكرناها سابقاً، حتى أن النشرات أصبحت أكثر شكلية من كونها أداة ضبط فعالة. في 2023، توقفت الوزارة عن إصدار النشرات الأسبوعية، وتركت التسعير لتجار الجملة والمنتجين عبر الفواتير، مما أدى إلى فوضى وارتفاعات غير مضبوطة، خصوصاً للمواد الأساسية مثل البيض واللحوم والسكر والأرز.
وأشار الاقتصادي حسين جميل آنذاك إلى أن النشرة لم تكن مطبقة حتى في مراكز التوزيع الحكومية، وأن تعميم استخدام الفواتير كان بمثابة اعتراف صريح بانسحاب الدولة من ضبط الأسعار. وبذلك ترك مجموع ما كان يحدث المستهلكين تحت رحمة فروق الأسعار وجشع التجار، حيث كان يحدد المستوردون سعر الدولار وفق تقديراتهم، مضيفين إليها الإتاوات وأجور النقل.
حتى المحاولات المحدودة للحد من ارتفاع الأسعار، مثل جولات لجان غرفة تجارة دمشق لطلب تخفيض الأسعار بشكل ودي، أو مبادرة إقامة سوق رمضاني بسعر الكلفة مع خصم الزكاة، لم تحقق نتائج كبيرة. بينما كانت ردود فعل المواطنين على صفحات الوزارة غاضبة ومؤكدة عدم جدوى النشرة، معتبرينها “حبراً على ورق”، إذ ترتفع الأسعار عند صعود الدولار ولا تنخفض إلا بمقدار ضئيل في أحسن الأحوال.
بمعنى آخر: غياب التسعير المركزي وحرية التجار في السوق جعل الأسعار رهينة لتقلبات العرض والطلب، وقلل من فعالية أي نشرة رسمية. فكانت النشرة غالباً مجرد مرجع شكلي يمكن للمستهلك اللجوء إليه لتقديم شكوى، بينما واصل التجار والمستوردون تحديد أسعارهم بحرية كاملة. وفي ذلك الوقت علقت وزيرة الاقتصاد السابقة لمياء عاصي على خبر انسحاب الوزارة من التسعير بأن تحرير الأسعار في ظل احتكار واسع وانفلات سعري قد يرفع الأسعار إلى مستويات غير مقبولة، لكنها أشارت أيضاً إلى أن التطبيق المثالي لقواعد السوق التنافسية قد يعود بالنفع على المستهلكين والمنتجين إذا توفرت المنافسة الفعلية وغياب الاحتكار.
مراقبة الأسعار بعد التحرير وحماية المستهلك
شكل سقوط النظام انعطافاً خطيراً على السوق السوري المعتاد على الأسعار المركزية، حيث تبنت الإدارة السورية الجديدة نموذج اقتصاد السوق الحر، الذي يقوم على حرية النشاط الاقتصادي وملكية وسائل الإنتاج الخاصة، بينما يقتصر دور الدولة على تنظيم السوق وضمان سيره ضمن قواعد المنافسة.
وضمن هذا التوجه، أصدرت غرفة صناعة دمشق وريفها تعميماً يلزم جميع بائعي الجملة والمنتجين والمستوردين بإصدار فواتير نظامية لكل عملية بيع، مع توضيح السعر بشكل دقيق، لضمان حماية المستهلك من الممارسات غير الشفافة ومساءلة أي تاجر لا يلتزم. والهدف من قرار التسعير الصادر في 12 تشرين الأول 2025، معالجة هذه الفوضى، وتمكين المستهلك من معرفة السعر الحقيقي قبل الشراء، وضمان الشفافية ومنع الغش والتلاعب.
ونص القرار على حظر بيع أو تخزين أي سلعة دون تحديد السعر، مع السماح لبائع المفرق بالبيع بسعر أقل من السعر المدوّن، بينما يعاقب كل مخالف وفق القوانين النافذة.
لكن كيف تطبق هذه القواعد عملياً؟ أوضح بلال الأخرس، المسؤول الإعلامي في مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك، أن الرقابة تتركز على وجود السعر على المنتج نفسه، وليس على اختلاف الأسعار بين محل وآخر، إذ يسمح للتجار بحرية تحديد أسعارهم وفق تكاليفهم ومصدر البضاعة، ما يتيح للمستهلك اختيار الأفضل. وبناءً على ذلك يكون المخالف الوحيد من لا يضع السعر، أو يتلاعب به بطريقة جسيمة، مثل بيع لحوم فاسدة أو مواد منتهية الصلاحية، وقد تؤدي المخالفات المتكررة إلى غلق وتشميع المحال.
على الرغم من ذلك يواجه التنفيذ تحديات كبيرة. فهل من الممكن ضمان التزام جميع التجار عند تنوع المنتجات واختلاف أحجامها؟ رئيس الغرفة، محمد أيمن المولوي، اقترح وضع السعر على رفوف المنتجات داخل نقاط البيع بدل تثبيته على العبوة نفسها، لتسهيل معرفة التكلفة للمستهلك دون تعقيدات. كما شدد على ضرورة مراعاة الأوزان والحجوم المحددة لكل سلعة بالتعاون مع وزارة الاقتصاد، لضمان دقة المعلومات وحماية حقوق المستهلك.
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن إصدار فواتير نظامية يعزز الرقابة على سلاسل التوريد، ويتيح تتبع البضائع من المصدر إلى المستهلك، ويحد من الغش والتضليل، كما يمكن المستهلك من مقارنة الأسعار والاختيار بحرية، بينما تشتمل الفاتورة على تفاصيل دقيقة مثل اسم البائع وعنوانه واسم المنتج وكميته وسعر الوحدة والسعر الإجمالي، مع تذكير واضح بالتزامات البائع والمخالفات المترتبة على الإخلال بها.
لكن الواقع يشير إلى استمرار المخالفات مثل رفع السعر دون سند قانوني، والتدليس في بطاقة البيان، وحيازة مواد منتهية الصلاحية، وعدم إعلان الأسعار، وعدم تداول الفواتير، ما يوضح الحاجة إلى رقابة فعلية وحماية حقيقية للمستهلك. هذه التساؤلات تبين أن وضع الأسعار الواضح خطوة مهمة، لكنها ليست الحل النهائي.
إذاً ما الحلول الممكنة؟
كيفية ضبط الأسعار في السوق السوري حالياً
على الرغم من وضوح القرار رقم 767، يظل تطبيقه على أرض الواقع محملاً بتأثيرات جانبية على الأسعار. فالسوق يعمل منذ سقوط النظام السابق، وماقبل ذلك، “بطريقة مقنعة” ضمن نموذج السوق المفتوح، حيث يحدد كل تاجر سعره وفقاً لتكاليفه ومصدر البضاعة. هذا التفاوت في الأسعار يفسر اختلاف السعر بين محل وآخر حتى عند بيع نفس السلعة.
ويشير عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك، إلى أن تحديد هوامش ربح واضحة للمنتجين والمستوردين خطوة ضرورية للحد من حالات الربح المبالغ فيه، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. وقد أوضح أن هذا النهج معمول به في العديد من الدول، حيث لا تتجاوز هوامش الربح في تلك الدول 25% في الصناعات الغذائية، وفي الألبسة 20%، وفي الصناعات الهندسية 30%، بينما تصل في الصناعات الاستخراجية مثل الحديد والإسمنت والسيراميك إلى 35%. لكنه يطرح سؤالاً: هل يمكن الالتزام بهذه الهوامش في ظل تقلب أسعار الصرف وتغير تكاليف الإنتاج والشحن يومياً؟
وأوضح كلامه بمثال عن تجربة قطاع الأدوية كيف أن إلزام الشركات بوضع السعر النهائي على عبوات الدواء أدى إلى ارتفاعات متكررة وفوضى في عمليات البيع، نتيجة التغيرات المستمرة في التكاليف. هذا يعكس التحدي الكبير في تثبيت الأسعار في بيئة السوق الحر. لكن في المقابل يبرز أهمية وضع هوامش معقولة للربح.
لتوضيح آلية تحرك السلع من الإنتاج إلى المستهلك، يمكن النظر إلى مثال البطاطا: تبدأ السلسلة من الزراعة، حيث تصل تكلفة البذور والأسمدة والحرث إلى نحو 1,400 دولار للطن، كافية لزراعة ستة دونمات فقط، مع تكاليف إضافية للحصاد تصل إلى 1,500 ليرة سورية لكل كيلوغرام عند وصوله للسوق. في مرحلة الجملة، يبلغ سعر الشوال نحو 87 ألف ليرة سورية، ويتراوح سعر الكيلو بين 3,500 و4,000 ليرة، حسب الجودة والكمية. وعند البيع بالتجزئة، يضيف البائع هامش ربحه، فيصل السعر للمستهلك النهائي إلى نحو 6,000 ليرة للكيلوغرام وقد يرتفع إلى أكثر من ذلك. هذا المثال يوضح كيف تتراكم التكاليف على طول سلسلة التوريد، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة الرقابة على ضبط الأسعار في كل مرحلة، خصوصاً في ظل السوق الحر وتقلبات الصرف.
باختصار، السوق الحر يحتاج إلى مقومات ليكون مناسب للمستهلك، فلا يمكن الحديث عن ضبط أسعار في هذا النموذج، إنما يمكن وضع هوامش ربح منطقية، وفرض رقابة كبيرة على الأسعار المعلنة، وعلى سلاسل التوريد. ولا يمكننا أن نغفل أهمية دخول منتجين جدد لضمان منافسة حقيقية، مما يعزز استقرار السوق ويوازن بين حرية التجارة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
اقرأ أيضاً: الإنترنت في سوريا.. رافد خفي للاقتصاد تحت وطأة الأسعار والقيود









